قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


حادثة الحويجة، هي الحادثة التي مثلت اقتحام قوات الأمن العراقية ساحة اعتصام ببلدة الحويجة في كركوك شمالي العراق، وسقط نتيجة الاقتحام عدد من الضحايا من الطرفين. ويدعي الجيش وجود مسلحين ومطلوبين للعدالة في صفوف المعتصمين، بينما ينكر الطرف الآخر ذلك. وقد بينت بعض ما نشر من مقاطع فيديو أن المفاوضات الأولية بين الطرفين وأجواء الشحن والتوتر الموجود مسبقا كانت تشي باستعداد مسبق للاستدراج وحدوث الواقعة.

بغض النظر عن تفاصيل الحادثة والاتهامات المتبادلة، فإننا نقول أنه كان على القوات الأمنية التحلي بضبط أكبر للنفس، كونها قوات محترفة ومسؤوليتها أكبر خاصة وأن المبررات الأولية التي تتعلق بوجود مسلحين ضمن المعتصمين لا يبرر اقتحام المكان وفقا لهذا الموقف المتوتر. وكان يمكن الاستمرار بمحاصرة المكان ومراقبة تحركات الداخلين والخارجين منه وإليه، ومحاولة التفاهم مع أشخاص ذوي نفوذ وحظوة داخل المخيم وخارجه من أجل التواصل معهم وتحميلهم المسؤولية بقدر ما عن كل ما من شأنه أن يخل بالأمن.

معلوم في علم الاجتماع وعلم النفس أن سلوك الحشد هو quot;أبعد ما يكون عن التفكير العقلاني المنطقي، كما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي الذي يجعل شخصا ما يغطس في النوم، فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها، وفى مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط في الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية التي ما كان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة. فالقائد أو الزعيم إذ يستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة بدلا من الأفكار المنطقية والواقعية يستملك روح الجماهيرquot;، وذلك حسب توصيف عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون.

يعتبر وسط الحشد هشاً وسهل الاختراق من قبل الخارجيين وميدانا خصبا لانتشار الشائعات وخاصة تلك التي تلامس مشاعر الحشد ومخاوفهم سلبا أو إيجابا. كما أن من خصائص سلوك الحشد أن الفرد يشعر بالقوة ضمن إطار جماعته، ولا يأبه بردود الأفعال الخارجية، ويميل للاستعراض عادة أمامهم، ويشعر بنشوة البطولة والتميز كلما بالغ وتمادى أكثر في السعي بمطالب الجمهور أو ما يعتقد انه يتناغم معها، حتى انه مستعد للتضحية بحياته وفقا لخيال البطل الذي يتلبسه.

ولا يكاد يختلف سلوك الحشد في أي مجتمع أو حضارة عن أخرى، ولا معايير ولا ضوابط إلى حد بعيد في كل جهات الأرض. وكلما كانت أهداف الجمهور موحدة تحت لافتة (العقيدة) أو العرق، فإن مشاعر الكراهية تكون أكثر، وأساليب الأفعال وردود الأفعال أو التأويلات على هذا الأساس تتصاعد ويتم التطرف بها.

من هذا المنطلق كان على قوات الأمن العراقية ممارسة ضبط النفس وفهم أن وجود (إرهابي) واحد يمكن أن يحول الحشد كله إلى إرهابيين كرد فعل على أي استفزاز، خاصة وأن الحشد كان يعبر عن أساليب تظاهرات واعتصامات في مكان محدود.

مرة أخرى على الأجهزة الأمنية أن تكون بمستوى عال من الوعي والمسؤولية فضلا عن الوطنية العالية التي تحتم التحلي بالصبر وبعد النظر، وأن هناك أساليب وتوقيتات أخرى يمكن أن يتم بواسطتها القبض على المطلوبين للعدالة في مثل هذه الحالات حتى لا تبلغ الأمور مآلات اكبر.

كما إن على أصوات العقل من مسؤولين وإعلاميين ومثقفين أن يسعوا إلى تهدئة الأمور وترشيد ردود الأفعال، وأن يفكروا بمصلحة الوطن، وأن يتم الابتعاد عن الاستقطاب الطائفي الذي كلما زادت حدته كانت نتائجه وخيمة على الجميع.

* باحث في علم الاجتماع: [email protected]