صمت القبور ـ بعذابها المشهور ـ أعلى صوتا من صمت laquo;القيادة السياسيةraquo; في مصر بعد مذبحة ليلة عيد الميلاد في نجع حمادي، وهي التي تلت سلسلة طويلة من الاعتداءات في الشهور الأخيرة جرت في مناطق متعددة بالصعيد، من المنيا شمالا وحتى نجع حمادي جنوبا.
قارن هذا بالآتي:
ـ قام مجهولون في ٧ أبريل ٢٠٠٨ بـ laquo;تدنيسraquo; عدد من قبور المسلمين في قرية بشمال فرنسا عن طريق كتابة ورسم بعض الشعارات النازية عليها. وفي الحال، أدان رئيس الجمهورية ـ ساركوزي ـ الحادث النادر بشدة، ثم استقبل وفدا إسلاميا برئاسة إمام مسجد باريس إذ أراد laquo;إثبات دعم الأمة بكاملها للطائفة التي استهدفتها هذه الحادثة مباشرة، والإعراب عن استنكار كل الفرنسيين لهذه الأعمال التي تنم عن العنصرية وكره الإسلامraquo;. وطالب السلطات المعنية بسرعة القبض على المتهمين ومحاكمتهم (وهو ما حدث). وبعدها بأيام، قام شخصيا بزيارة المقابر لتأكيد وقوف الدولة بحزم ضد مثل هذه الأفعال المشينة.
ـ أعلن الرئيس أوباما في ٥ يناير ٢٠١٠، أمام الشعب الأمريكي أنه المسئول الأول عن فشل أجهزة الأمن في إحباط المحاولة التي كان النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب قد قام بها على متن طائرة متجهة من أمستردام إلى ديترويت يوم laquo;الكريسماسraquo;، والتي فشلت على أي حال بسبب خيبة عمر ويقظة الركاب الذين تغلبوا عليه. وإذ كان قد عقد سلسلة طويلة من الاجتماعات مع مرؤوسيه، وعد أوباما باتخاذ كافة الإجراءات التي تؤدي إلى رفع مستوى كفاءة أجهزة الأمن واتخاذ اللازم للاقتراب بقدر الإمكان من حالة laquo;الخطر الصفريraquo;.
هذه نماذج عادية جدا مما يحدث في الدول التي يُعتبر الرئيس فيها ـ ويعتبر هو نفسه ـ المسئول الأول عن سلامة مواطنيه. أما في الكنانة المحروسة فالرئيس الذي جرت في عهده المديد مئات الاعتداءات وعشرات المذابح المدبرة ضد الأقباط، لم يحدث مرة واحدة أن خرج ليدين حادثا أو حتى نُقِل عنه ما يشي بمجرد الاهتمام بمثل هذه الأمور. حتى أجهزة الإعلام المملوك للدولة والناطق باسمها تبدو موجَّهة لكي تتعامل مع مثل هذه الأحداث بتعال وعجرفة وصلافة فتنكر ما هو واضح وتزوّر ما هو من الحقائق وتقلب ما هو ثابت، وتلوم الضحية وتبرر المجرم بأساليب تفوق الوقاحة وتدخل تحت باب العهر البين. هذا إذا لم تتجاهل الأمور كليا، بينما تخصص مساحات شبه ثابتة للنحيب على laquo;تمييزraquo; مزعوم يلاقيه أي laquo;مسلمraquo; في بلاد واق الواق، أضف لذلك المساحات الثابتة التي تخصصها، مع سائر المنابر الإعلامية، لمحترفي بث السموم التكفيرية.
