قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو ان مسالة التخمة في كل شيء اصبحت صفة ملازمة لكل دورة برلمانية عراقية، وهذه التخمة لاتنتهي بالمخصصات المالية المبالغ فيها التي يحصل عليها عضو البرلمان العراقي ولاتنتهي عند الامتيازات المالية الاضافية وقطع الاراضي والبيوت وايضا سابقة الرواتب التقاعدية المبالغ فيها اضافة للمخصصات الجانبية وزيادة الرواتب المتعاقبة دورة بعد اخرى، كل هذه السوابق على مستوى كل برلمانات العالم لم تكفي ولم تسد رمق العطش البرلماني فقد تم في الدورة قبل الاخيرة اضافة سابقة غاية بالخطورة التي ترافقها السذاجة والغرابة، عندما تم اصدار قانون تم بموجبه منح جوازات دبلوماسية الى اعضاء البرلمان وعوائلهم صغار وكبار و أمهاتهم وابائهم مع فقرة انتهازية اضافية تنص على احتفاظ عضو البرلمان وعائلته بهذه الجوازات لثماني سنوات بعد خروج الشخص المعني من البرلمان. وكأنها نوع من الهدية لعضو البرلمان المرشح الفاشل في الدورة الجديدة بعد ان فشل بالحصول على اصوات وثقة الناخبين لدورة جديدة وهذه مفارقة ايضا لاتقل غرابة عن منح الجواز نفسه!

مايحدث بهذه الجوازات الدبلوماسية العراقية من مطار بغداد الدولي مرورا بالمطارات العربية والمجاورة وحتى المطارات الاوربية حقيقة يدعو الى التندر والضحك من جانب والى الحسرة والغصة والحزن والخجل من جانب اخر. فمثلا وابتدآ من مطار بغداد تاتي عوائل كاملة بقضها وقضيضها دبلوماسية quot; بحمد الله وشكره quot; وبفطرة وببساطة تركل بسذاجتها كل مؤشر او أمل عراقي على التطور والتقدم، فبعض افراد هذه العوائل الدبلوماسية يرفض ان يعرض اوراقه الثبوتيه لانه دبلوماسي من عائلة الاستاذ الفلاني quot; عضو البرلمان quot;! وامراة ترفض ان تجلس على مصطبة انتظار واحدة مع بقية خلق الله من العراقيين لانها تحمل جوازا دبلوماسيا وتهدد بالاتصال بالحجي quot; عضو البرلمان quot; اذا لم يتم الاذعان لطلباتها الدبلوماسية الطارئة، وطفل دبلوماسي يصرخ باكيا على امه الدبلوماسية لتدبيل quot; حفاضته quot; التي غير متاكد من دبلوماسيتها!

وطبعا كل هذه مشاهد حقيقية ولا ذلك الرجل ولا هذه المراة ولا هذا الطفل ولا هذه العائلة او تلك يعرفون شيئا عن الدبلوماسية ولاابسط اصولها وحقوقها وواجباتها لكن بفضل الاستاذ الفلاني عضو البرلمان والحجي الفلاني عضو البرلمان حصلوا على هذه الجوازات الرسمية المهمة والخطيرة بل واجزم ان الاستاذ والحجي اعلاه ايضا لايعرفون اهمية وخطورة هذه الجوازات الحمراء التي اصبحت بيد كل من هب ودب في العراق.

ومشاهد اخرى حقيقية في مطار عربي ومن مطار هيثرو واخرى من مطار ستوكهولم، ففي الاول وقف شرطي عربي يصرخ بوجه وكيل وزير عراقي يحمل جوازا دبلوماسيا طالبا منه الوقوف بالدور مع المسافرين الاخرين وعندما اخبره سعادة الوكيل بكل خجل وحياء انه مسؤول ومعه جواز دبلوماسي، أجابة الشرطي العربي quot; المهتلف quot; بانه لايعترف بحكومته اصلا فكيف يعترف به وبجوازه! فما كان من وكيلنا المؤقر الا أن يذعن لامر ذلك الشرطي المسعور دون أدنى رد فعل يليق ببلده العراق او بقيمة الجواز الذي يحمله!

