يرى42.71% من المشاركين في استطلاع إيلاف الأسبوعي أنالنظريات العلمية المشككة في المعتقدات الدينية لا تؤثر سواء سلباً أو إيجابًافي مسألة الإيمان.

لندن: الجدل بين العلوم والدين قديم بالطبع. وعلى ضوء تأججه على يد عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ الشهر الماضي بكتاب جديد يخلص فيه الى أن الفيزياء الحديثة لا تترك مجالا للإيمان بخالق للكون، كان لا بد من استفتاء آراء قراء laquo;إيلافraquo; في الأمر.

السؤال المطروح في هذا الاستفتاء هو: laquo;هل تفضي النظريات العلمية التي تشكك في بعض المعتقدات الدينية الى التخلي عن الدين أم التمسك به أم أن لا تأثير لهاraquo;؟ واستجاب 6701 قارئ قالت نسبة 29.19% منهم إن تلك النظريات تؤدي الى التخلي عن الدين، بينما قال الفريق المضاد إنها، على العكس، تقود للتمسك به. وكانت نسبة هؤلاء هي 28.10%، وهي أقلية بالمقارنة مع الأولى وإن كان بفارق 1.09% لا أكثر. لكن الغلبة الواضحة كانت لمن يقولون إن النظريات العلمية المشككة في المعتقدات الدينية لا تؤثر سواء سلبا أو إيجابافي مسألة الإيمان وبلغت نسبتهم 42.71%.

ولا شك في أن لأصحاب هذا المعسكر الأخير مختلف أسبابهم التي تصب في خانة laquo;الواقعيةraquo;. فما يقولونه ضمنا هو أن السؤال laquo;الأزليraquo; المتعلق بوجود خالق للكون - لأن هذا هو جوهر سؤال الاستفتاء - هو أيضا سؤال laquo;أبديraquo;. وهذا يعني، في رأي هذا الفريق، أن المعركة بين الدين والعلم ستظل قائمة بغض النظر عن الآفاق الجديدة التي يمكن أن يرتادها العلم لإثبات أن الدين صناعة بشرية.

أهل الكتاب

يُلاحظ أن إنكار الذات الإلهية، كتيار فكري رئيس يظل، وسط أهل الكتاب، حكرا على الثقافة المسيحية التي هيأت لها الثورة الصناعية في القرنين 18 و19 فصل الدين عن الدولة وبالتالي حرية التفكير بعيدا عن عقاب رعاة الكنيسة. وقد خلت مسيرة الفكر الديني الإسلامي (واليهودي أيضا) من بلوغ عتبة الإنكار التام للخالق. وحتى جماعات إسلامية مثل laquo;الخوارجraquo; وlaquo;المعتزلةraquo; وغيرهم ممن اعتبروا laquo;مارقينraquo; لم يعتبروا كذلك بسبب إنكارهم وجود الله وإنما لإنكارهم مظاهر جدلية تتصل بوجوده. بعبارة أخرى فإن الإيمان الأساسي بالله لا يغيب لدى هؤلاء لكن لهم آراؤهم في بعض ما يتعلق بدينه. وإلى الآن لم يستطع المشككون والملحدون - على أساس علمي - في العالم الإسلامي عموما تشكيل ما من شأنه التأثير سلبا أو ايجابافي المؤمنين. أما العالم المسيحي فقصة أخرى كما سنرى.

الرهان الكبير

باسكال

في القرن السابع عشر طرق الفيلسوف والرياضي والفيزيائي الفرنسي بليز باسكال آفاقا جديدة في laquo;نظرية الاحتمالاتraquo; عندما خرج بما يسمى الآن laquo;رهان باسكالraquo;. ويقول هذا الرهان إن وجود خالق للكون لا يمكن أن يثبت بالعقل، لكن على المرء أن يؤمن بوجوده laquo;في حال كان موجودا فعلاraquo;. وقال إن هذا الوضع يهيئ للإنسان العيش حياة ومصيرا يكسب فيهما كل شيء، في حال وجود الخالق، ولا يخسر فيهما شيئا إذا أثبت العكس صحته. ولكن ربما فات على باسكال إن الخالق عليم بما في النفوس وسيميز بين المؤمن الحقيقي والمؤمن laquo;رهاناً ومقامرةraquo;.

الجد الكبير

في القرن التاسع عشر، كان واضحا أن عالم التاريخ الطبيعي الانكليزي تشارلز داروين لم يأخذ بنصيحة باسكال رغم أنه درس اللاهوت بالإضافة إلى دراسته الطب. وكان هو الذي بدأ دوران عجلة أخرى في اتجاه مضاد لاتجاه عجلة الدين. وكانت نظريته الخاصة بالنشوء والتطور ومبدأ laquo;الاختيار - أو الانتخاب - الطبيعيraquo; محاولة علمية لشرح أصل الحياة تتعارض تماما مع ما ورد في laquo;سفر التكوينraquo;، أول أسفار التوراة، وبقية الكتب المقدسة اللاحقة عن خلق الكون على يد إله.

