احتفل بيليه قبل بالذكرى السنوية الأربعين لتسجيل هدفه الألف عندما دحرج كرة ثابتة من ركلة جزاء في شباك حارس مرمى فاسكو دي غاما في استاد المفضل له ماراكانا الشهير.

إلا أن البحوث اللاحقة كشفت على أن الاسطورة البرازيلية ربما كان قد سجل هدفه الألف في إحدى المباريات السابقة من هذا التاريخ. وطرح هذا الانجاز تساؤلات عن عدد أرقام الأهداف المبالغ فيها التي قد سجلت في مباريات محلية وفي دوري درجات أدنى وإلى غير ذلك.

وعلى رغم ذلك، فإن النقطة المهمة هنا هي أن عظمة بيليه كلاعب كرة القدم لا يمكن أن تختزل فقط إلى تراكم الاحصائية القاتمة. إذ سيتذكره الجميع ليس فقط في تسجيله أكثر من ألف هدف، لكن بسبب تألقه المشرق لفترة طويلة جداً في الملاعب على أعلى مستويات اللعبة.

فبيليه وكأس العالم لكرة القدم مرادفان. ويعتبر هذا بمثابة شهادة للجودة الاستثنائية للبرازيلي كلاعب إلى حد أن معظم النقاد يعتقدون بأنهم لم يشاهدوا لاعباً أفضل منه من أي وقت مضى في منافسات كأس العالم.

ويمكن قراءة الحياة المهنية الدولية لبيليه مثل مسرحية كلاسيكية من ثلاثة فصول: فقد ظهر للعيان عندما كان مراهقاً، واستحوذ على قلوب الجماهير في كل مكان، ومن ثم اعترف به ملكاً لكرة القدم. ولكن بعد ذلك كان عليه أن يتعامل مع المشاكل، خصوصاً بعدما اقصي منتخب البرازيل من الدور الأول لنهائيات كأس العالم لعام 1966 التي اقيمت في انكلترا، وخاب أمله وأصبح وهماً لفترة من الوقت.

ولكن لو نظر بتركيز إلى حياته المهنية، فربما بدأت كأنها قد تحولت إلى ما يشبه quot;شيء مضاد للذروةquot;، إلا أنه عاد بقوة وكان محوراً في أفضل منتخب ظهر في العالم في كل العصور.

وكان أداءه جيداً وهو يرتدي القميص الرقم الـ10 لمنتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم لعامي 1958 و1970، إلا أن معظم النقاد يؤكدون أن تألقه كان رائعاً ومميزاً بين هذين التاريخين. ففي مونديال السويد 58 كان معبأ بحماسة معدية إلا أنه كان خاماً وبدا كأنه ما زال طفلاً هزيلاً. وعند مشاركته في المكسيك 1970 ظهر بيليه كأنه يستطيع كتابة موسوعة كرة القدم من النهاية إلى البداية من دون تردد، إذ كانت تحركاته الارتجالية رائعة، ولكنه كان أيضاً سيداً لالتقاط اللحظات الحاسمة لتمرير الكرة بكل سهولة إلى زملائه، وربما كان ذلك رد فعل لمونديال انكلترا 1966 عندما كان بطيئاً وأقل حركة مما كان عليه في أوائل ستينات القرن الماضي.

ولكن حسب تأكيداته، التي يؤيدها معظم المراقبين، فإن أفضل أداء لبيليه من أي وقت مضى كان في لشبونة عندما واجه ناديه سانتوس بنفيكا البرتغالي في نهائي كأس أندية العالم في تشرين الأول 1962 مرتدياً القميص الرقم الـ10 الذي اشتهر به، عندما كان يشق طريقه بقوة خلال دفاع الخصم ليساعد فريقه بإلحاق هزيمة قاسية على بطل أوروبا (5-2).

ومن المؤسف أن بيليه لم يتمكن من القيام بهذا الأداء الرائع لأكثر من مباراة واحدة قبل بضعة أشهر من هذه البطولة في نهائيات كأس العالم في تشيلي. فمن كل الأهداف التي سجلها في نهائيات كأس العالم فإن المراقبين يفضلون هدفه الذي لا يتم ذكره إلا قليلاً كونه جاء في هذه البطولة.

