نحو حضارة افتراضية ومستقبل مفتوح على المجهول


منذ أن ظهرت الحياة على الأرض، بدأت الخطوة الأولى باتجاه الحضارات البشرية التي استغرقت في رحلتها ملايين السنين، وتطورت المعرفة والتجربة البشرية من مرحلة المجتمع الطوطمي Toteacute;mique Socieacute;teacute; البدائي والمشاع إلى المجتمع الافتراضي Socieacute;teacute; Virtuelle شبه الآلي حيث دون التاريخ ملحمة الحضارات، وحيث نشبت

العالم بين فيزياء الأمس والغد-1

عبر التاريخ المعارك الفلسفية والميتافيزيقية، خاصة في العصر الحديث، وبالذات بعد ظهور الفيزياء الجديدة المعروفة بفيزياء الكم أو الكوانتا. فمنذ لحظة ولادة هذه الفيزياء كان الخلاف والصراع الحاد ناشباً بين قطبيها المؤسسين وهما نيلز بور وإروين شرودينغير، Niels Boher et Erwi Schrouml;dinger، بين سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين. واللذين لم يتفقا على جوهر ومعنى هذه النظرية التي لا تعطي سوى نتائج احتمالية، فالأول وضعي يدافع ن فكرة أن الفيزياء لايمكن إلا أن تصف إدراكنا للطبيعة، والثاني واقعي يعتقد بأن على النظرية أن تصف الطبيعة تماماً. كما عرفنا الخلاف الذي نشب بين آينشتين وبور سنة 1935 حيث كان صاحب نظرية النسبية يتحسس من الحالات المتشابكة والمعقدة intriqueacute;s وانعكاساتها أو تأثيراتها على الأفعال الآنية عن بعد، وقد اثبتت التجارب المختبرية خطأ التصور الآينشتيني، بيد أن الأسئلة الوجودية ما زالت قائمة، كيف نشأ التعقيد والتشابك intrication، ومن الذي خلق أو تسبب بحالة اللاتماسك واللاتربط المنطقي La dcoheacute;rence، وماذا يحدث عندما نحسب أو نقيس حالة أو وضع نظام ما، وهل هناك نظرية أفضل من نظرية الكونتا يمكنها تقديم الإجابات الناجعة عن الطبيعة والكون، وهل هناك حدود تفصل بين العالم الكلاسيكي والعالم الكوانتي أو الكمي؟

