يمكن تسمية رؤساء اللجنة الاولمبية الدولية منذ الرئيس الأول اليوناني ديمتريوس بيكيلاس، الذي كان بمثابة حلقة الارتباط ما بين التأسيس وتسلم محيي الألعاب البارون الفرنسي بيار دي كوبرتان مقاليد السلطة بعد تولي المهام الدقيقة لأمانة السر في الولاية الأولى، وحتى نهاية عهد اللورد كيلانن، بحراس الهيكل الاولمبي الذي أوقد دي كوبرتان شموعه وسهر على شعلتها.
وقد تميزت كل ولاية بالطابع الخاص لرئيسها ونظرته إلى الألعاب والحركة الرياضية عموما إلى ان انتقلت quot;المملكةquot; إلى الماركيز الأسباني خوان انطونيو سامارانش عام 1980 فنقلها من عصر إلى آخر، وسلم راية quot;الامبراطورية العملاقةquot; إلى الطبيب البلجيكي جاك روغ عام 2001... والمسيرة مستمرة.
ديمتريوس بيكيلاس:
اعتبر اليوناني ديمتريوس بيكيلاس الرئيس الأول للجنة الاولمبية الدولية إعادة إحياء الألعاب، وإقامتها في أثينا عام 1896 quot;انتصارا للأمة اليونانية في الدرجة الأولىquot;، إذ أن خطط تنظيم النسخة الأولى الحديثة صوبت بداية نحو باريس لتقام عام 1900، غير أن رئاسته اللجنة الدولية (1894-1896) في مؤتمر باريس كان لها الدور الفاعل في توجيه البوصلة صوب أرض الأجداد، وهو مثل بلاده فيه بصفته مندوبا عن النادي الرياضي اليوناني.
ويذكر التاريخ جيدا ان بيكيلاس (1835-1908) عمل بكد وجد من أجل نجاح دورة أثينا على رغم الصعوبات الاقتصادية، ولاحقا تخلى تاجر الحبوب عن عمله وتفرغ لهوايته أي الكتابة الأدبية بدءا من 1897 وأهتم بالأنشطة التربوية والثقافية في بلاده. وترك مؤلفات عدة منها quot;لوكي لاراسquot; و quot;قصص بحر ايجيهquot;.
هنري دوباييه لاتور (1925-1942):
تسلم البلجيكي هنري دو باييه لاتور مقدرات quot;العائلة الاولمبيةquot; خلفا للمؤسس البارون بيار دو كوبرتان الذي تولى المسؤولية بعد بيكيلاس.
ولد باييه لاتور في بروكسيل (1-3-1876)، ودخل اللجنة الاولمبية الدولية عام 1903 وهو في السابعة والعشرين من عمره. ديبلوماسي ورياضي بامتياز، إذ زاول ألعاب القوى والفروسية، وكلفه الملك ليوبولد الثاني بتنظيم الحركة الرياضية البلجيكية وأدارتها، وأسهم في منح مدينة أنفير شرف إستضافة الدورة الاولمبية السادسة عام 1920، والتي عرفت نجاحا كبيرا وصادفت والخروج من ذيول الحرب العالمية الأولى.
واستحق باييه لاتور بفضل الجهود الجبارة التي بذلها ان يكون خير خلف للبارون دي كوبرتان، وهو حافظ بقوة على الشرعة والمثل الاولمبية وأفكارها ومبادئها واستقلاليتها وبعدها عن التجارة، وعمل ليكون اللقاء المتجدد مرة كل أربع سنوات في منأى عن صراعات الأمم.
ولا شك ان البلجيكي الرصين مارس مهامه وسط ظروف حساسة تمثلت مع الصعود الكبير للنازية والفاشية، وكان عليه السير بين الألغام لتخرج دورة برلين 1936، والحركة الاولمبية سليمة معافاة.
وعلى رغم هدوئه ودماثته الا ان باييه لاتور كان صارما في تعاطيه مع مصالح اللجنة الدولية وquot;حقوق الألعابquot;، وحين زار برلين للاطلاع على استعدادات اللجنة المنظمة الخاصة بالألعاب قابل هانس فون تشامر اوند اوستن مستشار الزعيم الألماني أدولف هتلر، وحين طلب منه ترتيب موعد مع quot;الفوهررquot;، أجابه المستشار بانه مكلف بمعالجة الامور كلها والاجابة عن الاستفسارات، لا سيما وان وقت الفوهرر لا يسمح له الاهتمام بذلك، وبالتالي لا داعي للمقابلة. فرد عليه باييه لا تور على الفور بأنه سيغادر برلين حالا إذا لم يحدد له موعدا عاجلا، وكان له ما أراد.
