قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فى كل حقبات التاريخ لم يكن للشعب الليبي قرار وطني في مصيره، فكانت الأحداث دوما تعصف به، فيتقرر قدره من قبل الاخرين. ربما كان هذا بسبب عبقرية المكان أو بؤس الديموغرافيا. كما لم يحكمه من أبنائه غير ثلاثة حكام، سبتيموس سيفيروس العظيم، وإدريس السنوسي الطيب، ومعمر القذافي الظالم.
وحتى لانذهب بعيداً فى مجاهل التاريخ، يمكن أن نكتفي بالابتداء من القرن السادس عشر، عندما أوفد الأهالي بعضاً من أعيانهم إلي الباب العالي فى تركيا لإنقاذههم من حكم فرسان القديس يوحنا. وكانت الامبرطورية التركية فى قمة مجدها فاستجابت لهذا الطلب بإرسال أسطولها القوي بقيادة سنان باشا، فطرد فرسان القديس يوحنا، وضم ليبيا إلى دولة الخلافة العثمانية وكان ذلك فى سنة 1551 ميلاديّة، واستمر هذا الحكم أربعة قرون عانى فيه الليبيّون من العسف والجور والظلم الشئ الكثير، وقاوموا الأتراك بثوراتٍ عديدة وكانوا يُخضعون فى كل مرةٍ لحكامهم الذين أتوا من وراء البحار.
وفي سنة 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا (رجل أوروبا المريض)، وانتزعت منها ليبيا. بل نستطيع أن نقول إنّ الرّجل المريض سلّم ليبيا إلى ايطاليا غنيمة باردة على رأي الفقهاء. فقد تخلت تركيا عن الشعب الليبي الذي رفض الاحتلال وتنادى لقتال الايطاليين، واستمرت المعارك غير متكافئة بين الطرفين حتي انتهت إلى إخضاع ليبيا بالكامل في أواسط الثلاثينيات من القرن المنصرم. وعندما قامت الحرب العالمية الثانية وانهزمت جيوش المحور أمام زحف الجيش الثامن البريطاني وقد كان بمعيته الجيش الوطني الليبي الذي شُكل فى المهجر، فأصبحت ليبيا ضمن الممتلكات البريطانية.
وأقيمت إمارة برقة سنة 1949 ميلادية وبويع محمد إدريس السنوسي أميراً عليها، وتبع ذلك استقلال كامل للتراب الليبي فى 24 ديسمبر سنة 1951 ميلادية، ونودي بأمير برقة ملكاً على المملكة الليبية المتحدة بأقاليمها الثلاث : برقة وطرابلس وفزان.
ورغم تضحيات الشعب الليبي الجسيمة، والتي فقد فيها نصف سكانه على أيدي الإيطاليين الغزاة، فإنّ استقلاله كان بتوافق دولي من خلال الأمم المتحدة، وباعتبار أن ليبيا آنذاك كانت ثاني أفقر دولة فى العالم، مما جعل المجتمع الدولي يتخوّف من عدم قدرتها على إقامة دولة مستقلة، فإنّ الآباء المؤسسين لليبيا الاستقلال قبلوا التحدي وأقاموا دولة حديثة بمساعدة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، كما اعتبرت بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية بأن ليبيا هي الدولة الأولى بالرعاية.
فجاء الاستقلال بالواسطة الأممية وأعطى أُكله، وتحققت الدولة الوطنية الليبية لأول مرة في التاريخ، وكانت عهداً من الاستقرار والأمان، حتى جاء الانقلاب العسكري فى 1 سبتمبر 1969، فدمر مؤسسات هذه الدولة وأسس دكتاتورية مرعبة على أنقاض المؤسسات التي أفسدها، واخترع نظاماً غريباً عجيباً حوّل ليبيا من دولة قانون الى دولة عصابات أهدرت مُقدرات الشعب وصادرت الحريات. واختزل زعيم هذه العصابة ليبيا فى شخصه الذي أضفى عليه كل آيات الجلال والكمال.
تحمّل الشعب الليبي بؤس هذه المرحلة التي استمرت 42 سنة. وفى السابع عشر من فبراير 2011، انتفض الشعب الليبي لإسقاط هذا النظام فجوبه بعسف لا نظير له، واضطر الشباب الى امتشاق السلاح، واختاروا طريق المقاومة المسلحة فى أكثر مدن ليبيا وقُراها، ولو قدر لهذه الانتفاضة أن تنتهي بسرعة نهاية الأنظمة المجاورة، لكانت ملحمةً فيها من الجمال الثوري أكثر مما هي عليه الآن من بشاعة امتطاء الإيديولوجيّات.