لكن للامانة حينما خرج نفس هذا الوكيل على احدى الفضائيات العراقية بعد اسبوع من هذه الحادثة المعيبة بدأ quot; يفستق بالكلام تفستق quot; كما يقال بالعراقي ويتكلم بعنترية غير مسبوقة، لكن هذه المرة وهو ينتقد احد القوائم الانتخابية المنافسه للقائمة التي كان ينتمي لها حينها ليس اكثر....!!

اما في مطار هيثرو فوقفت أم عراقية كريمة تجاوزت السبعين عام وهي تفتش الوجوه و تردد بالعربي quot; يمه من يفهمني ماذا يقول هذا الشرطي !!quot; والشرطي كان موظف الجوازات في مطار هيثرو وكان غير مقتنع بالسيدة quot; الدبلوماسية quot; العجوز ذات العباءة والفوطة العراقية المميزتين لامهاتنا العراقيات النجيبات! وبعد ترجمة وشرح وتفصيل له واقراره بعدم وجود تزوير او مخالفة بالجواز سهل الامور على أمنا الدبلوماسية.

اما في مطار ستوكهولم وبعد ان نزلت الطائرة بسلام على المدرج اكد طاقم الطائرة على الهبوط بسلام وكرر الجملة المعتادة بعدم فتح الحزام ومغادرة المقعد الا بعد وقوف الطائرة واعطاء الاشارة، لكن طفلة عمرها لايتجاوز 12 عاما ترافق عائلتها نهضت وحدها دون سابق انذار فما كان من المضيفة الا الركض نحوها والطلب منها الجلوس وربط الحزام مرة اخرى، فكان جواب الطفلة العملي بان تبرز جوازها الدبلوماسي العراقي الاحمر بوجه المضيفة وكأنها حكم يقود مباراة ويوجه بعصبية انذارا احمر الى احد اللاعبين! وسط صدمة ودهشة وحيرة المضيفة والمسافرين في بلد يتساوى فيه الملكة ورئيس الوزراء وعامل التنظيف في الحقوق والواجبات!


كل هذه الامور هي مشاهد واقعية تصلح ان تكون مشاهد مسرحية هزلية لكنها من جانب اخر تدعو للحزن وخيبة الامل والخذلان. فالعراق الجديد يجب ان يسوده القانون هذا القانون الذي يصنعه ضمير حي وحريص على سمعة البلد ومقدراته وصورته الجميلة، اما غير ذلك فهو عبث لايمكن السكوت عليه، وهذا يضيف واجبات اضافية اولا على الناخب العراقي بان ياخذ مثل هذه الامور بحساباته مستقبلا وايضا واجبات اضافية على المخلصين من اعضاء البرلمان والحكومة العراقية للعمل على الغاء فقرة الجواز الدبلوماسي وحصرها باصحاب الاختصاص كما مفعول به في كل دول العالم المتقدم، والا ليس من المعقول ان يكون الجواز الدبلوماسي العراقي بيد الطفل الباكي من امتلاء حفاضته في مطار بغداد الدولي وبيد لاعب المنتخب الوطني لكرة القدم وبيد الاطفال العابثين وحتى الرجال والنساء لمجرد انهم ينتمون لعائلة هذا العضو او ذاك من البرلمان العراقي! العراق الجديد دفعت لاجله قبل وبعد سقوط الصنم تضحيات عراقية جسام وأبسط الحقوق ان يتم احترام مايرمز لدولتهم الجديدة وايضا وضع أسس قوية لبناء سليم، فاسحبوا هذه الجوازات الاستثنائية الطارئة واعملوا ان كنتم صادقين على بناء احترام حقيقي للجواز الاخضر العراقي الذي بدأ يطلق عليه جواز الفقراء.

[email protected]