توقع عراقيون حدوث تطورات غير محمودة العواقب بعد إعلان نوري المالكي تمسكه بالترشح لمنصب رئيس الوزراء وإصراره على عدم التنازل عنه، كما أكد في الخطاب الذي ألقاه مساء الجمعة.


عبد الجبار العتابي من بغداد: عبّر العديد من العراقيين عن تشاؤمهم بما جاء في خطاب المالكي، الذي أعلن فيه عن عدم تنازله عن السلطة على الرغم من الأصوات الكثيرة التي تطالب بتغييره، والتي ترى أن مصلحة العراق تقتضي ذلك، لاسيما أن الأحداث كشفت عن رغبة معظم القوى السياسية في تنحيه عن السلطة. وتوقع البعض حصول تطورات غير محمودة العواقب، مشيرين إلى أن المرجعية الدينية وحدها التي يمكنها درء الفتنة.

دهليز أكثر عتمة
فقد أكد القيادي في الحزب الشيوعي العراقي جاسم الحلفي أن تمسك المالكي بالمنصب سيدخل العراق في دهليز أكثر عتمة. وقال: لقد أصبح الرهان على العقل السياسي المتنفذ في إيجاد مخرج من النفق المظلم الذي وصلت إليه أزمة نظام الحكم نوعًا من العبث غير المجدي. فليس من الصحيح تعليق الآمال على فكر المتنفذين، الذي لا يغادر منهج المحاصصة الطائفية.

وأضاف: لن نأمل من المتنفذين على أمور البلاد بكل أصنافهم واتجاهاتهم ومراكزهم إحلال السلام وفرض الأمان والإعمار، فبعض أفعالهم التي اتسمت بالعنجهية والتكبر والاستخفاف بالقيم التي فاقت ممارسات كنا قد حسبناها ولت مع رحيل الديكتاتور المقبور وأتباعه.

وتابع: عدم تنازل المالكي سيضع العراق في دهليز أكثر عتمة، وذلك بعد اشتداد الصراع على السلطة، والتي تعني للبعض، مع الأسف الشديد، مالًا ووجاهة ونفوذًا، وليس تحقيق أمن وتوفير خدمات وتأمين استقرار، أنا غير متفائل بإيجاد حل وتشكيل حكومة ضمن المدد الدستورية، بل سندخل في أزمة أعمق مما نعيشها اليوم.

مشهد سياسي معقد جدًا
أما الكاتب جمال كريم فقد أكد أن المشهد السياسي معقد جدًا. وقال: إن تمسك المالكي بالترشيح لولاية ثالثة إنما يعود إلى فوز ائتلافه في الانتخابات التشريعية، وهو يرى في ذلك أنه استحقاق انتخابي، هذا عدا أن ائتلافه يشكل الكتلة النيابية الأكبر، كما إن التحديات الأمنية فضلًا عن الصراعات السياسية في البلاد جعلت خصومه، أي المالكي، يؤكدون ضرورة إيجاد بديل منه، لكونه من وجهة نظرهم أخفق في معالجة أكثر الملفات تعقيدًا في البلاد.

أضاف: ومن جانب آخر فإن كتلًا كبيرة في التحالف الوطني الشيعي قد حققت فوزًا في الانتخابات التشريعة، فضلًا عن الكرد والعرب السنة يرفضون ولاية ثالثة للمالكي في ظل تزايد التعقيدات السياسية والأمنية التي أصبحت متصلة ببعضها بعضًا.
&

وتابع: المشهد السياسي معقد جدًا، وعلى الأطراف جميعًا أن تتفق على الخروج من المأزق الخطر، حتى لو كلف هذا الطرف أو ذاك التنازل لتحقيق التوافق الوطني، ولا ننسى أخيرًا أن المالكي من خلال بيانه ألمح ضمنًا إلى أن رئاسة الوزراء من دونه ستكون حصرًا بأحد أعضاء ائتلافه.

يعد بمعركة طويلة
من جانبه أكد الكاتب حارث حسن أن المالكي من خلال خطابه يعد بمعركة طويلة، وقال: كأي مغرم بالسلطة يخوض معركة أبدية مع "المتآمرين" و"المتربصين" و"الخونة"، يبدأ بيانه بمخاطبة "الشعب"، وينتهي بالحديث إلى أنصاره الحزبيين، يخلط بين المؤامرة التي تستهدف البلاد وبين سلطته الشخصية، يبدأ بخطاب عن مظلوميته والاستهداف العدواني له، وينتهي بوعد بالثبات ومواصلة النزال حتى النهاية، نهايتكم أيها "الشعب الكريم".&

وأضاف: إنه يعتقد أنه ليس من المناسب الانسحاب بمواجهة الجماعات الإرهابية وحلفائها من البعثيين (طبعًا لا يقصد بعثيي سوريا)، لكنه يعتقد أنه من المناسب البقاء في السلطة وعدم تحمل أي مسؤولية عن سيطرة هؤلاء الإرهابيين وحلفائهم على حوالى نصف مساحة البلاد.