واستجار الشعب بالأمم المتحدة فدخلت على حلبة الصراع لحمايته وأُوكلت لنجدة ليبيا التي أنشأتها ابتداءً حلف النيتو.
بعد خمسة أشهر من القتال بين كتائب الطاغية من جهة ومليشيات الثوار مدعومةً بالحلف الاطلسي من جهةٍ أخري، استجدّت جملة من المستجدات عقدت الموقف وأدخلت ليبيا فى نفقٍ مظلم لم يكن فى حسبان أحد بادئ الأمر.
صحيح إننا كنا نتساءل عن مصير ليبيا بعد موت أو سقوط القذافي منذ زمن بعيد، وكانت هموم أكثر المثقفين والمراقبين تنصرف الى هذه اللحظة الفاصلة. لماذا؟ لأن ليبيا لم تكن دولة فى ظل نظام القذافي، ولم تكن تملك من عناصر الدولة غير عنصري الإقليم والسكان، فلم تكن هناك مؤسسات ولا أحزاب ولا دستور ولا رئيس ولا برلمان ولا جيش وطني. كنا دائماً نتناقش همساً في ما سيكون عليه حال الوطن بعد القذافي، وكان الكثير منا يعرف أن الفوضي والحرب الأهلية لامناص منهما، وكان بعضنا يخفف من هذه الرؤية السوداوية لأن الحرب الأهلية وإن حدثت لن تستمر طويلاً كما في الصومال مثلاً، وذلك لأسباب موضوعية لاعلاقة لها بالبشر وتوجهاتهم الإيدلوجية أو منابتهم القبلية وإنما لموقع ليبيا على البحر المتوسط فى مواجهة أوروبا، وهذه الأخيرة لا تحتمل نتائج حربٍ من هذا القبيل ولا تحتمل تداعياتها على أمنها القومي. كما أنّه من غير الممكن أن يُترك بلد منتج للنفط والغاز يتشظي وتذهب مليارات الاستثمارات العالمية أدراج الرياح.
الأسئلة الملحة اليوم : ماذا سيحدث فى ليبيا بعد هذه الثورة وبعد سقوط النظام ؟
هل فى ليبيا جيش وأمن وطنيين يحميان ليبيا من التفتت والاقتتال الداخلي ؟
هل يمكن لليبيين أن يُنشئوا دولةً من العدم بكافة مؤسساتها بدون حارسٍ يحميهم من الخارج ويحمي بعضهم من بعض؟
هل هذه المليشيات الثورية التي تقاتل نظام القذافي سوف تندمج بشكل طوعي فى جيش وطني يحمي الدولة الوليدة ويمكّن كل ليبي من أن يعبر عن رأيه واختيارته السياسية بدون إملاء ولا تعسف؟
هل ثمة قوة قادرة على نزع سلاح المليشيات الثورية اذا امتنعت عن تسليم سلاحها ؟
هل ستكون ليبيا فى لحظة سقوط نظام القذافي خالية من التنظيمات المتطرفة والساعية الى الهيمنة على الوطن؟
أسئلة كثيرة مرعبة تتطلب الاجابة عليها نزاهة فكرية وحس وطني غيور.
يمكن أن نجيب على كافة الأسئلة أعلاه بسذاجة الرجل البسيط من القائلين إن ليبيا سوف تكون بخير، وإن الليبيين أناس طيبون، ولن يدخلوا فى صراع مسلح بعضهم ضدّ بعض، بعد كل الويلات التي كابدوها طيلة العقود الأربعة المنصرمة، وأنهم لن يسفكوا دماءهم لأجل سلطة سياسية أو هيمنة جهوية.
ولا يسعنا إلا أن نختتم هذا النّوع من الأماني بالدعاء الذي نحن دوماً فى حاجةٍ إليه.
غير أن النظر بموضوعية للحالة الليبية ينبئنا بغير ذلك. فالحرب الأهلية آتية لاريب فيها، وتشظى الوطن إمكانية ترقى إلي درجة الاحتمال، وإن طريق تأسيس الدولة وإنشاء مقوّماتها طريقٌ محفوفٌ بالدماء والآلام.
كان بالإمكان درء هذه المخاوف لو توفّر للمجلس الوطني الانتقالي رجال على درجة عالية من التسيس والوعي، ولو قدّم برنامجاً واقعياً ودقيقاً يتمثّل في إنشاء جيش وطني يحمي البلاد من الفتنة ويحمي العباد من تغول بعضهم على بعض، ولكن هذا الزمن قد انتهى وليس فى إمكان أحد فعل ذلك الآن. وإن إدانة المجلس الوطني الانتقالي تاريخياً سيكون سببه تفويت الفرصة على فعل ذلك.