والحال أن طرح مثل هذه الأسئلة يقود إلى ولادة ما يمكن تسميته بالميتافيزيقيا التجريبية meacute;taphysique expeacute;rimentale، بعد شيوع مفهوم الكريبتوغرافي أو الترميز الكمي cryptographie quantique سنة 1984، الذي ظهر تلبية لاعتبارات جوهرية وفلسفية، حيث يحلم العلماء بمراقبة التراكب بين الأنظمة الحية والميتة مع الفيروسات. هذه هي العقلية العلمية والحالة الذهنية الغربية السائدة في أيامنا هذه والتي يقابلها حالة شبه سبات تعيشها المجتمعات الشرقية بصيغتها العربية الإسلامية، والتي تستهلك ولا تنتج. وبالرغم من استمرار الاختلافات الثقافية واللغوية والتراثية بين الحضارات القائمة اليوم، وبالأخص من زاوية التقدم المادي والفكري والخبرة العملية والتكنولوجية، فإن التطور نحو الحضارة الكونية الشمولية متواصل وحتمي وسيتحقق بفضل التقدم العلمي والتقني لاسيما في مجالي البيولوجيا والفيزياء الحديثة. فمنذ أن تم صنع أو ابتكار أولى الأدوات البدائية من قبل الإنسان دأبت التكنولوجيا، في كل مراحل التطور البشري، على التقريب بين البشر عبر عملية التبادل للمنتج اليدوي أولاً ومن ثم الصناعي. من الصعب تقديم جرد كامل عن التحولات والانجازات العلمية والتقنية الجارية، لكن يمكننا عرض التطور الناجم عن تطبيقات فيزياء الكوانتا، والذي حصل في مجال المعلوماتية والتكنولوجيات الجديدة وتقنية الاتصالات والكومبيوترات والشبكة العنكبوتية الانترنيت التي شكلت النظام العصبي للكوكب لدراسة تأثيراتها وتداعياتها على التحولات الذهنية والنفسية والمزاجية والمادية والمعنوية والفكرية والثقافية عند الإنسان المعاصر. فالمعلوماتية من الأهمية بمكان أنها أصبحت الأداة الكونية الشاملة، بل هي الأداة الأم للتطور التقني للقرن الواحد والعشرين وما بعده، لا سيما بعد انتشار استخدام الانترنيت على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، بعد أن كان استخدامه مقتصراً على النخب والأوساط الصناعية المحترفة والحلقات الدراسية الجامعية إبان السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ومنذ سنة 1995 اتسع نطاق الاستخدامات العامة لهذه الوسيلة الثورية بعد أن تحولت إلى أداة عالمية جديدة للاتصال وسرعت سيرورة التقارب بين جميع سكان الكوكب وجعلت العالم قرية كونية، مما ساهم في حدوث قفزة صناعية وتكنولوجية وتجارية عالمية للتنمية التكنولوجية والتصنيعية. عند ذلك كان انتشار تكنولوجيا المعلوماتية في جميع القطاعات التربوية والتجارية والاقتصادية، قد ساعد في حدوث التطور والتحول في مجال التكنولوجيا الرقمية، وتجسد في عدد لا يحصى من المنتجات المعروضة للجمهور العام. ويكفي أن نلقي نظرة على نماذج من تلك المنتجات المتمثلة، بالروبوت أو الإنسان الآلي، والذكاء الصناعي، والنانو تكنولوجيا Nanotechnologies، والتلفزيونات الحديثة العالية الدقة والشاشات الكبيرة الرقمية وأجهزة ألعاب الفيديو والأقراص المدمجة والدي في دي والبلو ري والكومبيوترات المحمولة والهواتف الجوالة، مما جعل تكنولوجيا المعلوماتية technologie informatique تتمركز في قلب الآلة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية وأوجدت الأرضية لنشوء تحول حضاري حقيقي جديد من شأنه في المستقل تذويب الفوارق والاختلافات الثقافية واللغوية والخلافات الهوياتية identitaires أو الانتمائية بين الشعوب.

