قام بعض الثورجية من السلفيين، بتدمير تمثال الشاعر ابو العلاء المعري في مسقط راسه معرة النعمان، في محافظة ادلب، شمال سورية المحرر تقريبا من حكم العصابة الأسدية، في ثقافة اعتبر جزء منها أن رهين المحبسين كان زنديقا، آثار هذا العمل حفيظة مثقفينا وبعض نخبنا السياسية، وتم تدبيج المقالات والعناوين التي تدين هذا العمل الاخرق، باعتباره تحريضا ضد حرية الفكر والمعتقد، تقوم به بعض الجهات المناصرة للثورة والمشاركة فيها. لم يدرك من قام بهذا العمل أنهم اعادوا الروح من جديد لصاحب رسالة الغفران، واعادوا احياء قضيته في حرية التفكير والمعتقد أيضا. هذا العمل بغض النظر عن صوابية او عدم صوابية مظاهر الاحتجاج عليه، وما كتب حول ادانته،إنما يفتح ملفا شائكا جدا، يتعلق برمزيات الثورة السورية، إن من قام بهذا العمل يعتبر نفسه حرا في التعبير عن رأيه هذا، وإن كان هذا الرأي يمثل عنفا رمزيا في وجه من وجوهه، يحيل إلى عنف مادي صريح تجاه حرية التفكير التي طالما احياها الشاعر في كتاباته. اوضحت الثورة السورية بما لايقبل الجدل أن الكتلة المناهضة للثورة، ليس لديها أي رمز تدافع عنه سوى العصابة الأسدية، بينما لأي مراقب لمسار الثورة يستطيع أن يرى أن الحرية هي الرمز الوحيد الاعلى شأنا بعد الله الذي تجمع عليه الاكثرية السورية، التي قامت في الثورة، فإذا كان لله تفسيرات مختلفة لقوى الثورة، بما فيها القوى الاسلامية المتعددة ذاتها، فالله متعدد بتعدد هؤلاء..وكل منهم يفهمه على طريقته، فإن الحرية ربما تكون اقل اختلافا على تفسيرها من قبل المجموعات الثورية باعتبارها مجموعات سياسية في المؤدى الأخير واسست لاعتبارات سياسية وبالتالي دنيوية مهما كانت ايديولوجياتها، إن حادثة تحطيم تمثال المعري، عبر قطع راسه تعتبر اول عنفا رمزيا وربما ماديا يحدث بين قوى الثورة. لأن هذه الحادثة تطال رمزية الحرية من قبل طرف يعتبر انه حر!! ويريد ان يمنع الحرية عن غيره. إن المجموعات المتشددة داخل الثورة وعلى رأسها جبهة النصرة، تحاول فكفكة رموز الثورة بطريقة تجعل الحرية تقترب من مفهوم الفوضى، لهذا نجد أنها مزقت علم الثورة السورية، ورفعت عوضا عنه الراية السوداء، تعبيرا عن منبت ايديولوجي تريده جماعات الدعم..هذه الحوادث المتفرقة تشير إلى أن المطلوب من قوى الثورة، ان تحترم فقط الرمز الجامع بينها وهو الحرية، ودون ان تتنازل عن معتقداتها مهما كانت شريطة عدم ممارسة العنف ضد مخالفيها..وليسأل جماعة جبهة النصرة وغيرهم من المجموعات المتشددة على قلتها لماذا لم تمزق قوى الثورة الأخرى وهي الاقوى والاكثر حضورا وشعبية رايتها السوداء؟ إن محاولة التقاسم الوظيفي مصلحيا لرمزيات الثورة، ولاهداف سياسية ليس في مصلحة احد، ويطيل عمر جراح شعبنا، الذي يتوق لانتصار الثورة والاستقرار في بلد الحريات العامة والفردية فيه هي الاساس في استقراره هذا..إن من حق على من تشاركه الدماء من أجل الحرية لسورية أن تحترم معتقده ايا يكن شريطة ألا يمارس العنف ضد معتقدك.

من جهة أخرى لابد من رؤية أن الثورة السورية لم يعد لديها رمزيات مقدسة لا تمس على الصعيد الدنيوي..فحتى الرموز المجمع عليها عنوانا لها تفسيرات مختلفة ممارسة. الحرية تعني نظاما ديمقراطيا تتنافس فيه سلميا كافة الايديولوجيات والمصالح والبرامج السياسية..هي المطلوب وهي الحكم..

* أبو العلاء المعري هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري (363 هـ - 449 هـ)، (973 -1057م)، شاعر وفيلسوف وأديب عربي من العصر العباسي، ولد وتوفي في معرة النعمان في الشمال السوري وإليها يُنسب. لُقب بـرهين المحبسين بعد أن اعتزل الناس لبعض الوقت. اشتهر بآرائه وفلسفته المثيرة للجدل في وقته، رفض مبدأ أن الإسلام أو أي دين آخر يمتلك الحقائق التي يزعمها...الموسوعة