مثلت إحالة محام تونسي مؤخرا على قلم التحقيق من أجل نقد وجهه في أحد تقاريره لاجتهاد قاضية، الحدث الذي أثار إنزعاج عدد كبير من رجال القانون والحقوقيين وأنصار الدفاع عن الحريات ممن يخشون من العودة إلى الوراء في هذا المجال بعد تحقق بعض المكاسب إثر quot;الثورةquot;.
ولعل حصول هذا التتبع في فترة زمنية لاحقة لصدور المرسوم المنظم لمهنة المحاماة والذي منح الحصانة التي ناضلت من أجل نيلها أجيال، للمحامي، هو الذي جعل الحادثة تتحول إلى حدث بارز وتثير كل هذا الجدل الواسع لدى أهل المهنة.


شأن عام
فالمحامي هو quot;لسان المتقاضينquot; أمام الهيئات القضائية. وهو المدافع عن حقوقهم والحريص على نيلها. والمس من حريته في التعبير والإصداع برأيه هو مس بحقوق المتقاضين باعتبار المحامي وكيل خصامهم. وإذا quot;قطع لسانquot; الوكيل كما كان يرغب نابليون بونابرت ضاعت حقوق الموكل. لذلك فإن الأمر يتعلق بشأن عام وليس بأزمة قطاعية تهم المحامين دون سواهم. إذ لا يمكن الفصل بين المحامي والمتقاضي والترابط جد وثيق بينهما.
ومن هذا المنطلق عارضت نقابة القضاة في عهد حكومة الباجي قائد السبسي المرسوم الجديد المنظم لمهنة المحاماة في تونس لأنه يحد من اليد الطولى للقاضي على المحامين والمتقاضين على حد سواء باعتبار المحامي ممثل منوبه أمام القضاء. وذلك من خلال منح هذا المرسوم الحصانة للمحامين أثناء تأديتهم لوظيفتهم وجعلهم قبل هذه الحادثة الأخيرة لا يخشون في الحق لومة لائم بعد أن بعث الطمأنينة في نفوسهم.


دار لقمان...
إلا أن الحادثة الأخيرة التي سارعت من خلالها النيابة العمومية التونسية إلى تتبع المحامي على إثر الشكاية التي تقدمت بها القاضية أبانت بالكاشف أن لا شيء تغير في المنظومة القضائية للبلاد التونسية وأن المرسوم المنظم لمهنة المحاماة ليس سوى حبرا على روق وأن حصانة المحامي لا وجود لها إلا في النصوص المكتوبة أما واقعيا فدار لقمان لازالت على حالها وحقوق المتقاضين غير مضمونة باعتبار الترابط المشار إليه بين المحامي والمتقاضي.
فالمحامي كان يخشى انتقاد القضاة خلال حقبة الإستبداد رغم الإنتهاكات الصارخة التي ارتكبها بعضهم خوفا من أن يودع في غياهب السجون جنبا إلى جنب مع موكليه لأن القانون التونسي يبيح ذلك. ويبدو أنه سيواصل في هذا الإطار رغم الحصانة المزعومة باعتبار هذه الحادثة التي استغل فيها القضاء ما له من سلطة لإرهاب المحامين وقتل الجرأة لديهم لانتقاد الأعمال القضائية.


سابقة خطيرة
إن ما حصل هو سابقة خطيرة باعتباره أول تتبع لمحام على خلفية انتقاده لعمل قضائي إثر صدور المرسوم المنظم لمهنة المحاماة الذي اعتبر ثوريا إبان صدوره لأنه حقق مطلب الحصانة الذي ناضلت من أجله أجيال من أبناء قطاع المحاماة التونسية، وعجزت عن تحقيقه في السابق حتى مع بورقيبة المحامي. والملفت في الأمر هو ذلك الزمن القياسي الذي اتخذت فيه النيابة العمومية قرار التتبع ما أعطى الإنطباع بغياب الحياد لديها وانتصار quot;القائمين عليهاquot; لزملائهم القضاة على حساب حق الدفاع.
لذلك على المجتمع المدني التونسي أن يتحرك ويضغط بأن لا تتكرر هذه الحادثة وأن تبقى معزولة في فترة الإنتقال الديمقراطي التي تمر بها البلاد، لأنه إذا غاب القضاء المستقل الذي يحترم حقوق المتقاضين ووكلاءهم من المحامين فإن الديمقراطية المنشودة لن تتحقق واقعا. فالقاضي ليس نبيا معصوما من الخطإ ومن حق المحامي أن ينتقد قراراته وأعماله وعليه أن يتقبل هذه الإنتقادات بصدر رحب ويناقشها بإبراز خلافها بالحجة والبرهان القانونيين لا أن يستغل نفوذه والسلطة التي منحها له القانون لإرهاب منتقديه مثلما حصل في هذه الحادثة المرشحة لخطف الأضواء من الأحداث السياسية خلال الفترة القادمة.


نصوص مهجورة
وعلى الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين أن تتحمل مسؤولياتها في الدفاع عن حق المحامي في انتقاد القرارات القضائية وأن تسعى جاهدة لتطبق المرسوم الجديد المنظم للمهنة وجعل الحصانة واقعا ملموسا بما يجعل المحامي مطمئنا أثناء مرافعاته يعمل براحة بال وهو يصيغ عرائضه وتقاريره ومستندات استئنافه وتعقيبه وأذون عرائضه وشكاياته ما سينعكس إيجابا على حقوق المتقاضين.
فإذا لم يحصل ذلك خلال الأيام القادمة فيا خيبة المسعى. حينها لن تصبح هناك فائدة من المرسوم الجديد المنظم لمهنة المحاماة الذي سيتحول مع الوقت إلى نص مهجور، وما أكثر النصوص المهجورة التي لم تجد طريقها إلى التطبيق في القانون التونسي وأغلبها يتعلق بالحريات.