وتابع: في هذا البيان هو لا يتحدى فقط خصومه من القوى الكردية والسنية، بل حتى حلفاءه الشيعة، الذين وقف معهم قبل أيام قليلة خلال الإعلان عن التحالف الوطني بوصفه الكتلة الأكبر، يقول لنا إنه لا يجوز الانسحاب الآن من "أرض المعركة"، المعركة التي كان يمكن تجنبها لو لم يكن هو من يقود أحد طرفيها، إنه يعد بمعركة طويلة، هو بحاجة إليها لكي يبقى، وهي بحاجة إليها لكي تستعر.

لعبة جر الحبل
أما الإعلامي صفاء المنصور فقال إن السياسيين يلعبون لعبة جر الحبل، وأعتقد أن المالكي يمارس حقه بالترشح لمنصب رئاسة الوزراء والتمسك بهذا الحق الدستوري لكونه رئيس الكتلة الفائزة الأكبر، لكن هناك إشكاليات كثيرة بحصوله على المنصب للمرة الثالثة تتعلق بالمقبولية لدى باقي الكتل السياسية والمكونات العراقية، مثل الكرد والسنة وأطراف من الشيعة، إضافة إلى صعوبة نيله الغالبية البرلمانية التي تؤهله للحصول على رئاسة الوزراء لولاية ثالثة، في المقابل فإن أطرافًا أخرى تملك هذا الحق أيضًا، أقصد حق تشكيل الكتلة الأكبر والترشح ونيل المنصب إذا توافرت لها المقاعد البرلمانية الكافية، وعندها يجب أن تأخذ الديمقراطية مجراها، وأن تكون لدينا موالاة ومعارضة قوية وفاعلة في البرلمان.

وأضاف: السياسيون الآن يمارسون لعبة جر الحبل، والغلبة لمن يجمع حوله أكبر عدد من النواب لضمان تصويتهم له للحصول على كرسي رئاسة الوزراء، والمالكي سيستمر في هذه اللعبة حتى نهاية المطاف، لكونه يملك كل الأدوات التي تتيح له المطاولة أكثر من باقي الخصوم الآخرين، عندها يبدأ تأثير عوامل أخرى قد تكون سببًا في حسم الأمر، ومنها دور المرجعية الدينية أو التأثير الخارجي كالدورين الأميركي أو الإيراني.

خطاب مجاف للمرجعية
إلى ذلك اعتبر الإعلامي حامد السيد أن خطاب المالكي جاء مجافيًا لموقف المرجعية. وقال: خطاب المالكي شخصي سيصطدم بواقع العراق الكتلوي، الكتل السياسية هي من تحدد مصير السياسة، وليس الأشخاص، التزامه بعدم سحب ترشيحه يساعد باقي أطراف البيت الشيعي على استعادة المبادرة لمصلحة المرجعية التي تركز على تشكيل حكومة جامعة وغير مشرذمة، صحيح أن الأمر يكلفها الانقسام على المذهب، لكن سمة النجف كراع لمشروع عراقي تعددي مهددة بالانهيار، إذا ما حصل المالكي على سلطة جديدة.

وأضاف: كل الممكنات الداخلية للولاية الثالثة غير حاضرة في الوقت الحالي، الصدريون والحكيم وحتى العقائديون التقليديون في ائتلاف دولة القانون كـ (مستقلون) وبدر، لا أعتقد أنهم سيتنازلون عن استحقاق الشيعة المتعلق بمنصب رئيس مجلس الوزراء& لمصلحة حزب الدعوة، ولأن خطاب المالكي جاء مجافيًا لفعل الحوزة الداعي إلى حكومة وفاق وطنية، فلا ضمانات متعلقة في حال حصول المالكي على الولاية الثالثة من أنه سيغير المعادلة، ويحتكر المؤسسة الدينية الإيرانية ضد نظيرتها النجفية، فضلًا عن أن المناخ الطائفي في العراق صار يحتاج تلحيظات أكثر تفصيلًا، تتعلق بمصالحة جادة بين السنة والشيعة، ومدخل تلك المصالحة رحيل نموذج المالكي كحاكم شيعي يقود البلاد بعقل معارض، وليس بقائد.

كارثة سياسية
أما الصحافي أحمد جبار غرب فقد أكد أن الأوضاع تنذر بكارثة. وقال: كان مؤملًا حسب آخر الأخبار تنحي النجيفي من رئاسة البرلمان مقابل عدم ترشيح المالكي لولاية ثالثة، هكذا كانت الأخبار المتسربة إلينا، لكننا فوجئنا بخطاب رئيس الحكومة نوري المالكي بتشبثه بالمنصب، ورغم أنه استحقاق انتخابي، إلا أن معظم القوى السياسية كانت قد أكدت أن الدورة الرئاسية دورتان فقط، ولا يجوز أن تكون ثلاث دورات، وعليه فإن الأوضاع في العراق تنذر بكارثة وعواصف سياسية أعتى من الذي يجري الآن، والسبب أن غالبية الشعب العراقي قد طالبت بالتغيير وحتى المرجعية لوجود السياسات الخاطئة للكابينة الحكومة ولمجمل السياسيين العاملين في الحكومة وغيرهم.

وأضاف: كنا نأمل أن يكون رئيس الوزراء أكثر حكمة، وأن يكون أكثر التصاقًا بمصالح الناس، وأن يدرك أن الغالبية الدولية والعربية والمحلية غير راغبة في وجود المالكي لأسباب عديدة، أقلها انجرار البلد إلى حقبة من الدكتاتورية وعسكرة المجتمع.

&