داروين

ويقول داروين في نظريته التي نشرها في أشهر كتبه laquo;أصل الأنواعraquo; إن كل الكائنات الحية على الأرض تحدرت من أصل واحد مشترك، وإنها صارت ما صارت عليه عبر مجموعة من التغيرات البطيئة على مر مليارات السنين. ويقول أيضا إن هذه التحولات حدثت عبر الانتخاب والاختيار الطبيعي أو التأقلم. ومن هنا جاء مفهوم البقاء للأقوى الذي تختفي فيه الكائنات التي لا تستطيع التأقلم وتعجز عن تمرير مورّثاتها الى أجيال جديدة، وهكذا تتغير الأنواع.

أفيون الشعوب

كارل ماركس
تبعا للفيلسوف الألماني كارل ماركس فإن الدين هو التعبير عن الحقائق المادية والظلم الاقتصادي، وبالتالي فإن المشاكل في الدين هي مشاكل في المجتمع. وتبعا له فإن الدين ليس هو المرض وإنما أحد أعراضه. وهو أداة يستغلها الطغاة لمنح الناس شيئاً من الراحة والسلوى والانصراف عن حقيقة أنهم فقراء مقهورون ومستغلون. وكان هذا هو الأساس الذي بنى عليه مقولته الشهيرة عن laquo;افيون الشعوبraquo; عندما قال: laquo;المعاناة الدينية هي في الوقت نفسه تعبير عن المعاناة الحقيقية واحتجاج على المعاناة الحقيقية. الدين هو آهة المخلوق المقهور، وقلب عالم بلا قلب. إنه أفيون الشعوبraquo;.

وهم الإله

رتشارد دوكينز

بين ظهرانينا الآن عالم الأحياء البريطاني رتشارد دوكينز مؤلف laquo;وهم الإلهraquo; (2006). ويقوم هذا الكتاب على فكرة أن الإيمان بوجود خالق للكون يرقى الى مقام laquo;الوهم المَرَضيraquo;. وهو يعرّف هذا النوع من الوهم بأنه laquo;الإيمان الراسخ بوجود ما لا وجود لهraquo;. ويقول إنه يتفق مع مقولة الروائي الفلسفي الأميركي المعاصر روبرت بيرسيغ في كتابه laquo;ليلا: تحقيق في الأخلاقraquo; وهي: laquo;عندما يعاني شخص واحد من الوهم، يسمون هذا جنوناً. وعندما يعاني عدد كبير من الناس من الوهم، يسمونه الدينraquo;.

دوكينز ضد كولينز

في أعقاب نشر laquo;وهم الإلهraquo;، جمعت مجلة laquo;تايمraquo; دوكينز في لقاء شهير مع الأميركي الطبيب وعالم المورّثات وأحد أهم المساهمين في laquo;مشروع الجينوم البشريraquo; فرانسيس كولينز. ومع أن هذا الرجل يعتبر من الأسماء التي لا تذكر الاختراقات العلمية الحديثة الا وذكرت معها، فهو مسيحي مؤمن بعد إلحاد. وهو يقول إن العلوم لا تنفي وجود الخالق وإنما، على العكس، تثبته.

وقد ألف كولينز عددا من الكتب في هذا المقام أبرزها laquo;لغة الإله.: عالِم يقدم دليل الإيمانraquo; (2006) ويشرح فيه رحلته من الإلحاد الى الإيمان. ويعرض فكرة laquo;كلمة الربraquo; ودعاماتها الأساسية ومنها: أولا، أن إلهاً خلق الكون قبل حوالى 14 مليار عام. ثانيا، إن خصائص الكون تبدو مصممة للحياة. ثالثا، مع أن آليات أصل الحياة على الأرض غير معروفة بالتحديد، فمن الممكن أن تطوير الكائن الحي كان جزءا من مشروع الخالق الأصلي. رابعا، ما إن بدأت الحياة، حتى انتفت الحاجة إلى تدخل الخالق فيها.

لكن دوكينز، كما هو متوقع، يعارض مفهوم الخالق laquo;المصمم الذكيraquo; قائلا إن داروين يقدم للبشرية تفسيرا أبسط، وهو النشوء والتطور خطوة متناهية الدقة بعد أخرى، وعليه يخطئ من يقول إن مجرد كون الشيء معقدا يعني بالضرورة أن إلها هو الذي خلقه.

ويرد كولينز بقوله إن المخطئ هو من يقول إن كون الشيء معقدا يتعارض مع خالق له. ويشرح هذا بقوله إن الدين لا يتعارض مع وجود الخالق. ويقول إن وجود الخالق laquo;لا يمكن أن يكون محتوى داخل إطار الطبيعة، ولذا فإن وجوده يقع بالتالي خارج حدود العلومraquo;.

