عدالة الفتى بيكهام!

عـلي ريـاح


علي رياح
حاولت الصحف والأقنية الأوربية والأمريكية ، في الأسبوع الأخير ، إثارة ديفيد بيكهام على الايطالي فابيو كابيللو ، من منطلق أن الأخير أصاب آماله في الصميم وحطم كل ما يتبقى من آمال عودته مجدداً إلى رحاب المنتخب الانكليزي .. ولو دخلنا إلى أعماق بيكهام لاستكشاف العواصف التي زعزعت كيانه ، لأدركنا كم هو حجم الحزن الذي استبد به .. ولو أدركنا أن غاية المنى بالنسبة له أن يخوض المباراة المفصلية في كل مسيرته كونها تحمل الرقم 100 في سجله الدولي ، لوجدنا جانباً من الحق في أية مظلمة سيرفعها اللاعب ضد مدرب بلاده ، ولالتمس الكثيرون العذر لبيكهام في أن يشن حملة لا هوادة فيها على المدرب لأنه مسح كل خدماته لانكلترا ووقف حجر عثرة في طريق المباراة التي تحمل صفة تكريمية قبل كل شيء ..

لكن النجم الانكليزي الذي تطالعنا كل يوم أخبار تصرفاته غير المتزنة خارج الملاعب ، هو وزوجته المغنية المثيرة للجدل ، أراد في مناسبة (شخصية) تدمي القلب كهذه أن يقدم الدليل على أنه لاعب على جانب كبير من الاحترافية في عمله ، وأن كل ردود أفعاله اتسمت بالشجاعة النادرة التي لم نر إلا القلة القليلة من اللاعبين في العالم وهم يتحلـّون بها .. دعوني أذكركم بأن بيكهام قال إن قرار استبعاده من اللعب أمام سويسرا قرار عادل تماماً ، لأنه أقر واعترف على الملأ بأنه لم يخض المباريات قبل موعد المواجهة مع سويسرا .. والأكثر من هذا ، كشف بيكهام عن كل مخزون خلقه الكروي الرفيع حين قال إن استدعائه لتلك المباراة كان سيعتبر قراراً غير عادل!

أضع نقطة في نهاية السطر ، ثم أستهل سطراً آخر بهذا السؤال الذي طرحته أياماً عدة على نفسي ولم أعثر على ضالتي في الإجابة : هل تتذكرون لاعباً محلياً أو عالمياً ـ مهما كان شأنه ـ قد دافع عن مدرب فريقه بكل هذه الاستماتة التي تضجّ بالمعاني الأخلاقية التي يقلّ نظيرها ؟!

أعيد السؤال ثانية وثالثة ، وأضع أمامي شريطاً طويلاً من الحوادث والمواقف والذكريات ، ولا أجد لاعباً قال كلاماً كله تحبّب في مدرب حرمه من المباراة الدولية رقم مائة .. على العكس تماما من ذلك ، وجدت النماذج التي مرّت في الذاكرة وقد خرجت على أعمدة الصحف وعلى الشاشات كي تشن الحروب المدمرة التي تـُستباح فيها القيم الرياضية بل ربما يذهب الأمر إلى ما دون ذلك بكثير حين يفتح اللاعب جوفه في هذه الحالة ليستخرج أسوأ ما في عقله أو وعيه من مفردات ليقول في المدرب ما لم يقله مالك في الخمر .. وينتفح المسرح على كل عتباته وأروقته حين يشن عشاق هذا اللاعب من جانبهم حروباً جانبية وأساسية أخرى تقدح المدرب وتستحضر كل أخطائه وخطاياه التي ارتكبها أو لم يرتكبها!

هل كان كابيللو عادلاً بالفعل حين حرم بيكهام من مباراة ودية واحدة لم تكن لتؤثر كثيراً على ميزان المنتخب الانكليزي المثقل بالجراحات وآخرها الخروج من تصفيات يورو ألفين وثمانية ؟!

لسنا نشك لحظة واحدة في أن المدرب الايطالي استخدم القسوة المفرطة وهو يحافظ على المبدأ الرياضي السليم الذي لا مجال فيه لمجاملة قائد الفريق وبالتالي استمالة أهواء وأصوات الملايين من عشاقه .. لكن مفردة (عدالة) هنا لا تنطبق بكل إيحاءاتها الإنسانية النبيلة إلا على ردة الفعل التي صاغها لنا بيكهام .. أتصور أنه هو من استخرج لنا عدالة كانت تخبو في ظل ترجيح المصالح الشخصية في العمل الكروي .. استخرجها ، وأزاح عنها الغبار ، وقدمها هدية معتبرة تفوق ما كان سيقدمه لتأريخه ولجمهوره لو أنه خاض تلك المباراة كسيحاً عاجزاً عن فعل شيء!