تتزايد في مدن العراق الشعارات الدينية التي تسعى إلى توجيه الناس وفق قناعات اصحابها، على شكل ارشادات ونصائح يتوجب اتباعها وفقًا لواجبات شرعية، لكنها تخفي وراءها اجندات متطرفة رافضة للدولة المدنية وداعية للدولة للاسلامية.
وسيم باسم من بغداد: يستاء العراقيون من تصاعد الفعاليات العنفية التي تحث الناس على اتباع أجندة أحزاب دينية وجماعات محافظة، تحت شعار الحرص على القيم والتقاليد ومحاربة الفساد الاخلاقي، حيث يجعل هؤلاء من أنفسهم اوصياء على الناس، يعاملونهم من خلال نظرة فوقية عبر إسداء النصائح لهم حينًا واجبارهم بالقوة على اتباع اعتقادات معينة أحيانًا.
وتزامن ذلك في بغداد مع حلول رمضان، ومع تسلّم محافظ بغداد الجديد المنتمي إلى كتلة الاحرار التابعة للتيار الصدري على التميمي، منصبه.
وفي اغلب مدن العراق، يلاحظ المراقب تزايد الشعارات الدينية التي تسعى إلى توجيه الناس وفق قناعتها بشكل ارشادات ونصائح، كما أن قسمًا كبيرًا منها عبارة عن ممارسات يتوجب اتباعها وفق ادعاءات بأنها واجبات شرعية. كما تُرفع شعارات وتُلصق على الحيطان لوحات كبيرة بشكل اعلانات تتضمن توجيهات وآراء ونصح وارشادات. وفي اكثر من مكان في بغداد، تلمح اعلانًا كبيرًا كتب عليه quot;كلا لدولة العلمانيين... نعم لدولة الاسلاميينquot;.
وفي مدينة الصدر، معقل رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في بغداد، ترفع شعارات quot;التزم بتقاليد الاسلام ولا تنجرف إلى ثقافة الغربquot;، وتدعو لوحة كبيرة عند مدخل حي الشعب في بغداد النساء إلى ارتداء الحجاب، وتبين لهن الطريقة الصحيحة للتحجب.
المحافظون الجدد
في مدونة له على موقع فايسبوك، قال الاعلامي والاكاديمي العراقي نبيل جاسم: quot;عندما هتف البعض قبل أقل من عشرة ايام متباهين بخادم بغداد، قلت حينها علينا أن لا نستبق الأحداث، وان ننتظر سلوك المحافظين الجدد، فجذور هؤلاء لا تختلف كثيرًا عن جذور سابقيهمquot;.
وأضاف: quot;كان الأولى بالمحافظ الذي شكل قوة لملاحقة السلوك أن يبحث اولوياته في بغداد، ولا تستعجلوا... الآتي اعظمquot;. وفي منطقة الصناعة في بغداد والكرادة والعرصات والمنصور، يبلغ عدد النوادي الاجتماعية والكازينوهات التي لها نشاطات ليلية حوالى الستين.
وقالت كتلة الأحرار الصدرية هذا الاسبوع أن خادم بغداد شكل فوج طوارئ خاص لإغلاق النوادي والمقاهي المخالفة للأعراف والتقاليد العامة ورفع التجاوزات
وشهد ايلول (سبتمبر) 2012 قيام قوة خاصة تابعة للجيش العراقي باغلاق عشرات النوادي الليلية في منطقة الكرادة وشارع العراصات وسط بغداد، واستخدمت الهراوات لطرد المغنين الذين كانوا يحيون الحفلات، وتكرر الامر عدة مرات هذا العام.
ويقول سعد الجبوري، الذي كان يعمل في كازينو النجوم في العرصات، إن الشرطة اعتدت عليه بأعقاب البنادق.
ويقول سعد حسين إن الامر حدث ايضًا في بابل، لا سيما عند اقتراب المناسبات الدينية، اذ يتجول عدد من الافراد ممن يرتدون السواد على محلات بيع الاقراص المدمجة ومحلات الحلاقة، لارشادهم بضرورة عدم التجارة في الصور والأقراص الاباحية او الاغاني العاطفية، وينصحونهم ببيع الاقراص والأفلام ذات الصبغة الدينية. ويُذكر أن مجلس محافظة بغداد قرر في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 إغلاق جميع النوادي الاجتماعية ومحال بيع المشروبات الكحولية في بغداد، بحجة أنها لا تملك إجازة بممارسة المهنة.
ومن وجهة نظر المحامي غسان عرب، الناشط في مجال حقوق المواطنة، فإن هذه الممارسات تعارض حقوق الانسان، quot;لاسيما وإنها فعاليات تسعى إلى شرعنة ممارساتها عبر الدينquot;. وفي ذات الوقت، فشلت في فرض الامن والقانون، ما يثير سخرية المواطن وهو يرى المفارقة في الحالين.
