قال الكاتب السعودي والباحث في شؤون العنف لدى الجماعات الإسلامية خالد المشوح خلال حوار عن كتابه التيارات الدينية في السعودية، إنّ جماعة الإخوان لديها خطوط عامة تجاه الممارسة الديمقراطية، مؤكدًا أن غياب الأحزاب السياسية في السعودية، ساهم في نشوء التيارات الدينية التي حصرها في كتابه.


الكاتب السعودي المتخصّص في قضايا العنف لدى الجماعات الإسلامية خالد المشوح

الرياض: القليل من السعوديين أنفسهم يجهلون ماهية وواقع التيارات الدينية في بلدهم، يعرفونها فقط حصرًا بين quot;سنّةquot; وquot;شيعةquot;، عداؤهم بين الأخيرتين وصل حدًا في أن يقصي كل منهما الآخر عن دين quot;الإسلامquot;.

الإسلام يعرفه الجميع أنه واحد، لكن المجتمعات الإسلامية تشرعه إلى شرائع quot;قدداquot;، فهل كان يتخيل أحدهم من خارج دائرة المتابعة للشأن الإسلامي في السعودية تحديدًا، أن تصنف quot;إسلامياتquot; المجتمعات إلى تصنيفات وتيارات أشبه ما تكون بتيارات سياسية ذات مرتكزات تختلف في خطابها عن التيارات الأخرى؟.

هذه التصنيفات التي تحمل عداء في حرب باردة ليست معلنة، تكون واضحة لأبرز منظري ومتابعي هذه التيارات والمنتمين إليها، التي لا تزال فيها الساحة السعودية شاهدة لنشوء وتحديث العديد منها.

أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، التي شنّتها quot;القاعدةquot; في حرب، وصفها العديد من المنتمين إلى المجتمع الدولي شعبيًا ورسميًا؛ أنها حرب من quot;مسلمينquot; يضمرون شرًا للعالم، ولمن لا ينتمي إلى صفهم، إلا أن المسلمين لم يحبذوا ذلك الهجوم على الإسلام.

استند المدافعون عن الإسلام بأدلة على أن دينهم يحثّ على السلام، ويحرم قتل الآخرين. مهيئين تصنيفًا من quot;السلفيةquot; التي يعتنقها غالبية السعوديين، بقسم quot;جهاديquot;، سميت بالـquot;السلفية الجهاديةquot; مثلها، وفق تصنيفات quot;أعدائهاquot; تنظيم quot;القاعدةquot;.

هذه التيارات الدينية، التي ظلت تنمو من وقت إلى آخر في ضوء ظروف تساند نموها، جاءت محصورة في كتاب يحكي quot;التيارات الدينية في السعوديةquot;، جاء تأليفه وجمعه من الباحث والخبير في شؤون الحركات والتنظيمات الإسلامية خالد المشوح.

المشوح جمع في كتابه عن quot;التيارات الدينيةquot; في المملكة بعيدًا عن المذاهب الإسلامية الأربعة الممثلة للسنّة، وهي quot;الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنبليةquot;، وهو الرجل العائد من معسكرات القاعدة، التي لم يدم في صفوفها طويلاً؛ نتيجة عدم قناعات داخلية لأساليب التنظيم مع مجنديه.

المشوح في حوار مع quot;إيلافquot; أوضح أن الحريات من أهم سبل علاج ما وصفه بـquot;التطرفquot;، الذي وصف به quot;الإسلامquot;. ورأى أن تنظيم quot;القاعدةquot; هو أحد التنظيمات الجهادية المتطرفة والحاضن الأكبر لنشوء تنظيمات إرهابية صغرى. مؤكدًا أنه لم يعد يتبق من تيار quot;الإخوان المسلمينquot; أي رواسب كانت موجودة في المناهج التعليمية السعودية.

