قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لست في موقف يسمح بإعطاء دروس أو إلقاء مواعظ على أحد، و منذ وعيت الفكر و السياسة ndash; إن كنت وعيتهما فعلا- وجدتني كارها للخطابات الإطلاقية و للعقليات التي تطرح نفسها باعتبارها مالكة للحقيقة، سواء أكانت في الحكم أو في المعارضة.
ولأن كل ماسك بزمام سلطة، سواء أكانت حقيقية أو وهمية، من الطبيعي أن يكون مناط نقد ومهاجمة، إلا أنه ليس من الطبيعي أن ينظر المعارضون لأنفسهم أو أن ينظر إليهم الآخرون على أنهم معصومون من الخطأ، أو أن أخطاءهم مغفورة لهم سلفا لا لسبب إلا لأنهم معارضون يواجهون - كما يزعمون- بصدور عارية غضب الدكتاتوريين والطغاة والمستبدين، و أن أي نقد يأتيهم من داخل أو خارج لن يوضع إلا في سياق المؤامرة ولن يكون إلا خيانة و لن يصدر إلا عن عملاء مندسين أو منافقين متهافتين.
منذ أن جربت نقد المعارضة قبل عشرين عاما تقريبا، وقفت بما لا يقطع مجالا للشك، على أن مشاريع جل معارضاتنا شمولية لا تقل ضيقا بالرأي عمن تقتات على نقدهم، إن لم تتفوق عليهم، و الاعتماد على فكرة أن المعارض هو بالضرورة نقيض الحاكم في الرؤية والبرنامج والسلوك، ليس إلا من قبيل الخطأ الشائع لا أكثر، تماما كما هو خطأ اعتقاد من ناصر العباسيين أملا في نقض ظلم الأمويين، فجاءت قسوة المنصور وبنيه أعنف و أمحق، وخطأ من عارض القيصر نيقولاي الثاني تقديرا أن أي بديل له لن يكون أسوأ، فكان الأسوأ، أي الرفيقين لينين و ستالين.
أما إقامة خطاب المعارضة على أسس من ديمقراطية وحقوق الإنسان، فلا يعطي الحجة على أن من رفع الخطاب سيخلص له إذا ما تسلم سلطة، فإلى جانب الخطاب يقوم السلوك دليلا أقوى على مصداقية مشروع التغيير، و بالنظر في سلوك معارضينا سنعثر للأسف الشديد على أدلة تنفر أكثر مما تبشر، وتحزن أكثر مما تبعث على الأمل.
و لا أشد ما أخاف من المتطرفين الديمقراطيين والحقوقيين، فهؤلاء تتلبسهم أفكار و مشاعر تجعلهم في نظر أنفسهم أشبه بالقديسين و الأنبياء، ولهذا فإنهم ينصرفون إلى ممارسة quot;التكفير الديمقراطيquot; و quot;التخوين السياسيquot; أكثر من انصرافهم إلى تأليف العقول و القلوب حول دعوتهم، وأكثر خوضا في أعراض من يعتقدون في خصومتهم مما تفعل الأنظمة المعادية لهم.
و قد زادت العوالم الافتراضية من كاريكاتورية بعض رموز المعارضات العربية، فتجدهم يصورون بلادهم تخيلا على غير ما هي، و يثورون الثوار و تتراءى لهم الانتفاضات و تتسارع أمامهم صور انهيارات الأنظمة و تهاويها أمام جحافل أنصارهم و مواليهم، ولن يبق أمامهم إلا تشجيع بقية نفر من القاعدين على الانضمام إلى مسيرتهم البرتقالية، وكل ذلك لا يعدو أن يكون أوهاما وخيالات أقرب ما تكون إلى عالم إخوان الصفا والحشاشين.