أحد أهم تطبيقات الفيزياء الجديدة، والمقصود بها الفيزياء الكوانتية بحلتها الجديدة في القرن الواحد والعشرين، هو الكومبيوتر أو الحاسوب الكوانتي Ordinateur quantique وهو الجوهرة السحرية لتكنولوجيا المعلوماتية، والذي يشتغل على تصنيعه اليوم عدد كبير من الأخصائيين والخبراء والباحثين، وهو على غرار قطة شرودينغير Schrouml;dinger، حي وميت في آن واحد، لأنه موجود وغير موجود في نفس الوقت، والذي من المنتظر أن يحتل مكان الحواسيب الكومبيوترات الكلاسيكية الحالية إذا ما كتبت له الحياة. إن هذا الجهاز بتصميمه الحالي، هو بمثابة نظام يستمد قوته من بعض الغرائب الكمية الكوانتية مثل تراكب الحالات superposition des eacute;tats وتداخلها أو تشابكها وتعقيدها intrication، فهاتين الخاصتين تتيحان القيام بنوع من الحساب المتوازي البالغ الدقة والفعالية والإتقان efficace والسرعة. فلو أردنا معرفة إسم يرتبط برقم هاتف في دليل هاتف الكتروني يضم مليون إسم ورقم، على سبيل المثال، فإن الحاسوب أو الكومبيوتر الكوانتي يحتاج لوقت يقل ألف مرة عن الوقت الذي يستغرقه أسرع وأحدث كومبيوتر كلاسيكي عادي من النوع المتداول استخدامه اليوم. ويتسابق العلماء في مختبراتهم لصنع الوحدة الرقمية الأساسية لهذا الحاسوب المسماة كيوبايت qubits وما يزالون في طور المقترحات نظراً لشدة الصعوبات التقنية التي تواجههم. لاتوجد عوائق نظرية إذ ثبتت صحة الميكانيك الكوانتي وهناك نماذج جاهزة لكنها عينات ولم تصنع بشكل تجاري تصنيعي واسع بعد. فهناك تقنية المزاوجة بين الفوتونات والجسيمات أو الدقائق العضوية حيث تتصرف الذرات وكأنها جزيئات عضوية les atomes en moleacute;cules، وهي التقنية التي ترتكز إليها في المستشفيات أجهزة الأشعة بواسطة الرنين المغناطيسي IRM ndash; imagerie par reacute;sonance magneacute;tique، وتقنية المزاوجة بين الذرات والإيونات، les atomes et les ions، والإيونات هي ذرات مجردة من الالكترونات أي من الشحنة الكهربائية، أو تقنية الذرات الصناعية، حيث من الممكن تصنيع كيوبايتات كما تصنع المعالجات أو الميكروبورسيسورات microprocesseurs العادية لكنها تتصرف كذرات صناعية. وسيكون الحاسوب الكمي او الكوانتي قادر على محاكاة الطبيعة تماماً من أجل فهم أفضل وأدق لأسرارها. وبإمكانه أيضاُ تخزين كميات كبيرة جداً، لا يمكن تخيلها، من المعلومات والبرامج ويرسلها إلى أبعد مسافة ممكنة دون أن تفقد شيئاً من محتوياتها. وكذلك سيكون قادراً على صنع صورة غاية في الدقة والوضوح لأصغر الأشياء وأكبرها. المجال الأكثر وضوحاً وحسماً للتطور السائر نحو الحضارة الكونية الشاملة يتمثل باستخدام الأدوات التقنية الجديدة لإنجاز المرحلة القادمة في مسيرة ملحمة الحضارات البشرية، ألا وهو تهيئة ما يلزم لاستكمال ومواصلة برامج غزو الفضاء.