المشوح الباحث والكاتب صنف التيارات الدينية السعودية مابين سلفية علمية، وجهادية يمثلها تنظيم القاعدة كإيدولوجيا وتنظيم، جعلتها هي المسيطرة على الخطاب الإسلامي برمته، مع بحث سريع للتيارات الأخرى من حركة quot;الإخوان المسلمينquot;، وكذلك للـquot;الجاميةquot;، التي يوصف بها العديد من رجال الدين القريبين من السلطة، وعلى ضوئها يشكلون خطابهم ورؤيتهم، إضافة إلى تيار جديد نشأ كمناهضة للتيار التنويري في السعودية سمّي بـquot;تيار العصرانيينquot;.

ومع أن المتابعين للشأن الديني في السعودية، اعتادوا على تسمية السلفيين السعوديين بـquot;الوهابيينquot;، إلا أن المشوح أشار إلى quot;سلفيةquot; التيار واقعيًا، بعيدًا عن ظروف التسمية.

السلفية:

هل تعاني السلفية حساسية في التعامل مع مصطلحات حداثية أو تنويرية؟

لاشك أن السلفية تميل بشكل كبير الى التقليدية في الطرح، لاسيما في المسائل العقدية والفقهية، وهو الامر الذي سبب لها الكثير من الارباك في ما يتعلق بالطروحات المعاصرة، فالمصطلحات الحديثة تشكل أهم العقبات لدى هذا التيار، فمسألة الديمقراطية والحريات أهم العوائق التي توقف مدّ الطرح السلفي، وهو ما رأينا ان السلفية في ظل المعطيات الحديثة الزمانية والمكانية بدأت تبحث عن حلول لاشكاليات المصطلحات، كما في وضع سلفية الإسكندرية المصرية.

ذكرت أن الشباب السعودي ذو مرجعية سلفية والشباب العربي ذو انتماءات حركية وعملية وسياسية، شكلت ثورة لا يمكن الوقوف في وجهها، هل كل مجال حياتي تدخله العقيدة السلفية يكتسب قوة؟ وهل تكفير الأنظمة العربية الحاكمة نابع من السلفية السعودية؟

دعني في البداية أعيد صياغة السؤال حسب فهمي، هل أي مكون فكري تدخله السلفية يكتسب قوة؟، اعتقد ان السلفية تملك قوة النص، الذي يعطي أتباعها قناعة راسخة، يصعب تفكيكها، لذا فهي سرّ القوة التي حاولت الحركات الجهادية الاستفادة منها من خلال الاتكاء على النص السلفي، وتطويعه للروح الحركية التي تنطلق منها هذه التيارات.

اما في ما يتعلق بتكفير الأنظمة وأنه نابع عن السلفية السعودية، فأنا لست في صدد الدفاع ولا الاتهام، وإنما أحاول قراءة الأفكار ونتائجها وحقيقة، فإن السلفية الجهادية التكفيرية لا شك أنها تستند إلى نصوص سلفية، ومن الإرث السلفي النجدي، لكنه تكفير شامل وعام وغير ممنهج، وأعادت السلفية تقعيده من خلال استخدامها المصطلحات الحديثة، وهو ما أنتج تكفير الأنظمة، لكن من الظلم أن نقول إن السلفية العلمية السعودية ساهمت في تكفير الأنظمة.

في ظل غياب الديموقراطية والحريات، ينتج الفكر الإرهابي.. خصوصًا في ظل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية عربيًا، كيف تراها من منظور إسلامي لا يتعامل بالصبغة الديموقراطية؟

الحريات لا شك أنها من أهم سبل علاج التطرف، لأن التطرف قائم على أحادية التفكير والتعددية في الآراء والأحزاب والتشكلات الاجتماعية والثقافية تضعف بشكل نسبي تقدم هذه التيارات التكفيرية، لكن بالتأكيد الديمقراطية ليست وحدها كافية للقضاء على الإرهاب والتطرف، لأننا رأينا مسلمين من جنسيات بريطانية نشأوا وتربوا في ظل مجتمع ديمقراطي، ومع ذلك سعوا الى تبني التطرف واعتناق الارهاب، فالديممقراطية والحريات هي أحد السبل، وليست هي العلاج الوحيد.

هل تستطيع القول إن كل متطرف هو إرهابي فعلاً؟
ليس بهذه الدقة، فليس كل متطرف إرهابي، لأن التطرف يعني تبني أفكار غالية، لكنها ليست بالتأكيد مؤذية للغير،غير أنه من الأكيد أنكل إرهابي متطرف.

