قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ضحايا الإرهاب الفكري كثيرون عبر التاريخ...

أولهم سقراط الذي أجبر على تجرع السم بتهمة افساد شبيبة أثينا. 

وبسبب أفكاره المعادية للحكم الملكي المطلق، وانتصاره للعادلة والحرية، سجن فولتير في "لاباستيل" الرهيب مع عتاة المجرمين والقتلة... وأما فيكتور هوغو صاحب رائعة "البؤساء"، فقد اضطر الى العيش في المنفى 18 عاما لأنه رفض التنازل عن أفكاره التنويرية المعادية للتسلط والاستبداد...

وكان على المفكرين والكتاب الروس المعارضين للنظام القيصري، والمنتقدين لسياسته، ولجبروت مخابراته، وأجهزته السرية، أن يواجهوا إرهاب من لم يكونوا على وفاق مع أفكارهم وآرائهم. وجميع هؤلاء كانوا ينتمون إلى حركات معادية للنظام القيصري. ورغم أنه أجبر على العيش في المنافي بسبب دفاعه عن الحرية والديمقراطية، فإن الكاتب والمفكر الروسي ألكسندر هرزن، وجد نفسه في السنوات الأخيرة من حياته عرضة لتهجمات عنيفة من قبل المثقفين الروس اليساريين الذين نعتوه  ب"الرجل الميت"، وب "الحثالة". ولم يكتفوا بذلك، بل اعتبروا كل أعماله الفكرية والأدبية التي أنجزها دفاعا عن الحرية في روسيا، مجرد" تفاهات توجع الرأس، ولا تثير سوى الاشمئزاز والغثيان".

وكذا كان الحال بالنسبة للكاتب الروسي الآخر ايفان تورغينييف. فقد نعته اليساريون الراديكاليون ب "الحمار" وب "الغبي"، وب"الثعبان"، وب "الشرطي". وردّا على تهجماتهم، كتب هو يقول :"  أنا فنان، ولست صحافيا، وأعمالي تعتمد على الخيال. لذا لا يمكن الحكم عليها اعتمادا على معايير سياسية أو اجتماعية. وأما آرائي فلا تمثل إلاّ نفسي". ثم أضاف مخاطبا اليساريين الراديكاليين :" أنتم لا تجرؤون على جرّ كتّاب  من أمثال والتر سكوت، وشارل ديكنز، وستاندال، وفلوبير أمام المحاكم الايديلوجية. أما أنا فلا تدعوني في أمن وسلام". 

و أنا أعتقد أن أمر وأقسى إرهاب فكري هو ذاك الذي يكون مثقفون ومفكرون أدواته، ومنفذيه. ففي ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، وبقية الأنظمة الشيوعية التي كانت تدور في فلكه، لم يكن المثقفون والكتاب والمفكرون الرسميون، المنتمون إلى الأحزاب الحاكمة  يترددون في مساندة الملاحقات، وأحكام الردع والترهيب المسلطة على زملائهم، وفي التحريض على مصادرة أعمالهم باعتبارها "معادية للثورة والشعب". وكم هم الشعراء والروائيون والمفكرون الذين حرموا من لقمة العيش، وسجنوا أو عذبوا، أو قتلوا بسبب وشاية مغرضة من أصدقاء  وزملاء لهم في محنة الكاتبة والفكر، أو بمباركة منهم 

وفي عالمنا العربي، كثيرون هم الذين كانوا من ضحايا الإرهاب الفكري المسلط عليهم من قبل  أصحاب القلم والفكر. ورغم أن أبا العلاء المعري، اختار العزلة، والصمت بعيدا عن المنابر والمؤسسات الرسمية، فإن البعض من الشعراء، وشيوخ الدين، وكتاب القصور تآمروا ضده، ونغّصوا حياته في أكثر من مرة باعتباره "ملحدا"، و"زنديقا". وفي كتاب "الأغاني"، وأيضا في العديد من الكتب الأخرى، نقرأ أخبارا عن مؤامرات ودسائس كان يحيكها مثقفون وشيوخ دين ضد كتاب وشعراء عرفوا بنزعاتهم التحررية، ورفضهم للظلم والاستبداد والتحجر الفكري والديني. وبسبب كتابه " في الشعر الجاهلي"، و"مستقبل الثقافة في مصر"، لم يتردد المحافظون من شيوخ الأزهر في مقاضاة طه حسين، ومنعه من التدريس في الجامعة. وفي الخمسينات، والستينات من القرن الماضي، استعان نظام عبد الناصر بالمثقفين والمفكرين الصحافيين الموالين له لملاحقة ومحاكمة المعارضين له من أهل القلم والفكر. وكذا فعلت الأنظمة البعثية في كل من العراق وسوريا. 

وقد عرفت تونس أنواعا مختلفة من إرهاب المثقفين ضد المثقفين. فعندما أصدر الشيخ عبد العزيز الثعالبي كتابه الشهير" روح التحرر في القرآن"، سارع شيوخ جامع الزيتونة بتكفيره، والمطالبة بمقاضاته.  وما أن رفع أبو القاسم الشابي صوته مُتغنيا بجمال تونس، وحاثا أبناءها على النهوض بها، حتى اندفع أعداؤه من اشباه الشعراء والكتاب لمهاجمته بشدة، متهمين إياه ب"الكفر"، وب "التطفل على الشعر"، وب "التطاول على المقدسات". وقد يكون كل ذلك سببا في موته المبكر وهو في سن الخامسة والعشرين. وتلقى أعداء الفكر الحر من أهل القلم والفكر كتاب الطاهر الحداد  "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" بسيل من الانتقادات اللاذعة. بل هم حرضوا العامة والسفلة على ضرب صاحبه  والاعتداء عليه في الشارع وفي الأماكن  العامة.  ولم يتجرأ المثقفون الرسميون على التنديد بالمظالم التي سلطتها أجهزة نظام بورقيبة على الشاعر الكبير منور صماح، والتي رمت به في هاوية جنون لم يشفى منه أبدا. 

وما أشبه اليوم بالبارحة. فقد استعان الرئيس المؤقت السابق بمثقفين وكتاب وصحافيين من الدرجة الدنيا، لينشر "كتابه الأسود" الشهير ، محرضا من خلاله  على محاكمة وتجويع مثقفين وكتاب زاعما أنهم "عملاء" لنظام بن علي، ناسيا أنه  كان من أوائل الذين صفقوا بحرارة  لهذا النظام، وهللوا له بعد تنحية بورقيبة في  أواخر عام 1987. وكذا فعل مثقفون ينتمون الى حركات يسارية عرفت بعدميتها، وجهلها بالواقع وبالتاريخ التونسي. وتبنى من انتموا فكريا وايديلوجيا إلى حركات سلفية  نظريات يزعمون انهم استقوها من القرآن ليجيزوا لأنفسهم "تكفير" مثقفين وشعراء وكتاب، ومساندة أعمال العنف التي تسلطها عليهم الجماعات السلفية المتطرفة. 

وأغلب الممارسين لمختلف أشكال الإرهاب الفكري والثقافي في تونس اليوم هم من كانوا موالين لنظام بن علي، ومن أكثر المستفيدين من نعمه. وسعيا منهم لإخفاء ذلك، هم يغالون في التنكيل بمثقفين عرفوا باستقلاليتهم الفكرية. وهم يسمحون لأنفسهم باستعمال كل الوسائل  لإقصاء هؤلاء    وتهميشهم وابعادهم لكي يكونوا هم  في قلب المشهد، ولكي يحصلوا من جديد على المزيد من الامتيازات المادية والمعنوية التي كانوا ينعمون بها في السابق.