لقد بدء هذا الجهد الجبار والخطير والمكلف منذ سنوات طويلة، ولم يقتصر على التقصي والاستكشاف فحسب بل وأيضاً على الاستعداد للطوارئ وإتباع مبدأ الحيطة والحذر لدرء الأخطار التي تتربص بالبشرية والمتمثلة بالتدهور البيئي والمناخي والمغالاة في استهلاك الطاقة وتبذير الثروات الطبيعية والتنمية العشوائية ومخاطر التطور التكنولوجي العسكري وانتشار أسلحة التدمير الشامل. ففتح الفضاء الخارجي سيساهم في عملية إنقاذ البشرية من الإبادة والفناء. إنه مجال استقطب كافة القوى والدول للتعاون العلمي والتكنولوجي من أجل إدامة وتطوير المحطة الفضائية الدولية وإمدادها بآخر المستجدات التقنية وإحاطة الكرة الأرضية بشبكة هائلة من الأقمار الصناعية، التي سماها البعض بحراس الأرض، لتسهيل الاتصالات اللاسلكية ونقل البرامج التلفزيونية ومراقبة الأجواء وتوقع واستدراك الكوارث الطبيعية والتطورات المناخية. كانت الخطوة الأولى لاستعمار الفضاء وتشييد المستعمرات البشرية قد بدأت مع برنامج أبوللو وهبوط الإنسان على القمر، حيث رأت فيه الولايات المتحدة الأمريكية وسيلة لتعزيز أنظمتها العسكرية على عكس أوروبا التي رأت في مثل هذا البرنامج الطموح وسيلة لاستخراج الثروات المعدنية ومصادر أخرى من الثروة الطبيعية من سطح وباطن القمر ووضعت وكالة الفضاء الأوروبية برنامجاً لاستغلال القمر في القرن الواحد والعشرين بعد دراسة معمقة ومستفيضة لأرضه وأعماقه ومصادره بواسطة معدات وأجهزة تقصي وضعت في فلكه بواسطة مركبة آريان 5 الفرنسية وستقوم بالمهمة ربوتات مؤللة ومبرمجة تقاد لاسلكياً من الأرض والتي ستراقب الأنشطة الجيولوجية للقمر ومن ثم التنقيب عن الثروة المعدنية ( التيتان، والألمنيوم، والحديد الخ ) وستقوم المعدات الآلية ينصب مختبرات على أرض القمرلاستغلال ومعالجة المعادن المستخرجة وأخيراً تهيئة القمر لكي يصبح محطة انطلاق متقدمة لرحلات فضائية أبعد. والهدف هو تحسين الحياة على الأرض ورفدها بمصادر طاقة جديدة. والمرحلة التي تلي ذلك ستكون بغزو كواكب مجموعتنا الشمسية والمجموعات الشمسية القريبة منها داخل مجرتنا درب التبانة لأن إمكانياتنا التقنية محدودة جداً الآن ولا تسمح لنا بالقيام برحلات طويلة الأمد لاستعمار كواكب أخرى إذ أن المسافات بينها تقاس بملايين الكيلومترات خاصة وأن أقرب نجم للأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية أي ما يقطعه الضوء من مسافة بسرعة 300000 كلم في الثانية لمدة أربع سنوات وفي حالة وصولنا إلى تلك الكواكب البعيدة سيتعين علينا تهيئتها مناخياً لكي تصبح قابلة للحياة وتوفير مناخ جوي شبيه بما هو موجود على الأرض. لذلك سنحتاج لكثير من الوقت والجهد والمال والاكتشافات التقنية الجديدة لتحقيق هذه الغاية. وهنالك مشروع يستهدف استغلال المجال الجوي الأرضي الذي يبلغ ارتفاعه 160 كلم على قدر مساحة الأرض وتشييد محطة فضائية أرضية في نطاق الأرض وبالقرب منها لتوطين أقوام متنوعة من البشر كخطوة أولى للتعود والتأقلم على العيش في الفضاء الخارجي حيث ستشكل تلك المحطة الفضائية نقطة انطلاق إضافية نحو أطراف الكون البعيدة. احتاج الإنسان لاكتشاف جميع مساحات اليابسة على الأرض واكتشاف القارات الخمسة إلى 5،2 مليون سنة، وإلى 55000 سنة للسيطرة على الإبحار في البحار والأنهار وإلى أربع قرون لسبر أغوار المحيطات والتجوال فيها وإلى قرن من الزمن لاكتشاف إمكانية الترحال في الجو. ولم نتعد نصف القرن في مجال الرحلات الفضائية. أحصى لوك ماري Luc Mary في كتابه الممتع quot; رحلة إلى أطراف المجرة Voyage au bout de la galaxiequot; سبعة مراحل حتى نصل إلى جارتنا مجرة آندروميد Andromegrave;de التي تبعد عنا 27000 سنة ضوئية. المرحلة الأولى توفر لنا مجال توسع على مدى 30 ثانية ضوئية سيكون فيها القمر وكوكبين قريبين من مجموعتنا هما المريخ وفينوس Mars et Veacute;nus، في نطاق أهدافنا الأولى. المرحلة الثانية ستقلنا إلى مسافة 5 ساعات ضوئية عن الأرض، إلى محيط الكواكب الضخمة كالزهرة وزحل وعطارد Jupiter،Saturne،Uranus وتوابعها التي يمكن تحويلها إلى كويكبات قابلة للعيش. في المرحلة الثالثة تبدأ الرحلة الكبيرة لمسافة خمس سنوات ضوئية تقودنا إلى حدود المجموعة الشمسية، إلى كوكب بلوتون Pluton، وهكذا دواليك إل أن نقتحم تخوم الكون المرئي بواسطة مركبات فضائية ستكون عبارة عن مدن صغيرة محلقة ترحل لمئات أو آلاف السنوات الضوئية عبر عدة أجيال من رواد الفضاء على متنها قد تتيح لنا التواصل مع حضارات فضائية عاقلة واكتشاف أنواع وأشكال أخرى للحياة غير التي نعرفها ولا يمكننا تحديد المدة الزمنية التي سيتحقق فيها هذا المشروع لأنه يعتمد على التطور العلمي والتكنولوجي للبشر من خلال البحث عن أشكال أخرى للطاقة البديلة والمتجددة التي لا تنضب.

باريس
[email protected]