أشرف أبوجلالة من القاهرة: بعد سنوات من دراسة الآثار الضارة للإجهاد في أماكن العمل، يسعى علماء النفس الآن إلى معرفة مسبباته. وجنبًا إلى جنب مع الأسباب التقليدية التي يرجح ضلوعها في الإصابة بتلك المشكلة، ( مثل العمل لساعات طويلة، ووجود رؤساء عمل مؤذيين، والتعرض لمضايقات من قِبل أناس مستأسدين )، حدّد العلماء بعض المسببات المثيرة للدهشة.
وقالت صحيفة quot;النيويورك تايمزquot; الأميركية في معرض حديث لها حول هذا الأمر إنه قد بدأ ينصب التركيز على الوضع الصحي في أماكن العمل، في الوقت الذي يبدو أن مستوى شعور العامل بالارتياح في الولايات المتحدة قد وصل إلى أدنى مستوى له على الإطلاق. وطبقاً لإحصاءات رسمية صدرت أخيرًا، فقد تَبيّن أن 45 % فقط من العمال هم من يشعرون بالارتياح في عملهم، بعد أن كانت تلك النسبة 61 % في عام 1987. وتُظهر النتائج، التي بنيت على دراسة استقصائية لـ 5000 أسرة، أن تراجع الشعور بالارتياح لدى العمال يتجاوز المخاوف بشأن الأمن الوظيفي. وأن الموظفين يكونون غير راضين عن تصميم وظائفهم، وحالة منظماتهم، ونوعية مديريهم.
وقد وثَّقت دراسات عدة الحصيلة الصحية للإجهاد في أماكن العمل، مظهرة ً أن العمال غير السعداء تتزايد لديهم أخطار الإصابة بمشكلات القلب والاكتئاب، إضافة ً إلى أشياء أخرى. وفي هذا السياق، يقول صامويل كولبيرت، عالم النفس السريري الذي يُدَرِّس في كلية أندرسون للإدارة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن هناك أعدادًا كبيرة من الأشخاص الذين يعملون في بيئة quot;سامةquot;. ويضيف في الوقت نفسه بالقول :quot; إن المراجعات التي تقيم الأداء سنويًا لا تتسبب فحسب في خلق مستوى مرتفع من التوتر بالنسبة للعمال، بل ينتهي الأمر إلى جعل جميع العاملين ndash; رؤساء ومتبوعين ndash; أقل فاعلية ً في أدائهم الوظيفي. حيث تفتقد تلك المرجعات للموضوعية إلى حد بعيد ndash; وتتوقف بشكل كبير على طبيعة العلاقة بين العامل ورئيسه ndash; وهو ما يجعلها بلا معنى. ولقد سمعت من أعداد لا حصر لها من العمال تأكيدات على أن حياتهم المهنية قد دُمِّرت بسبب تعرض أدائهم الوظيفي لمراجعة غير عادلةquot;.
وفي مقابل ذلك، لا يتفق جميع الخبراء على ضرورة أن يتم إلغاء تلك المراجعات. وهنا، يقول روبرت ساتون، أستاذ الإدارة في جامعة ستانفورد، إن تلك المراجعات قد تكون ذات قيمة إذا نُفِّذت كما ينبغي. لكنه أضاف :quot; في الحالات النموذجية، تجرى تلك المراجعات بشكل سيء للغاية، ومن الأفضل ألا يتم إجرائها على الإطلاقquot;. وتنقل الصحيفة في هذا السياق عن عامل يدعى فرانك كوردارو، يبلغ من العمر الآن 56 عامًا، بعد أن رفض مديره الجديد التوقيع على مراجعة تثبت أدائه الوظيفي الجيد على مدار سنوات، قوله quot; لقد وصلت بي الأمور إلى مرحلة تناول الأدوية، لكي أتكيف مع التوتر والإجهاد في العمل، إلى أن فقدت وظيفتي في نهاية المطاف. لقد تضَرَّرَت كثيرًا صحتي الجسدية، وصحتي العقلية أيضًا. فعندما ينتابك شعور دائم بالخوف على وظيفتك، فإن الوضعية حينها لن تكون بالوضعية الجيدةquot;.
وهو ما أكد عليه غاري نامي، مدير معهد الاستئساد في مواقع العمل في بيلينجهام بواشنطن. حيث قال إنه من المعروف إن المستأسدين في أماكن العمل ربما يقومون باستخدام المراجعات الخاصة بالأداء لتقويض جهود العامل. وفي السياق ذاته، قال مارك شهرياري، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة Lucix في كاماريللو في كاليفورنيا، إنه توقف عن إجراء المراجعات الخاصة بالأداء، بعد أن شاهد الدمار النفسي الذي تُسَبِّبُه للعمال في وظيفته السابقة. وتشير الصحيفة إلى أن مجالا ً آخرًا من مجالات الاهتمام بالأجواء الصحية الخاصة بمكان العمل، وهو المتعلق بـquot;القيادة المدمرةquot;، وهو المجال الذي يدرس الدور الذي يلعبه المشرفون في صحة موظفيهم النفسية. وحتى إن تعذر القضاء على الإجهاد في أماكن العمل، تشير البحوث إلى أن الموظفين يتعاملون بشكل أفضل عندما يكون لديهم علاقة جيدة مع رؤسائهم في العمل. وقد ثبت من الناحية البحثية أن رؤساء العمل المؤذيين يمثلون مصدرًا هائلا ً للتوتر.
ومن هنا، بدأت تظهر مطالبات بضرورة أن يصب العمال تركيزهم على إدارة ما يراودهم من عواطف سلبية. وتبين في الوقت ذاته أيضًا أن المشكلات التي تتولد مع رؤساء العمل تكون من ضمن الأسباب الشائعة التي يبني على أساسها بعض العمال قراراتهم بترك وظائفهم في نهاية الأمر. وهو ما أظهره دكتور ساتون في كتاب حديث له تحت عنوان quot;رئيس العمل الجيد، ورئيس العمل السيئquot;، حيث أكد على أن رئيس العمل الجيد يلعب دورًا أساسيًا في إنجاح العمل، مشيرًا إلى أن زيادة تكاليف الرعاية الصحية ينبغي أن تلعب دورًا في حفز الشركات للتركيز على سبل تعني بخفض التوتر.






التعليقات