جلست بالقرب منه.. محدقة في عينيه الوقبتين ثم قالت:
دعك من هذا العالم الملوث بروائح الجثث المعلقة على طرقات المارة وكأنها لوحات إعلان لرؤوس خرفان في محلات الشواء.. وامنحني دفقا من شعورك يحيي أملي في حبك لي.
قال: كيف لي أن أنعتق من عالم تشكل فيني بحكم عوامل التعرية.. ليس كعالم يثير الحياة في أعماقي وإنما كعالم يخلق نزعة الشعور بالموت كلما أراد النبض أن يستيقظ من غفوته.
لم يعد في القلب متسع من الحب كي يسكن فيه الخفق.. وقد تصدعت جدرانه بفعل قهر الحزن واستطراد الألم وسط الصدر المفعم بالشوق الجارف للمستحيل.
قالت: فليكن عقلك هو قلبك في ظل غياب نبضك المذبوح بسكين حزنك.. دعني أسترخي على شطآن عقلك.. أنهل من أمواج فكره ما يطفيء لهيب عشقي لك.. ويعوضني جفاء وجدانك الذي أعطبته الخطوب.
قال: عقلي ليس بحرا لليخوت الفارهة.. إنه مرفأ لمرتادي شواطيء التأمل ومغازلة الأشعة.. يهبط فيه كل عشاق الجمال أيا تكون وجهة قدومهم.. أولئك الذين اذا غادروا , ظلت رائحة المكان خلفهم تعج بالعطور الزكية.. فاهبطي كيفما تريدين ككل العشاق للأشعة ثم انثري عطرك (الفكر) يثير في المكان شهوة الشوق إليك.
قالت: وماذا عن شهوة الشوق إلى ضحكتي وجمالي ومداعبة شعري؟
قال: لم يعد لي قلب يعشق.
قلبي& أسير حزن يزلزل سلام الأضلع المنحنية بكل كبرياءها وحنوها لتحميه من خطر الإنكسار والتمزق.. وسيول النزف.
لكن عقلي لا يغفو ولا يستكين ولا يستسلم.
شوقه:& يسافر على أجنحة النور..
وشهوته: أن يعانق نورا في عقل آخر..
ولولا أن مدني الله بعشق النور لمات عقلي في دهاليز الظلمة التي تحيطني من كل الجوانب.
قالت: خذ قلبي كي أكون ساكنة بين أحضان ضلوعك المكلومة.. ثم دعني أداوي جروحك النازفة.
قال: ليس هناك قلب في هذه الدنيا يستطيع أن يحضن جرحي ويداويه.. وبرغم الألم الفائض عن حد التألم.. فأنا لا أريد لأحد غيري أن يحتضن ألمي.
أصبحت والوجع برغم المرارة الشديدة عاشقين لا يستطيع أحدنا أن يفارق الآخر.
نستيقظ على عناق دامع وننام على أنين نازف.
كلانا: أنا والوجع.. عينان في رأسي المزدحم بطوابير الأفكار.. ولسان في حنجرتي المبحوح صوتها.
نتقاسم النظر والكلام.. فتغدو الصور باهتة والاغاني حزينة.
ألا تلمحين شيئا في الملامح وبحة الصوت؟!
قالت: بلى.. لكنني لا أريد أن أسكن بعيدا عن نبضك.. معك أشعر بالحياة على أنغام أنينك... حتى وجعك يبلسم جراحنا فنطرب وأنت تبكي.
قال مودعا: فليكن وجعي بلسما..وليكن نبضي الحزين.. عزفا.
وليكن عقلي: هو المكان الذي ترتوي منه أفئدتكم نور الحياة الصافي.
المهم: أن أحترق كالشمعة لأضيء لكم دروبكم الغارقة في الغسق.. فأكون شهيد& المعرفة!
[email protected]
&