وفي المرات النادرة التي تحدث فيها الرئيس المفدى عن الأقباط فقد كانت لتأكيد أنه laquo;لا يوجد تمييز ضدهمraquo;، بينما سياسات التمييز الديني الممنهج والممأسس في مصر على كافة المناحي والأصعدة، واقع يفقأ الأعين. وبمعنى آخر فسيادته ينفي من الأساس وجود مشاكل، أو لعله يؤكد أنهم مجرد laquo;رعاياraquo; يتلقون بالفعل المعاملة التي تليق بهم، وعليهم أن يقدموا ـ عن يد وهم صاغرون ـ أيات الحمد والشكر (ألا يكفي أنه لم يتم القضاء عليهم بعد؟)، بل وإعلان أنهم يعيشون عصرهم الذهبي الثاني (نسي المطبلون أن يقولوا لنا: متى كان العصر الذهبي الأول؟).
وإذ نذكر ما يفعله ـ أو لا يفعله ـ السيد الرئيس باعتباره المسئول الأول، فلا يمكننا أن نبخس حق بقية كبار المسئولين، مثل السيد رئيس مجلس الشعب الذي كان قد تفرغ لقيادة وتوجيه فريق قانوني أرسلته مصر (بدون داع) للترافع في قضية مقتل laquo;الشهيدة مروةraquo; أمام القضاء الألماني النزيه، ثم تفرغ مرة أخرى لإعداد الدفوع القانونية (التي لم يطلبها منه أحد) لإثبات أن الاستفتاء السويسري ضد المنائر هو laquo;جريمة ضد حقوق الإنسانraquo;. أما المذابح ضد الأقباط فلا تعني سيادته وسيادة مجلسه من قريب أو بعيد، (ربما لأنها تتماشى مع مفهومه للدستور المصري؟) وحتى laquo;لجنة التحقيق البرلمانيةraquo; التي كانت تشكلت بعد مذيبحة (تصغير مذبحة) كرموز بالاسكندرية في أبريل ٢٠٠٦ فلم تعقد جلسة واحدة ولو حتى من باب ذر الرماد في العيون...
ونقول هنا أن مفاجأة الهزة الإعلامية العالمية غير العادية لمذبحة نجع حمادي قد تدفع المسئولين في مصر لعمل شيء... لكنه عمل يهدف أولا وأخيرا لتفادي (آثار) الفضيحة وليس لوقف الجرائم أو لإحقاق الحق.

***
نتساءل: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟؟
بدأ حكم الرئيس مبارك بعد اغتيال سابقه laquo;المؤمنraquo;، على أيدى laquo;أولادهraquo; من الجماعات الإسلامية الذين أطلق لهم العنان أثناء حكمه. وبموته، انتهت مرحلة من مراحل الجهاد الإسلامي المسلح في مصر. وبعد فترة هدنة قصيرة، عادت الجماعات الجهادية مع بداية التسعينيات للقيام بسلسلة طويلة من عمليات الإرهاب استهدفت الأقباط ورموز الحكم والسياحة. ويمكن تأريخ انتهاء تلك المرحلة الجهادية الثانية واقعيا بعملية الأقصر الشهيرة ضد السياح في نوفمبر ١٩٩٧.
وباستثناء عمليات متفرقة منذ ذلك الحين، فيما يسمى أحيانا بالمرحلة الثالثة للعنف الجهادي، أساسا ضد السياح (طابا ـ شرم الشيخ ـ الحسين)، فإن الجماعات الإسلامية لم تمارس عنفا ذا بال ضد الأقباط.
وأصبح الفاعل الرئيسي للعنف هو laquo;الشعبraquo;، وأحيانا الجيران، حيث الجرائم فيه laquo;على المشاعraquo; وبالتالي لم يقدم للمحاكمة إلا النادر من المعتدين، ومن هؤلاء لم يصدر ـ على قدر علمنا ـ حكم واحد بالقصاص ضده، إذ تكفلت أجهزة الأمن العبقرية بتتويه وتشويه وتسويح تفاصيل القضايا.
