قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نصر المجالي من لندن:كشف النقاب اليوم عن اتصالات بدأت بين أحد أبرز رؤساء الحكومات في العهد الملكي السنوسي في ليبيا والعقيد معمر القذافي الذي أطاح الحكم في العام 1969وتعود إلى إبريل (نيسان) الماضي، حيث وجه مصطفى بن حليم رسالة إلى العقيد دعاه فيها إلى الإصلاح، وقال فيها "إعتدل أو إعتزل"، وتلقت "إيلاف" اليوم النص الكامل للرسالة عبر مصادر ليبية.يذكر أن رئيس الوزراء الليبي الأسبق الذي يعيش في المنفى منذ 35 عاما ، تحدث في مقابلة صحافية نشرتها "إيلاف" عن رغبته في العودة إلى ليبيا "إذا حدثت إصلاحات جذرية"، وهو أيضا كشف عن أنه أوفد نجليه رجلي الأعمال عمرو وهشام إلى طرابلس تلبية لدعوة من سيف الإسلام نجل الرئيس الليبي "للمساهمة في خبراتهما الاقتصادية لدعم مساعي طرابلس في إصلاحاتها الاقتصادية وخططها الانفتاحية على القطاع الخاص والغرب سواء بسواء".

وفي الآتي نص رسالة مصطفى بن حليم للرئيس الليبي:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد العقيد معمّر القذافي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

إنني وأنا في هذه المرحلة المتقدمة من العمر حيث تتجرّد فيها النفسُ من التعلق بحطام الدنيا ومطامِحها وتتوجّه فيها إلى الله وحده، لا أجد حرجاً من التوجّه إليك بهذه الرسالة أملاً في أن يصلح بك مالك المُلك، جل شأنُه، حال الوطن وحال شعبنا الذي عانى من اليأس في الإصلاح وويلات الضياع، فيسترد تفاؤله في مستقبله وتعود البسمةُ إلى شفاه أبنائه وتقر عيوننا برؤية الوطن وقد عادت إليه الروح، وتبوأ مكانه اللائق بين الأمم بما أنعم الله عليه من خيرات وتجانس في السكان، وموقع متميز، وهو مهيأ لذلك وجدير به.

لقد صدر لي كتاب في شهر سبتمبر/أيلول الماضي بعنوان "ليبيا: انبعاثُ أمّة وسقوطُ دولة" ضمنته نصيحة عامة اقتبستها من تراثنا الإسلامي تقول في مجملها "اعتدل أو اعتزل". وحيث أنه يخامرني الشك في أن تلك النصيحة المخلصة قد وصلتكم، فقد رأيت أن أتوجه إليكم بهذه الرسالة استطرادا لها. ذلك أنه يبدو للعيان أن "الاعتزال" مستحيل الحدوث، صعب القبول يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه من فراغ وفوضى وتداعيات...

لذلك لم يبق إلا سبيل الاعتدال. والمقصود بالاعتدال هو الرجوع إلى جادة الصواب بعد أن بان الخطأ، وهو ما أطالب بإلحاح أن تجنح إليه وتلج بابه الرحب. ومتطلبات ذلك هي: إقامة العدل بين الناس وإحقاق الحق والإصلاح بأنواعه ما استطعت إليه سبيلا... هذا ملخص رسالتي التي آمل أن تتسع لها القلوب وتتقبلها العقول ولا أريد منها سوى كلمة حق وصدق أقولها وأمضي لا أبغي عليها أجرا ولا شكورا.

السيد العقيد...
أصارحكم أنني تابعت باندهاش جهودكم وتصريحاتكم الجريئة لاكتساب الشرعية الدولية. وهذا أمر ضروري ومطلوب. ولكن ما أخشاه هو أن يكون ذلك عوضاً أو بديلاً عن السعي الحثيث إلى الشرعية الوطنية الداخلية، ذلك العمود الفقري الذي يربط الحاكم العادل بالشعب الوفي. وزاد استغرابي بهاظة الثمن "ماديا ومعنويا" وأنا أعرف، وأنت تعلم، أنه كان بالإمكان اكتساب الشرعية الدولية بأقل من ذلك ثمنا. وأنا أشير إلى المساعي التي بذلتُها (في مارس/أبريل 1992) لدى الدول الغربية. وبرغم دهشتي لما حدث فإنني أخرج منها بالأمل بأنك جاد في السعي لإصلاح عام شامل لأحوال الوطن. وما السعي للشرعية الدولية إلا الخطوة الأولى لسعي حثيث يعالج تلك الشرعية العزيزة على قلب كل ليبي والأمل المنشود لشعبنا الصبور، أعني الشرعية الوطنية الداخلية.

ولقد سمعت بعضا من خطاباتاكم وتصريحاتكم في الإذاعة المرئية. وقرأت كثيرا منها في الجرائد السيارة... التي برهنت فيها على شجاعة وصراحة جريئة. فقد هاجمت سياسة التخبط والفوضى والارتجال والقرارات الاعتباطية الحمقاء التي أوصلت الوطن إلى هاوية سحيقة من التخلف والانحدار، ثم هاجمت الفساد والمفسدين...