ففي المباراة الافتتاحية للبرازيل ضد المكسيك اندفع بيليه باتجاه الدفاع وراوغ جميعهم فرداً فرداً ثم وضع الكرة في شباك المرمى. فقد كان هدفاً بكل ما في الكلمة من معنى: الجرأة والرؤية، تسارع ووتيرة مستمرة، طاقة لا تصدق، التوازن، مراوغة محكمة وصارمة، القدرة على استخدام كلا القدمين، فقد أطلق الكرة باتجاه المرمى بقدمه اليسرى بعدما قام بكل عمله بقدمه اليمنى. ولكنه اصيب في المباراة التالية ولم يشارك مع منتخب بلاده بعد ذلك في هذه البطولة.

وكان يمكن أن تكون تشيلي 1962 لبيليه كما كانت المكسيك 1986 لدييغو مارادونا. ففي مونديال 1982 كان الاسطورة الأرجنتيني ساذجاً وقليل الخبرة للتعامل مع التوقعات وخائفاً من المواجهات. وبحلول عام 1990 كان جسده يعاني بالفعل من الضربات التي تلقاها لمدة طويلة من الخصوم على أرض الملعب ونمط الحياة المتقلب على نحو المتزايد خارج الملعب والتي سلم بهما. ولكن في مونديال 1986 فقد كان شيئاً آخر. وفي أوج مجده كان quot;ماكينةquot; كرة القدم. اللاعب الذي قدم براعة فنية فردية رائعة والذي كان يفهم كيف يستخدم موهبته في السياق الجماعي.

وبذكر كل هذا ليس فقط للإسهاب في الأشياء التي تعطينا المتعة، ولكن أساساً لطرح رأي مفاده أن مارادونا في مونديال المكسيك 86 كان حقاً آخر إصدار في هذه البطولة.

وتضمنت كل نهائيات كأس العالم اللاحقة سلسلة من قصص شاذة، ولكن من مصطلح المشهد على أرض الملعب فإن أداء بعض اللاعبين كان متوسطاً، على سبيل المثال في نهائيات 1994 و1998 و2006، والبعض الآخر كان أداءه سيئاً. وتتذكر جماهير انكلترا بولع مونديال ايطاليا 1990، ولكن نكد الطريقة الدفاعية في كرة القدم التي شاهدتها الجماهير الأخرى في هذه البطولة لم يغب على بالها. أما من وجهة نظر تقنية فقد كانت نهائيات كأس العالم لعام 2002 كارثة. إذ عقدت في وقت مبكر لتجنب موسم الأمطار في اليابان وكوريا الجنوبية، ولم يكن هناك وقتاً كافياً للاعبين للتعافي من قسوة الموسم الأوروبي الذي تم تمديده حديثاً.

ومن ذلك الحين اتخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم خطوات عدة لحماية المنافسة في الدوري المحلي. وخفض مبكر لنقطة انطلاق للدوري المحلي سعى إلى ضمان أن لدى جميع اللاعبين ما يكفي من quot;الغاز في خزائنهمquot; لضمان اظهار براعتهم في جنوب افريقيا. ويبدو أن مباريات التأهيل المونديال 2010 جاءت لمصلحة quot;الفيفاquot; هذه المرة، إذ أن ما يقارب جميع لاعبي النخبة وهؤلاء الموهوبين الذين يؤمل أن يكونوا مفاجأة هذه البطولة سيكونون حاضرين في جنوب افريقيا هذا الصيف.

وبطبيعة الحال، وعلى نحو متزايد، فإن دوري أبطال أوروبا هي البطولة التي ينبغي على اللاعبين أن يقدموا أداء جيداً لاكتساب السمعة. ولكن منافسات نهائيات كأس العالم لها طابعها الخاص، فوسعها للتمثيل لا يضاهيه أي حدث رياضي آخر، كما تبيّن مؤخراً من ردود الفعل من الجزائر إلى أوروغواي. فالظهور في نهائيات كأس العالم تبقى النقطة الأساسية في الحياة المهنية للكثير من اللاعبين. وإذا تألق أحدهم فيها، فإنه سيصنع له اسماً مدى الحياة.

وهناك أمل أن مجموعة من اللاعبين البارزين اليوم يمكن أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث بعد أسابيع عدة في جنوب افريقيا ndash; أيا كان القميص الذي يرتدونه ndash; وبالتالي فإنه يمكن أن يروى عن حياتهم خلال السنوات الثلاثين المقبلة، كما قدم هذا التقرير بصورة موجزة عن حياة بيليه ومارادونا. فكرة القدم بحاجة إلى بطولة كأس عالم عظيمة. فقد كانت فترة طويلة جداً منذ إقامة آخر بطولة مميزة.