نعم، لم تعد كوبا تمثل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة كأيام وضعت الصواريخ النووية السوفيتية على أراضيها وهي موجهة للأراضي الأميركية. وصحيح أن خطرها على الأمن العالمي ليس بمستوى الأخطار الروسية والكورية الشمالية والايرانية. مع ذلك، فإن كوبا هي راعية الإرهاب في أميركا اللاتينية، وحلفاؤها يمتدون في القارات. وكان المتوفى شافيز، عدو واشنطن، يتباهى بكونه تلميذ فيدل كاسترو. وعلاقات كوبا مع ايران وسوريا وكوريا الشمالية والصين وروسيا وأقصى اليسار الفوضوي الغربي لا تحتاج الى إعادة تذكير.. وها هو أوباما ينتشل هذا النظام من أزماته الداخلية، ولاسيما الاقتصادية، دون أن يقوم بأية خطوات وإصلاحات نحو الديمقراطية...
الرئيس الأميركي مصاب بعقدة كونه موهوبا بالقدرة على معجزات دبلوماسية وسياسية وفكرية تحول الطاغية معتدلا، وأن بمقدورها ترويض الأنظمة الشمولية لتتحول الى أنظمة مسالمة وملتزمة بالمعايير والقيم الديمقراطية. وبالقوانين الدولية. هذه العقيدة الاوبامية تفسر مواقفه من إيران، التي هي اليوم أكثر خطرا من كوبا. وهي تفسر ترك بوتين مع حرية قضم الأراضي الأوكرانية ورفض تسليح أوكرانيا بالسلاح المتقدم، مكتفيا بعقوبات لا تردع القيصر الروسي. وهي وراء مد اليد لطالبان، التي تنفذ في باكستان وأفغانستان مجازر يومية تطال الأطفال. وهي التي دفعته للإسراع بترك العراق لإيران رغم أن القادة العسكريين الاميركيين الميدانيين أوصوا بغير ذلك.
النظام الكوبي لا يزال يمثل خطرا على الشعب الكوبي، كما يمثله النظام الإيراني على شعبه. إنه يدوس على الحريات وحقوق الإنسان. ولعل الجميع يتذكرون خطب اوباما خلال الحملة الانتخابية الأولى وبعيدها، وإداناته المتواصلة للسياسات والممارسات الأميركية قبله ووصفها بالخروج على القيم والأخلاق الأميركية وبانتهاك حقوق الانسان. لكنه سرعان ما نسي كل ما قال عندما اندلعت الانتفاضة الايرانية عام 2009. وهو اليوم يتعمد تناسيها في التعامل مع النظام الايراني الذي ينفذ يوميا عمليات إعدام ويصب الحامض المحرق على وجوه الفتيات. كما أنه اليوم يتجاهل ما يعانيه الشعب الكوبي تحت وطأة النظام الشمولي من حرمان من الحريات الأساسية والحقوق الإنسانية - وهذا بينما جافا وعاقب دولة هامة كانت حليفا، هي مصر، لثورتها على حكم الإخوان.
الرئيس الأميركي مهووس بأن يترك وراءه ما يعتبره "إنجازا تاريخيا". ولكنه يضل السبيل. ولو استمر، هكذا، فإن ما سوف يتركه هي كوارث إنسانية ومأسي بشرية وتدهور متلاحق للأمن الدولي، ومنه الامن الاميركي بالذات،.سيقترن عهده ببراميل الاسد والملايين السورية القتيلة والمشردة وبأوكرانيا المستباحة وبالقدرات النووية الإيرانية وبمأساة الشعب الإيراني.. وهكذا ، وهكذا. فيا لها من إنجازات ما فوق التاريخية!