ثم نتساءل: كيف laquo;نجحraquo; نظام الحكم في هذا الإنجاز العظيم الذي سيخلده له التاريخ؟
كان عنفوان الجماعات منذ السبعينيات يواكبه ـ بل يسبقه ـ سباق محموم لأسلمة المجتمع من أسفل إلى أعلى، ربما تحقيقا لحلم حسن البنا الشهير. وكان عنوانه وكلمة السر فيه هو التغيير الشهير للمادة الثانية للدستور. ولم تتوقف العملية أثناء محاولات وقف أو قمع الجهاد العنفي في مرحلتيه الأولى والثانية، بل بالعكس فقد زادت وتيرتها، فيما يقال أحيانا أنه كان بهدف laquo;سحب البساطraquo; من تحت أرجل الجهاديين، بينما يؤكد آخرون أنه تنفيذ وتيد لاستراتيجية بعيدة المدى. ويلوم آخرون laquo;الهجمة الإخوانية الوهابيةraquo; لكنها، في الحقيقة، لم يكن لها أن تنجح لو لم يفتح لها النظام الحاكم ذراعيه وأحضانه وإعلامه.
وهكذا اخترق التأسلم والأسلمة الإعلام والتعليم والبنى التحتية لكافة أجهزة الدولة ومؤسساتها وتغلغل فيها كلها بدون استثناء. وعلى وجه الخصوص، أدت عمليات laquo;طلبنة التعليمraquo; التي بدأت منذ الثمانينيات إلى خروج أجيال جديدة ممن يعتبرون العنف ضد الآخر الديني laquo;الكافرraquo; واجبا إلهيا قبل كل شيء. وبالتدريج تحولت مصر إلى بيمارستان ديني مهووس لا مثيل له في العالم.
وفي أثناء كل هذا لم يرفع النظام الحاكم إصبعا إلا في مواجهة تحديات من يهددون استقراره.
وهنا مربط الفرس: فإن استمرار البقاء على الكرسي وتوريثه أصبح الآن (وخاصة إذ نقترب من عامين laquo;انتخابيينraquo; حاسمين) الشغل الشاغل للنظام، وهو يرتبط عضويا بأمرين:
١ـ laquo;الشارع الإسلاميraquo; الذي تتعاظم قوته وسطوته، فيطالب بمزيد من التأسلم والأسلمة، ويعطيه النظام عن طيب خاطر، وهذا يؤدي إلي المزيد من القوة والسطوة، وهكذا دواليك. أي أصبحنا نعيش دائرة laquo;حث ذاتي إيجابيraquo; مجنونة لن تتوقف ـ ما لم تحدث معجزة ـ إلا إذا دمرت مصر نفسها وما حولها. ويكفي أن نذكر هنا مقولة د. أحمد نظيف رئيس الوزراء الشهيرة عندما عقد الرئيس اجتماعا عاجلا ليناقش موضوع laquo;الخنازيرraquo;، إذ قال laquo;إن التخلص من الخنازير مطلب شعبي يا ريسraquo;. وانتهى الأمر بفرمان رئاسي عاجل وحاسم وغير قابل للمناقشة بقتل ما يقرب من مليون خنزير وذلك لأنه حيوان laquo;نجسraquo; وليس لأنه يمثل خطرا صحيا بأي صورة (بل ووجه القرار بانتقادات منظمة الصحة العالمية، وقال وزير الصحة مؤخرا أنه سمع به من الجرائد!).
المهم أنه في مثل هذه الدائرة الجهنمية، فإن العنف المتصاعد ضد الأقباط يصبح أمرا طبيعيا للغاية ولا يجب أن يثير دهشة إلا الغافلين غير المدركين لحقيقة ما يجري أو الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال ممن يرفضون تصديق أعينهم.
٢ـ الفساد الذي لم يعد مجرد أمر يزكم الأنوف بل أصبح أحد أركان نظام الحكم، والمرتبط بالعجز عن مواجهة مشكلات المجتمع وحلها بصورة شبه مُرضية، يخلق حالة من التذمر المجتمع المتنامي الذي أدرك العباقرة الأمنيون من مستشاري النظام أنه لا يمكن التعامل معه بالقمع بل بمنطق laquo;حلة الضغط البخاريraquo; التي ستنفجر حتما إذا لم تزود بصمامات أمان للتنفيس. وليس هناك مجال للتنفيس عن مكنونات الغضب أفضل من توجيهه بصورة ناعمة لكن متعمدة ضد أهداف مثل laquo;الأقباطraquo; ممن لن يلجأون (لأسباب متعددة، واقعية ومبدأية) للعنف المضاد. وهنا يمكننا أن ندرك أن التهاون والتواطؤ الذي تمارسه كافة أجهزة الدولة في حالات الاعتداء ضد الأقباط، ووضع الدستور والقانون والمباديء على الرف في كل ما يتعلق بهم، أمر طبيعي تماما.

