قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عندما انتقلت مجبرا أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، من المدرسة الإعدادية بقريتنا المزونة أول الجنوب التونسي، و هي اليوم مدينة صغيرة تابعة لمحافظة سيدي بوزيد الفتية، إلى بلدة المكناسي البعيدة خمسة عشرة ميلا، لمواصلة تعليمي الثانوي، وجدت المعهد الذي سأمكث في فصوله بعد ذلك خمس سنوات، جامعة بأتم معنى الكلمة، تضم ثلاثة آلاف تلميذ وطيف من الأحزاب والتيارات السياسية المتصارعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من طرف العلمانية إلى غاية الأصولية.
و أحسب أنني أنتمي إلى آخر جيل من طلبة المعاهد الثانوية التونسية، متسيس حتى النخاع ومهموم من أخمس قدميه إلى أعلى جمجمته بتغيير الوطن والعالم، وبعد هذا الجيل ستظهر أجيال جديدة فرض عليها عصر ما بعد انهيار الجدار وانتصار العولمة، العناية بآخر صيحات الموبايل والانخراط في جدل عن الموضى والموسيقى ورغد العيش في غرف الشات الافتراضية وعلى صفحات التويتر والفايس بوك الالكترونية.
و قد كنت ولجت المدرسة الإعدادية التي افتتحها سنة 1981 المغفور له الراحل محمد مزالي الوزير الأول التونسي رائد التعريب في هذا البلد المغاربي، وكان افتتاحها لحسن حظي مباشرة بعد نيلي الشهادة الابتدائية، ليجنبي ذلك تجربة قاسية في الابتعاد عن حنو أهلي مبكرا.
كانت حياتنا في إعدادية قريتنا لطيفة للغاية، خالية بخلاف بقية الثانويات التونسية من أي انتماءات سياسية، حتى أنني كنت أحسب نفسي الوحيد بين رفاقي الذي يحمل نوعا من الميول الايديولوجية، و التي لم أكن أجد حرجا في إعلانها، فقد كنت عضوا لمدة ثلاث سنين في شبيبة الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، لإعجابي الشديد بافكار quot;سي محمد مزاليquot; وخطبه المطولة عن التنمية المحلية والتعاون جنوب جنوب و أهمية اعتماد اللغة العربية في التعليم والإدارة وتحقيق التواصل مع أشقائنا في بقية أقطار أمتنا العربية.
المعهد الثانوي بالمكناسي كان مختلفا تماما كما أشرت، وكانت الحياة التلمذية فيه واقعة تحت وطأة ثلاث تيارات سياسية كبرى، لا مفر لتلميذ مثلي قادم من قرية مجاورة مستصغرة في عيون جيرانها، إلا أن يطلب إجارة أحد هذه التيارات، القومية العربية أو اليسار أوالحركة الإسلامية.
لم يكن الأمر متعلقا حقا بقراءة في البرامج السياسية أو العقائد و التحليلات الاقتصادية والاجتماعية، بل لربما كان الاختيار سابقا على الأفكار، انتمي أولا ثم إقرأ وتثقف، وعندما تختلط المراهقة الجسدية بالمراهقة السياسية، يضحي الشباب في سن ما قبل العشرين عجينة طيعة في أيدي الكبار المقيمين في العاصمة، والذين لا يترددون في استغلال المراهقين لتصفية حساباتهم الحزبية، أو تحقيق طموحاتهم السياسية.
في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، كان الانتماء إلى الحزب الحاكم بين طلبة الثانويات و الجامعات التونسية جريمة لا تغتفر قد تكلف صاحبها عقوبات قاسية لا تتخيل، أقلها النبذ والعزلة والضرب المبرح ان استفرد بالجاني وحيدا، ولهذا كان هذا الانتماء سريا، وكان المنتمون بنظر رفاقهم في الدراسة quot;خونةquot; وquot;عملاء سريينquot; وجواسيس لأجهزة الأمن والشرطة، بل لعل هذه الثقافة التي تجعل من عضوية الحزب الحاكم مساوية لوظيفة عميل المخابرات والأجهزة الأمنية، وبطبيعة الحال فإن شيطنة السلطات لم تكن عملا معقدا في أجواء المراهقة السياسية، وكانت البطولة والمجد لدى المراهقين في المعارضة.
أتذكر اليوم ما نقل عن الشاه أيام كان خطر الشيوعيين على بلاد العالم الثالث هو الخطر الرئيسي، حيث قيل أنه أبدى استغرابه من أي شخص لا يكون شيوعيا قبل العشرين، ومن أي شخص يكون شيوعيا بعد العشرين. واعتقد أن العصر الذي كان يعيشه الشاه كان عصر الشيوعيين، أما الزمن الذي عشت فيه مراهقتي فقد كان زمن الإسلاميين، ولم تكن إيران ببعيدة عن الأمر، فبعد انتصار ثورة الإمام الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تغير العالم العربي أيضا، وأصبح الثوار الجدد هم الإسلاميون، أما اليساريون فقد تشتتوا وبحث كل واحد منهم تقريبا عن خلاص فردي، أما من بقي مرتبطا منهم بالأحزاب فلبرما عز عليه البقاء بلا قبيلة.
كانت العلاقات بين تلاميذ الثانوية متوترة وصدامية نتيجة تباعد التيارات السياسية، و كان تثقيف هذه التيارات لأتباعها من المراهقين يقوم على الشحن العدائي والقطيعة الكلية، فقد كان القوميون و اليساريون في نظر الإسلاميين ليسوا مجرد أعضاء في تيارات مختلفة، إنما كفرة وفاسقون ومجرمون وأعداء لله وعصاة مارقون، وبالمقابل كانوا الإسلاميون أيضا في نظر مخالفيهم مجرد رجعيين و متخلفين و حواجز في وجه الحداثة و المدنية والديمقراطية.
عندما أتأمل اليوم في ملامح أبناء جيلي أجد آثارا لهذه الأجواء العدائية المليئة بالشك والخوين والكراهية، في حياتهم ومواقفهم و طريقة نظرهم لأوضاع بلادهم والعالم، و على الرغم من مرور أكثر من عشرين عاما على تلك الأيام، وتقلب صروف الزمان، وتشتت البشر بين البلدان، فإن الأحزاب التونسية ndash; والعربية- ما تزال على حالها، قبائل يستجار بها، تتناحر فيما بينها وتربي أبناءها على الثأر.
و عندما أتأمل رحلتي الشخصية أيضا، بعد أن غادرت منذ ما يقارب العشرين عاما الأحزاب، أجدها رحلة معاناة في التصدي لقصف و هجوم وتجنيات الأحزاب..وحيدا وقفت في العراء بلا سند، بلا حزب، بلا قبيلة..فردا، لا دولة تحمي الظهر، ولا معارضة تصد..هل كان اختياري صائبا..ربما لا، ولست متأكدا على أية حال، لكنني في كل الأحوال لم أكن قادرا على أن أفكر أو اعتقد أو أسير في طريق آخر..لم يكن بمستطاعي أبدا وراثة إيمان عجوز أو حصر عقل جامح في مربع مرسوم..و ما يجعلني بعض الشيء مطمئنا هو أنني إذا وضعت رأسي على الوسادة أنام..أنام بعمق لأنني لا أحمل ضغينة لأحد، وأعذر كل الخطائين، و أحاول أن أتعلم حب أعدائي..غفر الله لي.