فما هو الحل ؟
ليس ثمة حل لهذه المعضلة غير الرجوع الى الأمم المتحدة ومطالبتها بحماية الوطن الليبي ومساعدة شعبها فى إنشاء الدولة المدنية الديموقراطية المأمولة، واحتضان هذه الدولة عسكرياً وفنياً حتى يتأكد الشعب الليبي بأنه خارج نطاق الخطر.
إن الرجوع الى الأمم المتحدة التي أنشأت دولة الاستقلال ليس عيباً، وإنما العيب هو فى مواصلة تجاهلنا للمخاطر المحيقة بنا وإلقاء وطننا فى مهب الكوارث.
وسوف يصدق فينا قول المتنبي :
ولايتقون الشر حتي يصيبهم
ولا يحسنون الأمر الا تدبرا
قد يقول قائل من المتأدلجين، وسمعنا ذلك مراراً على شاشات التلفزة، بأننا لن نقبل بجيش أجنبي على الأرض الليبية، وسواء كان الدافع لذلك فقه البراء والولاء الاسلاموي أو القومجي فإننا نرد بأن هذا الجيش يمكن أن يكون عربياً أو إسلامياً تحت مظلة الأمم المتحدة، وعلى هؤلاء الدعاة أن يُشمروا عن سواعدهم ويغشوا المحافل الدولية ويطرحوا وجهة نظرهم ويُقنعوا الدول التي يرون إن تواجد جيوشها على الارض الليبية ممكن القبول. عليهم أن يحاولوا استمالة هذه الدول الى هذا المشروع حتي يكون للأمم المتحدة عندما تقرر ذلك خيارات يمكن البناء عليها، أما رفض التدخل الأجنبي بشكل مطلق فله مخاطر كبيرة تهدد وحدة التراب الوطني وتهدّد أمن المواطنين.
فلو افترضنا جدلاً بأننا نتفق على رفض هذا الخيار، ثم حدث الاقتتال الداخلي، ودخلت على مسرح الأحداث، وهذا شئ مؤكد حدوثه، عناصر متطرفة تبحث عن ملاذ فماذا سيحدث؟ سوف تتدخل قوة أجنبية لا لحمايتنا وإنما لحماية مصالحها ولن يكون لنا الحق فى اختيار هويتها، ولن تنفذ هذه القوة أجندتنا الوطنية وإنما سوف تكون لها أجندتها الخاصة. كما أن الغطاء الذي يمكن أن توفره مظلة الأمم المتحدة بحيادها وبمرجعيّتها القانونيّة الدّوليّة سوف لن نحصل عليه، فيصبح وطننا خاضعاً للتبعية الاجنبية، وتصبح ثرواتنا وقراراتنا الوطنية تحت الوصاية إلى أجل غير معلوم.
إن المخاطر التي تحيق بنا اليوم يرجع سببها الأول والأخير إلى أساليب حكم القذافي وإلى تخريبه الممنهج لدولة الاستقلال، وإن هذا الطاغية لو سقط منذ عشر سنوات أو بعد عشر سنوات فستكون النتيجة نفسها. وإذا كان كل حاكم ديكتاتوري لابد من أن ينتهي بكارثة، فإن نظام القذافي لم يكن ديكتاتورياً فحسب بل كان نظاماً ديكتاتورياً تقوده عبقرية شيطانية تخرب البشر والجماد والشجر، وتشوّه النفوس والأخلاق. فكيف يمكننا ان نُبعث من العدم؟
كل الأمل فى طاقات شبابنا الذي هب ثائراً من أجل غدٍ أفضل. ولكن لكي تنعتق هذه الامكانات البشرية العظيمة نحو بناء ليبيا المستقبل، فإننا فى حاجة الى الحماية. هذه الحماية إن لم تجدوها في هذا الحلّ الذي طرحته فأرجو ان تبحثوا عنها في مضانٍ أخرى.
ونحن نحمل المسؤولية التاريخية اليوم للمجلس الوطني الانتقالي، الذي يجب أن يعي دوره الوطني وأن يضع كافة السيناريوهات والحلول الممكنه لهذه المعضلات الخطيرة، فهوالوحيد الذي يمتلك الشرعية الدولية فى مخاطبته للعالم، وإن من واجباته أن يخاطب المواطنين وأن يحذرهم مما هم مقبلين عليه، وإن كان ليس بمقدوره أن يفعل ذلك فأضعف الإيمان الا يزيد الطين بِلة، وأن لا يضلل الجماهير مدّعيا أن كل شيء على ما يرام، وأن دخول طرابلس هو كالدخول إلى الجنة.