إذن فقد وصلنا لمرحلة أصبح فيها اضطهاد الأقباط يمثل laquo;مطلبا شعبياraquo; لا يملك نظام laquo;ديموقراطيraquo; (!) يحب شعبه، ويحب أن يستمر في ـ ويتوارث ـ حكم هذا الشعب، إلا أن يرضيه بأي ثمن!

أما الإخوان، وباعتبارهم يمثلون العصب التنظيمي المؤثر laquo;للشارع الإسلاميraquo;، فعلاقتهم بالنظام معقدة بعض الشيء باعتبارهم المنافس المحتمل على كرسي الحكم وفي نفس الوقت الحليف الواقعي في جهود المزيد من الأسلمة. وستتراوح علاقات الطرفين بين عمليات شد الأذن وقليل من تكسير العظام، لكنها كلها من عينات أكل الزبيب الذي يشبهه ضرب الحبيب. وفي النهاية ستتغلب المصالح المشتركة على التناقضات، في شكل صفقة يؤيد بمقتضاها الإخوان الوريث في مقابل المزيد من السيطرة على بنية المجتمع. ولا بأس من توقع دخول بعض laquo;أوجه الإخوانraquo; في وزارات ما بعد التوريث.
***
بالطبع لا ينفي كل ما ذكرناه وجود شرفاء في بعض الأحزاب وبعض منظمات المجتمع المدني أو من المستقلين، ممن ترفض ضمائرهم القبول بهذه اللعب الجهنمية القذرة، ويدركون الخطر المحدق بمصر بأكملها (وبهم شخصيا!). ولكن للأسف فإن هؤلاء يمثلون ـ حتى هذه اللحظة ـ أقلية استثنائية ضئيلة وغير مؤثرة، برغم حسن النوايا ونبل المقاصد.
كما لا ينفي ما ذكرناه وجود بقايا من أجيال المصريين الذين عرفوا التعايش المجتمعي والتآخي الحياتي بين أبناء مصر بغض النظر عن الدين. ولكن هذه الأجيال التي تنقرض وتتآكل قيمُها الموروثة بسرعة، أضحت تعجز عن مجابهة laquo;التسوناميraquo; الكاسح. والأيام التي كان فيها laquo;الدين لله والوطن للجميعraquo; فقد أفُلت شمسُها وانتهت.
هناك أيضا من لا زالوا يظنون، بناء على خبرات قديمة، أن laquo;الجسد المصرى ما زال بخيرraquo;. لكنهم ببساطة يتمسكون بفكرة laquo;ميتافيزيقيةraquo; هلامية باهتة، هربا من فهم وقبول قوانين التغير وقوانين الأسباب والنتائج وكيف أن أربعة عقود من الجهود المتعمدة المكثفة لا يمكن إلا أن تؤدى إلى ما وصلنا إليه. كما أن قوانين الاندفاع والقصور الذاتي تنبيء بأن ما هو قادم أسوأ وأعتى وأشد ظلاما مما رأينا. وليس في هذا أدنى تشاؤم أو مبالغة، بل مجرد قراءة باردة للواقع!
***
المخرج، إن كان لا يزال هناك وقت لمخرج، هو في سرعة قيام laquo;حكم مستنيرraquo; يعيد بناء الدولة المصرية على أسس عصرية حداثية عَلمانية، وهي عملية شاقة ستتطلب عقودا من العمل المخلص الدؤوب والشاق. لعلها تبدأ قبل فوات الأوان وانفتاح أبواب الجحيم.

[email protected]