طرابلس: quot;الناس في ليبيا طيبونquot;، هذا اول انطباع تخرج به من زيارتك الاولى للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى ـ طويل هو الاسم، رغم بساطة العلم فهو مجرد قطعة من القماش الاخضر!
لم يكن الفندق الذي نزلت فيه بالعاصمة طرابلس ببعيد عن المدينة القديمة التي تحدها سبعة ابواب كعادة كل المدن الفاطمية، اشهرها باب القائد الروماني كارلوس ايريليوس الذي يعود تاريخه الى اكثر من 2500 عاما. وبالقرب من سوق الترك ترى معدات حديثة تحفر لتطوير الشوارع ـ مظهر للحركة في ليبيا ما بعد العزلة.
في الناحية الاخرى من المدينة بالقرب من سوق المشير وعلى طرف المدينة القديمة قرب البحر السرايا الحمرا، مقر الوالي العثماني والتي سكنها احمد باشا القرملي الذي بنى quot;مدرسةquot; على نمط الزيتونة في تونس والازهر في القاهرة.
عكست مناقشات المؤتمر الذي شاركت فيه، ونظمه اتحاد المصارف العربية مع مصرف ليبيا المركزي في طرابلس تحت عنوان quot;تجربة المصارف الاجنبية في الوطن العربي ... الايجابيات والسلبياتquot;، الانقسام الواضح بين النخبة الليبية بشان الانفتاح على الخارج والتغيير وتحرير الاقتصاد.
فكثير من المهنيين، وكلهم في الاغلب موظفون في الحكومة، يرون في دخول الاجنبي خطرا وان اعترفوا بالحاجة للتطوير والتاهيل باستيراد الخبرات. وقليلون هم من يجارون القذافي الابن، سيف الاسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي، في ضرورة الانفتاح على الغرب وخاصة في الاقتصاد. لذا تلاحظ ان الاهتمام انما ينصب على قطاع الطاقة، الذي لا تستطيع ليبيا تطويره منفردة وتحتاج للشركات الاجنبية الكبرى فيه.
تلك الحالة، والموقف من التغيير تلحظها عين الزائر للعاصمة طرابلس، فرغم بعض quot;الاحواشquot;، اي الدور، الكبيرة يسكن الاغلبية في مجمعات شقق سكنية تذكرك بالتخطيط العمراني لحكومات التحرر الوطني في غالبية دول المنطقة. وفي شارع الفاتح، في سرة المدينة، تلمح بقايا المعمار الايطالي، الى جانب معمار قديم في مبنى عتيق هو مدرسة الفنون والصنايع التي تعود الى عصور اقدم.
ورغم ان ليبيا تحتفظ بفائض اصول يقدر بنحو خمسة وخمسين مليار دولار، لكنك لا تلحظ تلك الثروة في البنية الاساسية للمدينة، كما ان الناس يعتريهم قدر من القلق لان التغيير المتوقع من انتهاء الحصار لم يجلب لهم ما توقعوا من رواج ... ويبدو ان التوقعات كانت كبيرة اكثر من اللازم.
فرغم التضخم الحقيقي الواضح، وان كانت الارقام الرسمية تشير الى معدل اقل، لم تزد الاجور في الحكومة والقطاع العام. نعم قد ترى مظهرا لارتفاع اسعار النفط في العدد الكبير من السيارات الحديثة، الى جانب اخرى من قدمها لا تستطيع تمييز ماركتها، في شوارع تحتاج لصيانة وتاهيل كبير، لكن المظهر العام لا يتفق مع ثروة البلاد.
ربما ينظر الاجنبي الى ليبيا كفرصة للمشروعات، فكل المجالات فيها بحاجة لتطوير واعمال واسعة، لكن المثير ان اهل ليبيا ـ خاصة نخبتها المتعلمة ـ يدركون اهمية واولوية التعليم. وهنا اذكر مثالا على بعض الليبيين الذين عادوا بخبراتهم لشق الفرص في بلد ينفتح.
عمل مصطفى في شركة تكنولوجيا معلومات عالمية بين فرنسا ودبي لسنوات، والان عاد الى طرابلس ليؤسس شركته لتقنية المعلومات معتمدا على خبرته الواسعة وحياده السياسي ليكيف منتجات التكنولوجيا مع احتياجات المجتمع الليبي. لكن عليه بالطبع ان يبني quot;علاقاتquot; مع البيروقراطية الراسخة ليتمكن من اقتحام مجال التعليم بمنتجات حديثة معدلة ليبيا. ليس مصطفى المثال الوحيد، لكنها امثلة تظل قليلة ـ على الاقل بالنسبة لاحتياجات ذلك البلد الشمال افريقي الذي يتطلب جهودا جبارة ليستعيد مكانته القديمة، وفي مقدمتها جهود تطوير البشر عبر التعليم والتدريب.
كان احد دروس كتاب المطالعة ونحن في سنوات التعليم الاولى قبل نحو نصف قرن بعنوان quot;السياحة في ليبياquot;، ثم غاب ذلك الدرس من كتاب القراءة في مدارس مصر الابتدائية ... فهل يعود.



















التعليقات