ويمضي قائلا إن وجود الخالق خارج حدود الطبيعة laquo;يعني بالضرورة أنه خارج حدود الزمان والمكانraquo;. ويمضي ليفند نظرية النشوء والتطور قائلا إن بوسع الخالق، في لحظة الخلق الأولى، أن يكون هو الذي بدأ هذه العملية وهو يحيط علما بسائر تطوراتها واين سينتهي بها المطافraquo;.

لكن دوكينز يقول إنه لو كان ثمة إله يريد خلق الحياة والبشر فلماذا يختار ذلك الطريق الطويل الملتوي؟ إذا كان قادرا على الخلق فما حاجته الى قرابة 15 مليار عام لخلق الإنسانraquo;؟

ويرد كولينز: laquo;من نحن لنقرر أن هذه طريقة غريبة للخلق؟ إذا كان يناسب الخالق أن يكون إلهاً نبحث نحن عنه من دون قسر، ألم يكن من المناسب له أيضا أن يختار آلية النشوء والتطور من دون نصبه لافتات واضحة تكشف دوره في الخلقraquo;؟

هوكينغ: لا إله

هوكينغ
كما ذكرنا سابقا فإن مناسبة كل هذا الحديث - وهذا الاستفتاء - هو الجدل الذي جدده الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ في كتابه الصادر الشهر الماضي The Grand Design laquo;المشروع - أو التصميم، الكبيرraquo;. ويقول فيه إن الفيزياء الحديثة لا تترك مجالا للإيمان بأي خالق للكون، وإنه مثلما أزاحت النظرية الداروينية الحاجة الى خالق في مجال علم الأحياء، فإن عددا من النظريات الفيزيائية الجديدة أحالت أي دور لخالق للكون عديمة الجدوى.

ويقول هوكينغ - مستندا الى laquo;نظرية إمraquo; الفيزيائية العصية نوعا على الفهم - إن الكون حادثة لا يمكن تفسيرها بأنها تأتت على يد إلهية، وما يعرف باسم laquo;الانفجار الكبيرraquo; لم يكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء. ولأن ثمة قانونا مثل الجاذبية، صار بمقدور الكون أن يخلق نفسه من عدم. والخلق العفوي هذا هو السبب في ان هناك شيئا بدلا من لا شيء، وفي وجود الكون ووجودنا نحن. وعليه يمكن القول إن الكون لم يكن بحاجة الى إله يشعل فتيلاً ما لخلقهraquo;.

ولكن..!

في مقابل هذا جادلت الكاتبة الدينية البريطانية روث غليدهيل بأن هوكينغ laquo;هو صوت العقل العلمي وستكون حجته هي الأخطر على الدين بسبب حساباته الهادئة والمدروسة بشكل أفضل مما قدمه هوبكينز في كتابه laquo;وهم الإلهraquo;.

ويقول جورج إيليس، البروفيسير في جامعة كيب تاون ورئيس laquo;الجمعية الدولية للعلوم والدينraquo; إن هوكينغ laquo;يقدم للجمهور أحد خيارين: العلوم من جهة والدين من الجهة الأخرى. وسيختار معظم الناس الدين، وهكذا تجد العلوم أنها الخاسرةraquo;.

ويدلي غراهام فارميلو، بروفيسير الفيزياء النظرية في جامعة نورثيسترن الأميركية بحجته قائلا: laquo;هوكينغ يتبنى نظرية إم بدلا عن فكرة وجود خالق للكون. لكن إحدى المشاكل الكبرى المتعلقة بها هي أن اختبارها يظل غاية في العسر الى أن يتمكن الفيزيائيون من بناء مُعجّل للجزيئات في حجم مِجرّة كاملةraquo;.

وأخيرًا..

لا أحد يستطيع التكهن بما إن كانت نتيجة استفتاء laquo;إيلافraquo; ستكون مشابهة لأي استفتاء مماثل يجرى وسط أهل الغرب الذين فصلوا الدين عن الدولة في أتون الثورة الصناعية. لكن هذا الفصل لم يعن أكثر من حرمان الكنيسة من الحكم ولم يمتد أثره لمحو الإيمان بالخالق نفسه. ولهذا فربما جاءت النتيجة مماثلة حقا.

والمعركة بين أهل الدين وناكري وجود الخالق (من العلماء لأننا نرى بينهم من يقول بوجوده) تعني أن الكرة ستظل في ملعب أناس مثل دوكينز وهوكينغ لإثبات أن ما يعتبرونه laquo;غائباraquo; هو laquo;غائب فعلاraquo;. ذلك أن الإيمان ليس بحاجة إلى قوانين الفيزياء لإثبات وجوده وإنما لمؤثرات أساسية وحاسمة مثل الميلاد في ثقافة بعينها تظل مدافعة عن نفسها وتقف ضد كل من يقول بغير مبادئها.

أغلبية قراء إيلاف لم يفت عليها كل هذا... وللأغلبية الاحتفال!