تنظيم القاعدة كان هو الشكل الرئيس للسلفية الجهادية، التي بينتها في كتابك، لماذا برأيك تم استخدامهم للمواجهات السريعة، وغيرهم تكفل بالقيادة والتنظيم؟.

تنظيم القاعدة هو أحد التنظيمات الجهادية المتطرفة، والحاضن الأكبر للجهاديات الصغيرة، والتشكل الفكري الأوضح، وأظن أنك تقصد أنه لماذا استخدم السلفيون للمواجهات السريعة، وبقي ذوو الخلفية الحركية متمركزين في القيادة؟، وهذا راجع في نظري إلى أن الجهاديين السلفيين، كما ذكرت، يملكون قناعات قطعية حاسمة، تشكل يقينًا مطلقًا لا يتزحزح، يقود الى الانتحار، لكونه طريق الشهادة بالنسبة إليهم، ولكون هذه القناعة تقود الى نعيم أبدي راسخ، فهو مستعد للخوض فيها، لأنه ليس لديه أي طموح دنيوي يسعى إليه، لذا فإن تسميتهم بالفئة الضالة في السعودية جاء على هذا الأساس. أما الحركيون فلديهم مطامع دنيوية وأهداف قصيرة وأطماع قيادية وشهرة وغيرها.

هل محرك القاعدة إيديولوجيًا كانت السلفية الجهادية فقط، أم إن أي تيار ديني مهيأ لأن يضم إرهابي يعتنق أفكار القاعدة؟

لا أتصور ان اي تيار ديني يمكن أن يكون تنظيم القاعدة في يوم ما، لأننا إذا أردنا ان نكون منصفين فإن الافكار الجهادية أفكار حادة، لا يمكن لأي شخص صاحب آلية تفكير منطقية وشرعية أن ينجرف خلفها، لذا فكل المنتمين الى هذه التيارات في الغالب نجدهم من اليائسين ومحدودي التعليم، لا سيما من يستخدم منهم في العمليات الانتحارية والمواجهات السريعة.

السرورية:

مصطلح السرورية، الذي صنفته على أن يملك رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور بخلاف التيارات الأخرى الدينية، هل نستطيع القول إنها تبحث عن إعادة تأهيل وإنشاء لسلفية أخرى ربما تكون جهادية؟

نظلم السرورية إذا قلنا إنها اعادة تأهيل للسلفية الجهادية، لأن السرورية ربما تقاطعت مع الجهادية لكونها جمعت بين الحركية والسلفية، لكن لا يعني ذلك أنها نسخة مجهزة للجهادية، فلدى السرورية كما ذكرت رؤية دينية واضحة لكثير من الامور، وهو ما يجعل بعض القضايا الفكرية التي تعتمد عليها تيارات التكفير محسومة لديها، وبعضها الآخر قابل للنقاش، كالديمقراطية وحقوق الانسان والحريات ومفهوم الدولة والحاكم والمحكوم وغيرها.

الجامية:

وصفت الجامية بقربها الشديد من السلطة، وكذلك عرضت ببعدها عن الغوص في السياسة، هل الشرعيون داخل المؤسسات السعودية هم من أسس ذلك الخوف المجتمعي من الخوض في غمار السياسة؟

الجامية تيار سلفي نشأ في ظروف صعبة، تطور بعدها إلى تيار معاكس للتيرات الحركية الإسلامية الأخرى، والعلماء في السعودية لاشك ان لديهم حدودًا معينة لممارسة السياسة في ظل وجود مؤسسات دينية رسمية تمارس النصيحة والاستشارة للملك.

لكن العلماء لا يتحملون بكل تأكيد هذا الخوف، الذي تحدثت عنه، لأنهم جزء من واقع اجتماعي، وليسوا الوحيدين، فهناك جهات توعوية أخرى، ساهمت في خلق هذا الخوف في عالمنا.