لقد عرفت رجلا ممن يزعم المعارضة حينا والموالاة حينا آخر، اختلى بنفسه في قاعة افتراضية منذ عقدين من الزمان، جعل لنفسه جمهورية و ساوى بينه وبين البرادعي و ووضع إسمه في قائمة عظماء الثائرين، كغاندي ومانديلا و مارتن لوثر كينغ، وليس يعيب الرجل أن يفعل ذلك ما دام ليس في خياله ضرر، بل مجرد غرض ومرض، ولكن المصاب يتعاظم عندما يريد أن يجبر نظام بلاده وسائر أبناء شعبه، على أن ينظروا إليه على غرار ما رأى نفسه في عالمه الافتراضي.
كما عرفت أحد زعماء المعارضة التونسية، يقول أنه أعلن الثورة والمقاومة من على منبر قناة الجزيرة، و يدعو بquot;الخلاءquot; وquot;العزاءquot; وهي لغة quot;شارعيةquot; حتى لا أقول quot;سوقيةquot;، على رئيس بلاده، وربما على شعبه، المهم أن لا ينجز مشروع التمديد والتوريث، فالوقوف في وجه هذا المشروع يبرر برأيه كل وسيلة أو حالة مأساوية يمكن أن يدفع إليها بلاده، والحمد لله أنه لا يملك من قوة الدفع شيئا، غير أمنيات افتراضية في إقامة أوربية مرضية و حزينة.
إن المعارضة برأيي مسؤولية، أقلها أن يملك قادتها القدرة معها على التفريق بين آرائهم و مواقفهم الشخصية، وما تقتضيه وظيفتهم من التزام وجدية، فلغتهم محسوبة عليهم وكلماتهم معدودة، و إن كان من حقهم كبشر أن ينفسوا عن اختناقاتهم في كواليسهم، فيجب أن يدركوا أن ما يكتبون أو يقولون للعامة محسوب عليهم، فإذا ما انحدرت لغتهم إلى مستويات متدنية وهم على الهامش، فكيف بهم لو قيض لهم القدر تبوأ القيادة الفعلية.
ومن التزامات قادة المعارضة أن لا يحولوا تهيآتهم إلى حقائق مطلقة، ناهيك أن يبنوا عليها أحكاما صارمة لا يجوز نقدها أو يسمح بمراجعتها، فعندما تستمع إلى مصطلحاتهم وهم يصفون الأوضاع في بلدانهم (فوضى، انهيارات، عصابات، مافيا، انتفاضات..إلخ) تعتقد فعلا أن أنظمة بلدانهم قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وأن السفر إليها مجازفة كبرى غير محمودة العواقب، و الغالبية يعرفون أن الأمر لا يعدو أن يكون مبالغات وأمنيات، و أن ثمة فرقا شاسعا بين الأوهام والأحلام.
إن المعارضة في رأيي لا يمكن أن تنبع من تشنجات شخصية، أو تبنى من قبل أشخاص يحولون خصوماتهم الذاتية إلى معارك موضوعية يجب أن يخوضها الجميع معهم وإلا تحولوا إلى خونة وكفرة بالديمقراطية. كما أن المعارضة لا يمكن أن تكون تنفيسا أو شماتة أو نكاية أو أحقادا فردية أو حزبية أو طائفية. و ببساطة إذا كانت كذلك فلن تحرز نجاحا أبدا، مثلما هو حال المعارضات العربية وخصوصا الراديكالية منها.
وأخيرا، فإن على المعارضة أن تكون فعلا مستقلا عقلانيا راقيا ومتحضرا، حتى لا تكون مجرد رد فعل على ممارسات دنيئة أو متدنية قد يمارسها بعض أهل الحكم والسلطة. وشخصيا أرى أن كل معارض سقط في لغته من الاحترام إلى السوقية، ومن الهدوء والعقلانية إلى الصراخ و النزعات العاطفية، سقط من عيني ولم أعد أملك القدرة على ائتمانه أو تصديقه مهما تقول أو تجمل.
* كاتب تونسي