قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أدت التغطية الإعلامية التونسية للإحتجاجات الأخيرة إلى نشوب حالة من المشاحنة بين وسائل الإعلام والحكومة وتبادل الإتهامات حول مدى موضوعية نقل الخبر ومدى التهويل والتدخل في إيصاله إلى الرأي العام، والأكيد هو أن تغطية الانتخابات قد أوجدت تراكمات تتفجّر في الأزمة الحالية.


ماذا وراء الخبر التونسي؟

تونس: تعرّض الإعلام التونسي في الفترة الأخيرة لإتهامات من الحكومة وعدد كبير من أبناء الشعب، بإنعدام الحرفية وقلة الموضوعية، من خلال التعرّض للأحداث الأخيرة، التي تصور الإحتجاجات والإعتصامات وقطع الطرق في عدد من المدن التونسية وتهويلها، وبالتالي التأثير على المواطن، فما إن تنطفئ حمى الإعتصامات في قرية أو مدينة، حتى تتأجج في مكان آخر.

وقد وجدت هذه الإتهامات رفضًا من الإعلاميين، نظرًا إلى أنهم يقومون بعملهم بعيدًا عن أي احتواء من أي طرف كان، فكيف كان أداء الإعلام التونسي في الفترة الأخيرة، وبعد الإعلان عن انتخابات المجلس التأسيسي؟، وما رأي الخبراء وأهل المهنة في هذه الإتهامات؟، وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في المرحلة المقبلة؟.

واقع الإعلام التونسي

عضو النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين سعيدة بوهلال توضح لـquot;إيلافquot; أنّ انفلاتًا كبيرًا في وسائل الإعلام حدث بعد الثورة، quot;لاحظناه حين تم تجاوز أخلاقيات المهنة وتجاوز ميثاق الشرف، إلى جانب الشتم والسباب من قبل بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى جانب الإلكترونيةquot;.

وأضافت إنه نتيجة لهذا quot;الإنفلاتquot;، نظمت نقابة الصحافيين العديد من الدورات لتدريب الصحافيين على تغطية الإنتخابات بحياد وموضوعية، وقد صاغت من الهيئة المستقلة للإنتخابات مدونة سلوك quot;يلتزم بها الصحافيون أثناء تغطيتهم للإنتخاباتquot;.

من جانبه شرح مدير برنامج بحوث الشرق الأوسط عبد الوهاب بن حفيظ في إفادته لـquot;إيلافquot; ضرورة تجاوز العادات السيئة المتراكمة، فهناك quot;استعدادات ذاتية موروثة عن النظام السابقquot; وعدم وجود quot;تقليد كتابةquot; خاص بصحافة الرأي، وبالتالي تعودنا على صحافة quot;المجاملات والدعاية والتحريضquot;.

ورأى الخبير المشارك في تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة حول quot;المعرفة في المجتمع العربيquot; أنه من السهل خلق انتقال في السياسة وفي القوانين والدستور، ولكن ليس بالسهولة نفسهاquot;يمكن نقله إلى العقليات والكتابة والصحافةquot;.

وأوضح أنها quot;أسلوب للكتابة والتفكيرquot;، وبالتالي quot;تصبح الصعوبة مزدوجةquot;، وهذا يتطلب تجاوز quot;العادة بالإرادة الجديدة ومنهجية تعامل جديد للتعامل مع المعطيات والأرقام والتثبت منهاquot;.

وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسي في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى عامل الوضعية العامة، التي هي quot;وضعية غليان وردود أفعالquot;، إلا أن ذلك لا يمنع أن تستعمل الأحزاب الصحافة بشكل ما، مبينًا أن quot;الإعلام على علاّتهquot; يقوم بدور ضاغط في بعض القضايا، وأحيانًا quot;نجد أنه على صواب، ولكن غالبًا ما يكون دوره الضاغط يمثل مكمن قلق لهذا أو لذاكquot;.

وفسّر بن حفيظ أن الإعلام quot;لا يعبّر دائمًاquot; عن الرأي العام، بدليل تعامله مع بعض استطلاعات الرأي بشيء من quot;السلبية، لأنه لا يتثبت من المعلومات، وينشر الأرقام بشكل سلبي، لعدم وجود متخصصين في التعامل مع قضايا الرأي العامquot;.

إلا أنه اعتبر أن الجميع يتعلم في هذه المرحلة، والإعلام بدوره quot;يتعلم الآنquot;، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السياسي والجامعي والنقابي، quot;فلا داعي لأن يتحمّل الإعلام وحده المسؤوليةquot;.

ما هو المطلوب من الإعلام

بدوره الأستاذ الهادي العثماني عبّر لـquot;إيلافquot; أن الإعلام رافد من الروافد الأساسية للثورة، وبه يتم نجاحها، يواكبها، يساندها، ثم يواصل خطواتها من بعدها، هذا ما ينتظره الشعب على الأقل، متسائلاً إذا كان ما يحصل اليوم قصور في أداء المهمة أو تقاعس مقصود أو هو إضمار غير بريء؟.

ورأى أن المسألة لا تتعلق بالأشخاص الذي quot;ينزه العديد منهمquot;، وإنما ترتبط بالمؤسسة الإعلامية ككل، رغم quot;ثقتنا في الخبرات المتوافرة، والكفاءات العالية لا يشوبها شكquot;.

وأَضاف: quot;كنا ننتظر تغييرًا جذريًا بعد الثورة، ولكن ما اتضح على الميدان أن هذا القطاعلا يزال مرتبكًا وارتجاليًا وفوضويًا أحيانًا، فالمطلوب من الإعلام هو القيام بدور فاعل ومستقل ومسؤول، وحين نقول مسؤولاً، فإننا نعني أولاً المصداقية، وعلى الدرجة نفسها من الإتصاف بالوطنيةquot;.