وقال: quot;يجب أن تكون حرية التعبير مقدسة، والا لما كانت هناك ديمقراطية حقيقية في العراقquot;.
ادوات متطرفة
لكن الامر بحسب الباحث الاجتماعي سعد الخفاجي لا يقتصر على الميلشيات او الاحزاب او المؤسسات الامنية، quot;فالمواطنون يفعلون ذلك ايضًا بسبب اندماجهم في الخطاب المحافظ السائد، وتحولهم إلى اداة بيد الجماعات المتطرفةquot;.
ويقول الخفاجي إن ما حدث في الكرادة هو فعل المواطنين قبل كل شيء، quot;لكن هؤلاء وجدوا أن الظرف الامني والتحريض الاعلامي من قبل الاحزاب المحافظة يجعلهم يهاجمون الكازينوهات بكل سهولة، متجاوزين القانون الذي يكفل لهم حرية الشكوى على اصحاب المقاهي، وهم يدركون انهم مدعومون من قبل المحافظ الجديد والاحزاب الدينيةquot;.
لكن حسين المالكي، من أهالي منطقة الكرادة، يقول إن الاهالي تقدموا بشكاوى إلى وزارة الداخلية لإغلاق الكازينوهات، كونها مخالفة للأعراف والدين.
وتحدث الشاعر العراقي صلاح حسن قائلا: quot;مسكينة بغداد.. ياهو اليجي يركبها.. جاء البدوي واحتل منطقة المسبح وما عدنا نسمع غير عجل يابه.. والان جاء الفلاح واحتل الكرادة وما عدنا نسمع غير صاكة ومصكوك وحولوها إلى قرية وصارت عشايرquot;.
مقابل ذلك، يقول الكاتب احمد سعداوي: quot;احصيت عشرات اللافتات الكبيرة الخاصة بجهة مليشياوية مسلحة، موزعة على ساحات وشوارع بغداد، تمتدح روحانية رمضان والقيم الروحية للصوم وما إلى ذلك، ولا ادري ما علاقة الروحانيات بالاسلحة والمليشياتquot;.
يضيف: quot;لن تكون هناك مشكلة مع هذه اللافتات إن كانت بتوقيع جهة تابعة للدولة كالوقف السني او الشيعي، وقد رأينا لافتات مشابهة في مواسم رمضان السابقة، ولكن لماذا تتصدى جهة مليشياوية لتوجيه المواطنين وتثقيفهم والسيطرة الرمزية باللافتات على بغدادquot;.
وحادثة الكرادة ليست الاولى من نوعها، فكانت قوات مسلحة يرتدي إفرادها زي الشرطة الاتحادية قد هاجمت في الرابع من أيلول (سبتمبر) 2012 العديد من النوادي الاجتماعية في بغداد، واعتدت على مرتاديها بالضرب، فيما ذكر شاهد عيان أن أفراد الشرطة حاصروا العديد من رواد النوادي وانهالوا عليهم بالضرب.
هجمات منظمة
تتعرض المقاهي ومحال بيع المشروبات الكحولية لعمليات تصفية وتفجير منظمة في العديد من المناطق العراقية، وبينها العاصمة بغداد، منذ العام 2003، وقد سجلت العشرات من تلك الهجمات في العراق لاسيما في مدينتي البصرة وبغداد.
ضابط الشرطة عصام العبيدي يؤكد أن التعليمات لديه هي الضرب بيد من حديد على أي جماعة خارجة على القانون، لكن المشكلة أن الشرطة تصل في أوقات متأخرة.
ويعترف العبيدي بأن الكثير من المشاكل وقعت في المناطق التي توجد فيها كازينوهات وأماكن ترفيهية حيث تعتبرها بعض الجهات رمزًا للفساد.
وأضاف: quot;في الغالب، هناك تعزيزات أمنية استثنائية في تلك المناطق، لكن السيطرة على الجماعات المسلحة التي تهاجم هذه الاماكن امر صعب في الوقت الحاضرquot;.
لكن عماد الدين حسن، من سكان الكرادة ويعمل في احدى الكازينوهات التي تعرضت للهجوم، يقول إن اصحاب الكازينوهات يتهمون الداخلية بتجاهل نداءاتهم لتعزيز الامن. ويقول الكاتب فرحان حمادة لازمlrm;، معلقا على ما يحدث في بغداد من قمع لحرية الرأي من قبل جهات مجهولة في الظاهر، quot;لكن المواطن يعرف انها تنتمي إلى الاحزاب المتنفذة والجمعيات الدينية المرتبطة بها حيث تتلقى التعليمات منها، وأظن أنه ليس لدينا أحزابًا دينية بل أحزابًا طائفية، إذ أن كل حزب بكل مفاصله من أبناء الطائفة نفسها وأحيانا من العشيرة والقرية نفسهاquot;.













التعليقات