الإخوان المسلمون:

شكَل الإخوان المسلمون في السعودية قاعدتهم من خلال التعليم، ربما نذهب في القول إن بداية التطوير في المناهج يكمن في إزالة الحواجز الإخوانية فيها هل توافق على ذلك؟

لا أظن أنه بقي اليوم من رواسب الإخوان شيء في المناهج نسبة إلى التطوير الذي حدث فيها، وهو بلا شك تطوير مهم، لكنه لم يعالج مشكلة التخلف في المناهج، لذا أتصور أن أنسب وصف له هو إعادة صياغة المناهج، وليس تطويرها، أعود الى مسألة الإخوان وتأثيرهم على المناهج السعودية التي كانت واضحة، لكن ليس بالتضخيم عينهالذي جعل سبب تخلفنا في الكيمياء والرياضيات هم الإخوان؛ لأننا نتحدث عن مواد محددة في الثقافة الاسلامية واللغة العربية وبعض مواد الاجتماعيات.

الإخوان المسلمون يمتلكون نظامًا غير مجرى حياتهم كتنظيم خصوصًا بعد 2009 الذي شهد انتخابات لتنصيب أمين عام عليها في مصر، هل ترى وجود بنية ديموقراطية في الفكر الإخواني تسهل وصولهم إلى القيادة السياسية؟

إذا أردنا مقارنة الإخوان بالحركات الإسلامية الأخرى، فنعم لديهم خطوط عامة تجاه الممارسة الديمقراطية، وان كانوا يفتقرون تجربة حقيقية لهذه الممارسة، لكن في ظل غياب الأحزاب في العالم العربي نتيجة الأنظمة الشمولية التي كانت مسيطرة، فإنني أتصور أن هذه الأنظمة ساهمت في إضعاف كل أشكال الممارسة الديمقراطية.

العصرانيون:

سميت تيارًا أطلقت عليه quot;العصرانيونquot;، فكيف ترى وجود ومستقبل هذا التيار، في ظل نقد مستمر على السلفية والفكر الديني، وأنه سبب الكثير من العوائق نحو تطبيق مفهوم سياسي/وطني؟

التيار العقلاني أو التنويري بالغ في استعداء التيار السلفي، وهو ما افقده الكثير من الحضور، الذي كان بإمكانه الوصول إليه عبر شرائح كبيرة من المجتمع.

لكن لا يزال هذا التيار في بدياته، ويبالغ أحيانًا في حجمه ووجوده على الخريطة الثقافية، لكنني أتصور أن بإمكانه ان يفعل الكثير، لو أنه رسم لنفسه أولويات من خلال منشورات ومؤلفات.

كل هذه التيارات الدينية التي ذكرتها من سلفيين وسروريين وجاميين وإخوانيين وعصرانيين، ليست واضحة للعيان داخل المجتمع المحلي السعودي لماذا؟ وهل تتوقع نشوء تيارات جديدة مستقبلا؟

نعلم جميعا أن المملكة العربية السعودية تحظر وجود أحزاب ولكون كل هذه التيارات تتبنى الخطاب السلفي بشكله العام، فإن المراقب البعيد يصعب عليه التفريق بين هذه التيارات وان كانت واضحة في نضري للمهتمين بشكل عام، بالإضافة إلى أن منسوبي هذه التيارات لا يلعنون هذه المسميات والانتماءات، أما فيما يتعلق بنشوء تيارات جديدة فليس ثمة ما يمنع ذلك والساحة بمتغيراتها كفيلة باستيعاب تيارات اخرى.

هل تعتقد أن غياب الأحزاب السياسية أنشأ هذه التيارات ؟ خصوصا وأن المجتمع المصبوغ بصبغة المحافظ هنا يقصر الإسلام على ما هو موجود داخل السعودية فقط دون مذاهب أربع أو طائفة شيعية دائما ما ينال منها ربما يصل بها إلى وصفها بالكافرة.

بالتاكيد أن غياب تشكل أحزاب ساهم في نشوء هذه التيارات، التي ربما تنشأ أيضاً في ظل وجود أحزاب.

أما في ما يتعلق بالمذاهب الأربعة، فإن المنتمين الى هذه التيارات، تجد فيهم كل المذاهب الفقهية بحسب وجودهم المكاني الذي يغطيه المذهب. أما الطائفية فذلك حديث يطول بين الصراع السني الشيعي.