دعني أذكرك بفقرة وردت في خطابك المؤرخ يوم 12/6/2003
وهي تقول "... أنا الآن أريد أن أعبر عن نفسي... أنا لست راضيا عن أي شيء يجري في ليبيا، وهذا كله أنا لست مسؤولا عليه... والنظام الاقتصادي والاجتماعي والقانوني والتربوي وما عليه ليس لي علاقة بهذا كله... أرجوكم ألا تنسبوا هذه الأشياء وتقولون هذه توجيهات القائد... أبدا أنا لم أوجه بهذا الشكل". وقولكم... "إن القطاع العام فشل فشلا ذريعا، لأنه يحتاج إلى أناس مستواهم عال جدا، عندهم وطنية قوية، وإخلاص وعلم وحرص على الناس الآخرين الضعفاء".

بل إن خطابك يوم 2/3/2004، ذلك الخطاب الصريح الجريء، يؤكد أملي بأنك صادق في قولك. وأن هناك فسادا يتطلب إصلاحا، وأمورا غير صالحة تحتاج إلى تغيير سليم، وانغلاقا يدعو إلى انفتاح، واعوجاجا لا بد له من تقويم.

ولتوليد القناعة بما تقولون والاطمئنان والثقة بأنكم غير راضين عنه لا بد من الأفعال التي تصحح الخلل وتعيد الأمور إلى مسارها الصحيح.

إن ما أوردتُ هو غيض من فيض من تصريحاتكم الصريحة التي تعبر عن عدم الرضا عما هو جار في الوطن. ويتبع هذا بالضرورة سعي صريح جريء منكم لإصلاح الفساد ومعاقبة المفسدين وتقييم المعوج ورفع الظلم وإعادة سيادة القانون والحريات العامة والمؤسسات المدنية.

وأقولها لكم بصراحة إن الوضع الداخلي في الوطن سيء، وسيظل على ما هو عليه. وطن يئن ومواطن سئم سوء المعاملة، مسلوب الإرادة، حريته رهينة، حقوقه مصادرة، سجونه مليئة، أفواهه مكممة، أمواله العامة سليبة... وما لم يتغير هذا الوضع المؤلم ستظل في نظر الشعب والتاريخ، رضيت أم أبيت، تتحمل المسؤولية عن ذلك كله بحكم موقعك القيادي.

لقد أقمت خيمة كبيرة استقبلت فيها كبار القوم الغربيين، وتوصلت لا شك إلى تفاهم معهم وحصلت على رضاهم. وبهذا تكون قد أصلحت أمور الوطن مع الغرب وأرجو أن تكون قد أمنت عداءهم. غير أن التوقف عند هذا الحد أو الاعتقاد بأن التصالح مع الخارج كفيل بحل المشاكل فإنه وهم أثبت التاريخ والتجربة أنه لا يؤدي إلى استقامة الأمور في الداخل. فهذه الاستقامة لا يمكن لها أن تتحقق إلا بإصلاح الأمور من أساسها وإقامة ما يسمى بالشرعية الوطنية الداخلية التي هي العماد الذي تقوم عليه عملية البناء الداخلي السليم في جميع جوانبه. وهي التي تهيّء الظروف للمصالحة الوطنية الجادة وتأمين كرامة الوطن والمواطنين. وهذه الشرعية الوطنية الداخلية هي صاحبة الأولوية من منظور العمل الوطني. ولا يغني عنها التصالح مع الأجنبي أو أن يكون ذلك التصالح مبررا للإبطاء في إقرار الشرعية وإخراجها إلى حيز العمل.

لذلك، واستطرادا لسياسة إقامة الخيم فإنني أقترح عليك، بتجرّد وجدية وتواضع، أن تقيم خيمة عظمى للشعب الليبي كله. خيمة أوتادها من المؤسسات المدنية الحرة، وذات أعمدة أربعة أولها سيادة القانون واستقلال القضاء. وثانيها عمود الحريات العامة مثل حرية الرأي والرأي الآخر والحريات الصحفية والنقابية. وثالثها عمود الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين. ورابعها مصالحة من ظُلم من الليبيين سواء بالسجن أو القتل أو التعذيب أو مصادرة الأملاك أو الاستيلاء عليها ظلما على أيدي الانتهازيين والخارجين عن القانون.

ويشد أجزاء تلك الخيمة المعنوية العظمى إلى بعضها البعض، ويضمن لها التماسك والسلامة والحماية من التقلبات، غطاء متين. هذا الغطاء هو نظام دستوري حديث يقره الشعب بحرية كاملة، يضمن للمواطنين حقوقهم وحرياتهم العامة، وينظم المساءلة والمحاسبة والتوازن بين السلطات العامة المختلفة في شفافية تامة. وحبذا لو كانت أروقة تلك الخيمة تفتح في اتجاهات عديدة لتزويد سكانها بنسائم رياح التطور الحديث وأجواء الانبعاث الإسلامي الصحيح.

إنني أؤكد لكم بكل تجرد أنكم إن أقمتم تلك الخيمة، وفتحتم أبوابها ليدخلها المواطنون جميعا بعزة وكرامة واطمئنان واثقين بأن عهد الإصلاح الجدي قد بدأ، فإنكم ستوفقون في القضاء على سنوات الضياع والسياسات العقيمة، وتصلون بشعبنا الليبي الأبيّ إلى شواطىء الأمن والحرية والتقدم والاستقرار، وستعيدون إلى شفاهه بسمة الرضا التي طالما انتظرها...

أسأل الله أن يهيأ لنا من أمرنا رشدا، وأن يهدينا إلى طيّب الأعمال، فإنه لا يهدي إلى طيّب الأعمال إلاّ هو جلّت قدرته، وأن يوفقك على طريق الخير والإصلاح فإنه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة منه وبركات

مصطفى أحمد بن حليم

لنـدن في 17 صـفر 1425 الموافـق 7 أبـريل 2004