قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بين ثورة الغضب في العالم العربي وثورة الرفض في أوربا صيف 1968 قضايا مشتركة في مقدمتها ان كليهما ثورات شعبية يقوم بها الشباب وانها ثورات احتجاجية سلمية وليس انقلابات عسكرية وانها حركة رفض ونقد اجتماعي هدفها تغيير الانظمة الاستبدادية الشمولية. ومن هنا تأتي أهميتها في الدراسة والتحليل، بوصفها احدى اشكال عمليات التغير والتغيير الاجتماعية والثقافية والسياسية الجذرية التي تميزت بنمو وعي يماثل الى حد ما quot;الوعي الطبقيquot; لدى العمال خلال القرن التاسع عشر. واصبح الشباب بموجب ذلك, ورثة الدور الذي كانت تلعبه quot;البروليتارياquot;. وهو قول يقترب مما قاله عالم الاجتماع الالماني هربرت ماركوزه، احد أهم المنظرين لثورة الشباب والطلاب في أوربا، في تأكيده على قدرة المثقفين والشباب والطلاب على احداث تغييرات quot;راديكاليةquot; في المجتمع.

لقد كتبنا عن quot;ثورة الشباب والتغيير الجذريquot; في العالم العربي (انظر أيلاف 4 فبراير 2011) ونحاول اليوم الكتابة عن ثورة الشباب في أوربا منتصف الستينات من العام الماضي.

ظهرت بدايات هذه الحركات الاحتجاجية في منتصف الستينات من القرن الماضي، التي عايشت عن كثب بعض احداثها عندما كنت طالبا في جامعة فرانكفورت بالمانيا، عندما حاول بعض علماء الاجتماع دراسة وتحليل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية التي اخذت فيه قوة الولايات المتحدة الاميركية بالتنامي اثر تراكم التطور العلمي والتقني وتحول المجتمع الامريكي الى مجتمع استهلاكي. وكان عالم الاجتماع الامريكي تالكوت بارسونز وتلاميذه قد بذلوا جهودا كبيرة لإضفاء طابع النظام على عناصر الواقع الاجتماعي، والتكامل الذي تفرضه ميكانيزمات الضبط الاجتماعي , انطلاقا من تصور غير دقيق وحالم بان المجتمعات الغربية قد تجاوزت مرحلة الصراع، وخاصة الايديولوجي. وقد استندت وجهة النظر هذه الى تزايد الرقابة واختفاء الخلافات بين اليمين واليسار وبدايات افول الاشتراكية وتغلب المجتمع على كثير من مشاكله الجوهرية، ولذلك فليس هناك مكان لصراع الايديولوجيات.

ولكن ما ان بدأت الستينات حتى بدأ ينحسر تيار الدعة والتفاؤل الذي سيطر على عقول بعض منظري الخمسينات، وبدأت تظهر قوى جديدة مناوئة لأيديولوجيا الغرب تبناها quot;اليسار الجديدquot; الذي اصبح ظاهرة عالمية كان اهمها الهجوم الثلاثي على مصر وثورة العمال والمثقفين ضد الستالينية وتحلل النظام في بولندا الى جانب حرب الفيتنام والجزائر. فهذه جميعا فجرت حركات المثقفين والشباب في اوروبا، وكونت منهم قوة معارضة جديدة شكلت بؤرة حركات اليسار الجديد في فرنسا والمانيا وغيرها من الدول الاوروبية، التي بلغت ذروتها في انتفاضات الطلاب والشباب نهاية الستينات في باريس وفرانكفورت وغيرها من المدن الاوربية.
اما في اميركا فقد كان لحركة السود المعروفة بحركة الحقوق المدنية بقيادة مارتين لوثر كنغ, والثورة الكوبية واراء غيفارا في الثورة العالمية وسياسة امريكا الخارجية في جنوب شرق اسيا، تأثير كبير في ظهور حركة اليسار الجديد، الى جانب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي زادت من الاغتراب عند الشباب والطلاب وسهلت انخراطهم في الحركات الطلابية للتعبير بواسطتها عن السخط والتذمر من الممارسات السياسية القائمة.