في هذا الإطار، أكد بن حفيظ أنّ quot;الحراك الإجتماعي، الذي يوجد حاليًا في بعض جهات البلاد، هو حراك طبيعي، وغيابه هو غير الطبيعيquot;، معتبرًا أن quot;المطلوب هنا، أن يلعب الإعلام دورًا أكثر فاعلية، حتى لا يترك الإعلام البديل في الموقع المتقدم، لأنه يحمل مخاطر تحويّل الشائعة إلى معلومة، والتحريض والتشويه إلى أخلاقquot;.

وتمنى أن quot;يأخذ الإعلام البديل حجمه الحقيقيquot;، مشددًا على أن الإعلام، الذي يقوم على quot;التقصي والتثبت من المعلومة والمصدر، يصبح له دور أساسي، وهذا يتطلب قليلاً من أخلاقيات المهنة والحياد والموضوعية، وهي مسألة وقتquot;.

في هذا السياق، اعترفت سعيدة بوهلال بأن هناك quot;عمليات رصد لا تتم بطريقة علميةquot; من دون أن تنفي ملاحظة النقابةquot;تهويل بعض الأحداثquot; في بعض وسائل الإعلام، إلا أنها جزمت أن هذا التجاوز لا ينسحب على الجميع، وأن التهم التي توجّهها الحكومةعبر وضعهاكل وسائل الإعلام في سلة واحدةليست في محلها ومرفوضةquot;.

ومن منطلقمبدأ حرية التعبير، أكدت أن الإعتصامات والإحتجاجات مشروعة طالما أنها لم تعطِّل المسار الإقتصادي، لافتةً إلى أن quot;الحكومة لا بد أن تتعود على هذا النوع من الإحتجاجات المشروعةquot;، إذ لا يمكن لوسائل الإعلام أن تتغافل عن هذه الأحداث طالما هي quot;موجودةquot; فعلاً.

ودافعت عن دور وسائل الإعلام بنقل الخبر، quot;فلا يمكن التعتيم لأي سبب من الأسباب، لأن الخبر مقدس، والتعليق حرّ، وفي هذا التعليق قد يكون الصحافي أحيانًا غير محايد، وهذا يمكن فهمه وقبوله، وما هو موجود حاليًا هو نقل للأخبار، وهو عمل مشروع، ولم نصل إلى مرحلة أن يلبس الصحافي جبة السياسي، وهذا ما تشير إليه الحكومةquot;.

إتهامات متبادلة

أما الأستاذ العثماني فرأى أن دور الإعلام بقي دون المأمول، لكنه بيّن quot;أن السلطة الحاكمة ما زالت لم تع واجبها بعد، فهي إما تسعى إلى تدجين الإعلام وتحتويهلخدمة أغراضها، أو هي تتوجّس منه خيفة، فتقف على حذر، وكل هذا مضرّ بالمرحلة الحاليةquot;.

كما لاحظ quot;تداخلاً في الأدوار، ينذر باختلاط الأوراقquot;، معبّرًا عن أمله في quot;إصلاح الإعلام حتى يواكب الثورةquot;، وتكريس ديمقراطية الخبر والتحركquot;، وأن quot;يصل بنا الإعلام إلى الدرجة المطلوبة من الوعي والشعور بالمسؤولية اللازمة للخروج من الأزمةquot;.

وأشار العثماني إلى quot;العشوائيةquot; التي يعيشها الإعلام التونسي، متسائلاً عن quot;معنى أن يخرج الخبر المهم والمفصلي في قناة الجزيرة وفي قنوات أجنبية بأسبقية، قد تصل أحيانًا إلى أربع وعشرين ساعة متقدمًا عن الإعلام الوطنيquot;.

واتهمه بالإهتمام بتفاصيل وحيثيات quot;تافهةquot;، ربما quot;ضررها أكثر من نفعهاquot;، داعيًا الإعلامإلى تنزيهنفسه عن القيام بوظيفة سياسية، لأن ما يمارسه اليوم يعطي انطباعًا بأنه quot;حزب سياسي آخر ضمن قائمة الأحزاب المائة ونيف، التي تكالبت على التسابقنحو السلطةquot;.

وحسب رأيه، فإن هذا الأمر أدى إلى التناحر والمشاحنات بين الإعلام وبين من اعتلوا سدّة الحكم، فناصبوه العداء، مضيفًا quot;فما أغنانا عن هذا أيها الإعلام وأيتها الحكومةquot;.

أما سعيدة بوهلال فهي تعتبر اتهام الإعلام بتأجيج الإحتجاجات والإعتصامات من خلال نقل أخبار الإثارة quot;إسقاطًاquot;، مؤكدة أن عملية نقل الخبر كما هو بدون تحريف quot;من صميم عملناquot;.

ودعت الحكومة إلى البحث عن حلول لهذه الإحتجاجات عوضًا منإلقاء اللائمة والتهم على الإعلام، مقترحةَ أن تعمل الوزارات على تركيز مكاتب اتصال دائمة لتمد الصحافي بالمعلومة الصحيحة متى يطلبها.

وقد اقترحت النقابة أخيرًا على الوزارات انتداب عدد من الصحافيين لتكوين مكاتب إعلام، لتسهيل دورهم، من أجل الإبتعاد عن quot;التعتيم الذي يكون سببًا في هذه المشاكل quot;.

وعن دور الإعلام في المرحلة المقبلة، إعتبرت سعيدة بوهلال أن المطلوب هو الحياد ونقل الحقائق بكل تجرد، وعدم الخلط بين الخبر والتعليق، إضافة إلى تطوير أداء الإعلام، حتى يلبّي متطلبات المواطنquot;.