وفي حضرة زعيم الرايخ الثالث وضع باييه لاتور النقاط على الحروف وشدد على ضرورة احترام الشرعة الاولمبية وإبعاد الشعارات النازية العنصرية عن مواقع الألعاب.
ولم تبهر المظاهر باييه لاتور، وأبدى دائما تخوفه من اتساع الألعاب والقضاء على الهواية، وطلب الحق بمراقبة طرق التدريب والإعداد ومتابعتها في الاتحاد السوفياتي، وإزاء رفض السلطات هناك هذا quot;التدخلquot; قرر منع رياضييها من المشاركة في الألعاب.
نادى باييه لاتور بالالعاب الاولمبية مسرحا للتآلف بين الأمم ووحدتها.
سيغفريد ادستروم (1946-1952):
خلف السويدي سيغفريد ادستروم (مواليد 21-11-1870 ) البلجيكي باييه لاتور في رئاسة اللجنة الدولية، وهو تميز خلال سنوات الدراسة في الجري السريع، وكان رقمه الشخصي 11 ثانية في سباق 100 م.
كان ادستروم احد المشرفين على تنظيم الألعاب الاولمبية في استوكهولم 1912، وترأس بعثة بلاده إلى الدورة الاولمبية في لوس انجيلس 1932. وأسس في استوكهولم الاتحاد الدولي لألعاب القوى 1912، وأصبح رئيسه عام 1946. واختير عضوا في اللجنة الاولمبية الدولية عام 1920، وفي لجنتها التنفيذية 1921. وكونه مقيما في بلد محايد بقي على إتصال مع أعضاء اللجنة الدولية خلال الحرب العالمية الثانية، وجمع المكتب التنفيذي للمرة الأولى بعد انتهاء المعارك عام 1945، حيث منحت لندن شرف تنظيم ألعاب 1948.
أعيد انتخاب ادستروم بالإجماع عام 1964، وتنحى وهو في الثانية والثمانين من عمره، فكرم بتسميته رئيسا فخريا للجنة الدولية.
ايفري برونداج (1952-1972):
إيفري برونداج من مواليد ميشيغان 28-9-1887 مهندس مدني لامع ومقاول ناجح تعهد بناء ناطحات السحاب في ميشيغان، وهو أبرز الرؤساء الاولمبيين الذين تألقوا على مستوى متقدم رياضيا.
زاول برونداج المسابقة الخماسية وكان في عداد البعثة الاميركية التي شاركت في دورة استوكهولم، وحل سادسا بعدما حصد 31 نقطة (إذ سجل 50ر6 م في الوثب الطويل، و85ر42 م في رمي الرمح و72ر34 م في رمي القرص، و2ر24 ث في سباق 200 م، ولم يكمل سباق 1500 م). وكان بطل الولايات المتحدة أعوام 1914 و1915 و1918.
تسلم برونداج مقدرات الاتحاد الاميركي لألعاب القوى من 1928 إلى 1938، واللجنة الاولمبية الاميركية من 1929 إلى 1954، كما شارك في دورة برلين 1936 حكما لكرة السلة.
تولى برونداج منصب نائب الرئيس في اللجنة الاولمبية الدولية عام 1945، وكان دائما محاربا للمحافظة على quot;الهواية النقية الصافيةquot;، لذا أطلق عليه لقب quot;الهاوي الأخيرquot;، وquot;ناضلquot; كثيرا للحد من التمييز العنصري لا سيما ان quot;المثل الاولمبية يجب ان تكون منزهة وبعيدة من أطماع الذين يزاولون الرياضة للشهرة والكسب، فالرياضة ليست وظيفة أو مهنةquot;. وquot;طوباويتهquot; جعلته يحارب المتزلجين الذين يستفيدون من الرعاية المادية والإعلامية ونعتهم ب quot;الغشاشينquot;، ومن الذين تأذوا من هذا الموقف البطل النمسوي كارل شرانز.
ولا يزال الجميع يتذكر موقفه الحازم ابان حادثة الفدائيين في دورة ميونيخ عام 1972، وإصراره على استئناف المسابقات وإكمال البرنامج quot;لان الألعاب يجب ان تستمرquot;.
وإزاء سياسة التمييز العنصري التي كانت تنتهجها روديسيا، ومطالبة الدول الأفريقية بمعاقبتها أو الانسحاب، عرف كيف quot;يقمع quot; الضغوطات ويصمد في وجه التيارات المتضاربة، مشددا على ضرورة ألا تتحول الحركة الاولمبية إلى quot;مستنقع حرب بين القوميات المختلفة والأعراقquot;. واتهمه رياضيون اميركيون سود بمسايرته لسلطات بلادهم في ضوء الضغوط وquot;اللا عدل quot; الممارس على ابناء جنسهم السود، فطالب 21 منهم باستقالته.