وقد لعبت افكار وتحليلات رواد مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي دورا هاما في تحريك الوعي الطلابي واثارته لطرح تساؤلات نقدية وافكار اجتماعية جديدة، عكست بوضوح استياء الشباب والطلاب وتذمرهم من النظام الاجتماعي القائم وايديولوجيته، وكذلك طموحاتهم, باعتبارهم يمثلون ثقافة فرعية خاصة بهم تتجاوز حدود وظيفتهم كطلاب، وذلك بفضل التطور العلمي والتقني والتقدم التكنولوجي, وبخاصة في وسائل الاعلام والاتصال، وكذلك وعيهم بالمخاطر الجسيمة التي من الممكن ان تسببها الاسلحة النووية التدميرية والتهديدات المتنامية للحروب، التي ظهرت في الافكار والشعارات التي رفعها الشباب quot;في ممارسة الحب بدل الحروبquot;.
كما ساهمت مظاهر الضعف والعنف والصراعات الداخلية التي اخذت تظهر في المجتمعات الرأسمالية، وكذلك استفحال النزعة الاستهلاكية والفردانية، في ان تعكس الى حد ما تناقضات المجتمع الامريكي وما تمارسه السلطة من سيطرة وضغط وتطويع, بعد ان تحول العلم والتقنية الى ايديولوجيا تعبر عن نفسها في وسائل الدعاية والاعلان والمتع المادية والترفيهية. وبهذا فقد تحول المجتمع، من مجتمع تلعب فيهquot; قيمة العملquot; دورا كبيرا الى مجتمع تلعب فيه quot; قيمة الاستهلاكquot; دورا اكبر، اضافة الى التغيرات التي طرأت على العمل، من شيء يهدف الى تحقيق اشباع داخلي, الى شيء يرضي الاخرين ويشبع مصالحهم. واصبح الفرد، بموجب ذلك، موجها ومسيرا من فرد او جماعة تحدد مصالحه ومجالات تعاونه وعمله، وهو ما زاد في تشتته واستلابه.

شغلت هذه الاحداث والقضايا الشباب والطلاب وشاركهم في ذلك كثير من المثقفين واساتذة الجامعات وبخاصة في اقسام علم الاجتماع والسياسة والانثروبولوجيا، لا سيما بعد التحولات التي طرأت على نقابات العمال في اكثر من بلد غربي وتحولها الى منظمات بيروقراطية ومشاركتها المؤسسات الرأسمالية بشكل مباشر وغير مباشر، في الاستغلال والربح. كما ان قضية الحريات والمساواة، واستقلالية الجامعة والدعوة الى اصلاحها ومشاركة الطلاب في ادارتها واتاحة الفرص امام الطلاب للمشاركة في تحديد مستقبلهم ومصيرهم، كونت اهم المطاليب والشعارات التي طرحتها quot;ثورة الطلابquot; وكانت هذه ايذانا بنمو وعي جديد وتبني نظرة عالمية تؤكد على الرغبة في الحرية والتحرر، وان يكون للشباب والطلاب دور سياسي جديد وثقافى فاعل في الجامعة وفي المجتمع يهدف الى تغيير العالم ومحاولة السيطرة على المصير، ولا يتم ذلك الا عن طريق رفض النظام القائم والبناء الاجتماعي والايديولوجا التي تدعمه.

اتخذت حركات الشباب والطلاب الاحتجاجية لها مستويين اساسيين, ظهر الاول في اساليب الاحتجاج والرفض المختلفة التي وجهت ضد النظام القائم للتوصل الى استراتيجية يمكن بواسطتها تغيير المجتمع تغييرا ثوريا، وهي هدف لا يمكن تحقيقه الا من خلال النضال الثوري المستمر والتكامل الجدلي بين النظرية والتطبيق.
وفعلا تفجرت مظاهرات صاخبة ملأت شوارع باريس وفرانكفورت وبرلين الغربية, صاحبتها اعمال عنف وفوضى وتدمير, كان الطلاب خلالها يطالبون بالحرية والديمقراطية.وشاركتهم في ذلك مجموعات صغيرة من العمال والمضطهدين والهامشيين واللاجئين والبيئويين وغيرهم. وعندما لم تستطع السلطات الادارية امتصاص غضبهم وتمردهم, تصدوا لهم وتعاملوا معهم وكانهم quot;عصابات فوضويةquot; هدفها التخريب والتدمير.
اما المستوى الثاني من الاحتجاج فكان موجها ضد بيروقراطية المؤسسات وخاصة الجامعة والدعوة الى استقلالها.وكان الهدف هو اصلاح الجامعة ومشاركة الطلاب في ادارتها, وكذلك في صياغة السياسة التعليمية والتربوية فيها. فالجامعة مؤسسة ناقلة للثقافة من جهة، ولكنها من جهة اخرى جهاز بيروقراطي هدفه اعداد العاملين في خدمة النظام القائم،وهو دور اقتصادي يحظى باهتمام كبير، ولكن على حساب العلم والمعرفة. ولذا فالجامعة يجب ان لا تكون quot;معملاquot; للمعرفة الذي يجهز طلبة للقيام باعمال تخدم النظام. فهي اصبحت نظاما بيروقراطيا تابعا للشركات الصناعية الكبرى، واستقلاليتها هي في الحقيقة، المطلب الاساسي الذي يمكن بموجبه تطوير تقاليد وقيم جماعية مستقلة عن قيم وتقاليد المجتمع البروجوازي القائم