عرف عهد برونداج بتصاعد مسألة الهواية والاحتراف والتي ستكون لها تداعيات كبيرة لاحقا.
كان هاويا لجمع الأثريات والتحف الآسيوية الشرقية القديمة، وتقدر مقتنياته منها باكثر من 50 مليون دولار، وقد شيد لها متحفا في سان فرانسيسكو.
بعد ترمله، تزوج ثانية عام 1972 من ابنة العم الصغرى لسفير ألمانيا النازية فون ريبنتروب، وأقام بناء على رغبتها في بلدة غارميش بارتنكيرشن مسرح الألعاب الشتوية عام 1936. وتوفي بسكتة قلبية عن 88 عاما في 8-5-1975.
لورد كيلانن (1972-1980):
تولى الايرلندي ميشال موريس كيلانن (مواليد 30-7-1914) رئاسة اللجنة الدولية في المرحلة الحرجة أي حين أصبحت الألعاب ونتائجها مثالا يعكس نجاح أنظمة الدول وايديولوجياتها.
زاول اللورد كيلانن الملاكمة والتجذيف والفروسية، وثابر على quot;الطقوس الرياضية اليوميةquot; حتى في سنوات كهولته، كان يسبح يوميا في حوض دارته في دبلن.
تنقل quot;الرئيس العتيدquot; بين مهن ومناصب عدة، فهو الصحافي في quot;دايلي اكسبرسquot; وquot;دايلي مايلquot;، والمراسل الميداني في الحرب الصينية اليابانية (1937-1938) والمراسل الحربي في الحرب العالمية الثانية، قائدا للكتيبة الثلاثين المصفحة أثناء إنزال النورماندي، ولاحقا عضو مجلس إدارة شركة شل ليمتد، ومؤسس لشركات عدة بلغ عددها 14 شركة وادارها بنجاح.
تزوج اللورد كيلانن من ماري شايلا دنلوب عام 1945 ورزقا بثلاثة صبيان وبنت. ودخل لاحقا ميدان الإنتاج السينمائي، وبدايته فيه مساعدة صديقه جون فورد في تصوير فيلم quot; الرجل الهادىءquot; من بطولة جون واين.
واختبر لاحقا كتابة السيناريو والتأليف، إذ أسهم مع جون رود في تأليف كتاب quot;أربعة أيامquot; الذي quot;يؤرخquot; لازمة الرهائن في دورة ميونيخ.
وكان اللورد يهوى سباقات الخيل، وبحكم خبرته في مجال الصحافة وفي ميدان العلاقات العامة والإدارة، أدخل تعديلات وإصلاحات عدة على هيكلية اللجنة الدولية وطريقة عملها، وأنيطت به أيضا رئاسة لجنتها الإعلامية.
خلف اللورد كيلانن برونداج متفوقا على الفرنسي الكونت جان دو بومون (38 صوتا في مقابل 26)، ورد بطريقة مباشرة على quot;مثالية برونداج المتزمةquot; بأنه ديمقراطي منفتح.
عرف بداية عهد كيلانن المقاطعة الأفريقية لدورة مونتريال، احتجاجا بالدرجة الأولى على جنوب أفريقيا وروديسيا وعدم تطبيق بعض الدول والاتحادات الدولية عزلهما رياضيا، ولا سيما ان قرار مقاطعتهما لم يعتمد من قبل 15 اتحادا دوليا.
في عهده، عادت الصين إلى الساحة الدولية، وأقر اعتماد رياضة اولمبية كل لعبة تزاول في 40 دولة ضمن ثلاث قارات عند الرجال، وفي 25 دولة ضمن قارتين عند السيدات.
أدرك اللورد كيلانن واقع الحال والتغيرات العالمية التي لا بد ان تؤثر على الرياضة مهما كانت الحركة الاولمبية منيعة ومتماسكة، لذا شكل بحنكته واستيعابه للأوضاع نقطة وسطى بين الهواية والاحتراف، فمهد لعصر خلفه الماركيز الأسباني خوان انطونيو سامارانش، وبهدوئه ووقاره أصر على حماية الألعاب والرياضة عموما من السياسة وصراعاتها على رغم ان الدورتين اللتين أقيمتا في عهده مونتريال (1976 وموسكو 1980) كبلتهما السياسة. لكنه ظل يرد على منتقديه وعلى الذين وصفوه بالبسيط quot;أنا أشفق على الذين لا يمكنهم المشاركة لأسباب شتى، فوحدهم هم الخاسرونquot;.
















التعليقات