ومن المؤكد ان افكار وشعارات مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي وروادها, وعلى رأسهم ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو وهربرت, اللذان تأثرا باراء لوكاش الفلسفية ووجها نقدا لاذعا الى الفلسفة التقليدية والوضعية المعاصرة, واسسا معهد البحث الاجتماعي في جامعة فرانكفورت, ووضعا اسس النظرية النقدية في علم الاجتماع، كانت محاولة جادة لايجاد بديل نظري، نقدي، واضح المعالم للوقوف امام التيارات النظرية التي مارست وتمارس انواعا من السلطة الفكرية، وهدفت الى تقويض الفصل التقليدي بين النظرية والممارسة.
كما كان لافكار هربرت ماركوزه quot;الثوريةquot; تأثيرا كبيرا على الشباب حيث تحولت الى رموز وشعارات حملها الشباب والطلاب واستخدموها في تظاهراتهم واحتجاجاتهم، ليس في المانيا فحسب, بل في امريكا وفرنسا وغيرها من الدول الاوروبية.

لقد عبر ماركوزه عن الافكار التي لم يستطع الاخرون الاعلان عنها، حيث حرر الفينومينولوجيا- الماركسية من عقالها, معتمدا في ذلك على هيغل وسارتر، مثلما اعتمد على هوسرل, وخاصة في نقدهم للعلم والتكنولوجيا، حيث ان التطور العلمي- التكنولوجي يوضح رسوخ النسق الاجتماعي على اسس راسمالية، وفي الوقت ذاته، يساعد على المحافظة على شرعية العلاقات التسلطية، فيما التكامل بين العاملين انما يعيق تطور وتشكيل اي بديل جديد. ولا سبيل الى تخطي هذه الحالة من العجز سوى الاحتجاج العفوي للافراد الهامشيين على النسق الاجتماعي القائم.
ان هذه الافكار جعلت من ماركوزه فيلسوف quot;ثورة الطلابquot; وقائدها الفكري, وتحولت افكاره الى شعارات لها, و التي ظهرت بوضوح في كتابه quot;ذو البعد الواحدquot;،الذي صدر عام1964، ووجه فيه نقدا ثاقبا للثقافة البرجوازية واساليبها الفكرية.فالواقع العملي بتناقضاته وصراعاته يقوم، في رأيه، على الوهم والخداع، ولذا يتطلب ثورة في الفكر وثورة على الواقع، وبناء فكر جديد يتعارض مع البناء الفكري القديم, يقوم على فهم الواقع فهما جدليا حقيقيا يستطيع كشف التناقضات واساليب الوهم والخداع التي تقوم عليها تلك التناقضات. اما البديل الذي يقدمه ماركوزه فهو تغيير الرؤية الاحادية، وبالتالي تغير الوجود عن طريق الفكر السلبي الذي يرفض المشاركة في اللعبة المفروضة عليه، ورفض الواقع المزيف عن طريق رفض الثقافة التقليدية والنقد المستمر للواقع الثقافي والاساليب التي تدعمه، وكذلك رفض الواقع الاجتماعي نفسه من خلال الثورة عليه وتحطيم جميع مظاهر التسلط المفروضة على الافراد.
وليس صدفة ان يشعر الشباب والطلاب المتمردون على الواقع الاجتماعي ان افكار ماركوزه موجهة اليهم بالذات, ويتراءى لهم ان طريق التحرر مفتوح امامهم. وهكذا انتشرت افكار ماركوزه سريعا بين الشباب والطلاب، واصبحت محركا وموجها لانتفاضتهم، التي تفجرت اولا في جامعتي كاليفورنيا وبركلي(1965) بعد منع المظاهرات التي قامت احتجاجا على الحرب في فيتنام, ثانيا في quot;ثورة مايوquot; في باريس عام 1968، ثم في فرانكفورت وبرلين صيف وخريف 1968 وامتدادها الى ايطاليا واسبانيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها من الدول الاوربية. ولم تسلم منها حتى الدول الاشتراكية وبعض دول العالم الثالث، مع ان الاسباب التي حركتها كانت مختلفة.