قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


نضع في في القلب من هذه المقاربة النموذج المصري، الذي هو مع تونس أكثر النماذج التي أصابها "الربيع العربي" استقراراً، رغم هذا فهو ينتمي إلى سائر النماذج الأخرى، من حيث ما يبدو جلياً، من أن شعوب ما يسمى بالعالم العربي، فيما عدا الحالة التونسية، التي استطاعت بعد ترنح الوقوف على قدميها، تعاني مشكلة مزدوجة. إذ تعاني مشكلة حكام ومشكلة معارضة. هذا ما يفضحه الواقع الآن، سواء حيث تم تغيير نظم الحكم القائمة تماماً، كما في تونس ومصر وليبيا، أو تم تغييرها جزئياً بخلع الرئيس وبقاء ذات النظام كما في اليمن، أو جاري الثورة عليها، كما يحدث في العراق وسوريا.
بوجه عام لم تقم ثورة خلال هذا "الربيع العربي"، على نظام حكم وحاكم يتمتع بكفاءة وصلاحية جديرة بالاعتبار، سواء على المستوى ووفقاً للمعايير الوطنية المحلية، أو تلك العالمية. فجميعهم وباختلاف الدرجات كانوا دون المستوى المطلوب. وبعضهم كالقذافي وبشار الأسد، يعدون من بين أسوأ قادة في العالم، مع حاكمي كوريا الشمالية وفنزويلا وحكام إيران والسودان والصومال وما شابه، ويحكمون وفق نظم حكم هي الأسوأ بجدارة. رغم هذا فإن البديل الذي وصل إلى الحكم، أو مازال يسعى إليه في سائر بقع المنطقة الثائرة، نشهد الآن أنه الأسوأ بكل المقاييس. بل وليس هذا فقط، بل ونرى في بلد هي الأكبر والأرقى حضارياً بين سائر دول المنطقة وهي مصر، أن المعارضة الثانوية، أي (افتراضياً) معارضة المعارضة التي وصلت للحكم، نجدها هي الأخرى أشد سوءً من الحكام، سواء من حيث شخوصها ورموزها، أو من حيث رؤاها السياسية والثقافية. المنحنى إذن بعد هذا الحراك المفاجئ والرائع، يتجه إلى أسفل. إلى المزيد من العشوائية والظلامية والتخلف.
في الحالة المصرية نستطيع القول أن نظام مبارك غير المرضي أو المقبول وفق العديد من المقاييس، وليس وفق جميعها، قد ثار عليه فريقان، تحالفا إبان الثورة، واختلفا على اقتسام الغنائم، التي انفرد بها أحدهما. أولهما تيار الإسلام السياسي، والثاني تيار اليسارجية العروبجية الناصرجي. هنا لن نقول كما قد تجرنا الأساليب اللغوية، أن أياً من التيارين لا يقل سوءً وتخلفاً عن الآخر، لكننا نستطيع باطمئنان القول باشتراكما في محور واحد، هو محاولة العودة بمصر إلى الخلف. أولهما يستهدف العودة بها أربعة عشر قرناً مضت، والآخر يسعى للعودة بها إلى زمن ستينات القرن الماضي، والاشتراكية الفاشلة، والحرب الباردة، وحروب العروبة الدون كيشوتية المدمرة. فاليسار المصري أغلبه يسار زائف، إذ رضع حليب العروبة، المُمَهِد للتأسلم السياسي على يد عبد الناصر، ذاك الذي كان فكره خليطاً من الفكر اليساري المشوه، وفكر جماعته التي التحق بها قبل مغامرة انقلابه. فالماركسية مثلاً أممية الرؤية، لا تستهدف اليهود بالعداء اللدود، كما يفعل اليسار المصري، مستتراً بما يسمى القضية الفلسطينية. لهذا لا عجب من انقلاب كثير من الماركسيين المصريين إلى متأسلمين شديدي التعصب والانغلاق، وأن نجد فلول اليسارجية الناصرجية العروبجية يدخلون عباءة الإخوان بعد 25 يناير وحتى الآن. هم يلبسون قبعة اليسار على جمجمة مصرية معجونة بالرؤية الدينية للحياة، فالأمر في الحقيقة ليس تحالفاً بين نقيضين، وإنما المتأسلمون واليسارجية، فرعان قد نبتا من شجرة واحدة، هي شجرة الكراهية والعداء لكل ما هو إنساني وحضاري.
ورغم قيام المصريين بثورتين، أحدهما في 25 يناير 2011، والأخرى في 30 يونيو 2013. والأخيرة يمكن أن نعدها وفق التعبير الساداتي "ثورة تصحيحية". إلا أن الملاحظ أن هذه "الثورة التصحيحة"، لم يظهر منها حتى الآن، إلا أنها تسعى إلى العودة بنا إلى حالة سياسية واقتصادية، هي مزيج بين الحالة "المباركية" والحالة "الناصرية". ليس هذا فقط المدهش والمحبط، ولكن الأكثر وبالاً، هو أننا نكاد لا نجد الآن في صفوف المعارضة للمرحلة "السيساوية" الحالية، غير ذئاب الإرهاب الذين طردهم الشعب شر طردة، وفلول اليسارجية والعروبجية، الذين ينبحون الآن، ليس لأن رؤاهم مستبعدة تماماً من توجهات العصر الراهن، لكن لأنهم أولاً كأشخاص يرومون الوصول إلى كراسي الحكم، ولأنهم أيضاً يريدونها كاملة بذات سواد وتخلف أيام "الستينات السعيدة" كما يلقبونها.
هكذا تبدو شعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب المصري، تواجه أزمة أو ورطة عميقة ومحورية. فالصراع حول كرسي الحكم يمكن حله بطريقة أو بأخرى، وقد أثبت "الربيع العربي" في أكثر من بلد إمكانية التغيير، رغم بوليسية النظم الحاكمة. المشكلة الخطيرة الواضحة الآن هي مشكلة البديل. مشكلة المعارضة، ومعارضة المعارضة، إن صح القول. المشكلة أن البديل الحداثي الكفيل بنقل هذه الشعوب إلى مستوى العصر، يكاد يكون لا وجود له، اللهم إلا من خلال بضعة تعد على أصابع اليد الواحدة من المفكرين المخلصين المستنيرين بحق، والمجردين تماماً من أي مساندة جماهيرية، ومن أي أمل في أن يسمع لهم صوت، في بيداء التخلف والغوغائية المصرية والعربية.
هي إذن مشكلة إفلاس وتردي حالة الشعوب التي تسكن هذه المنطقة الأقدم في العالم. شعوب تدعي في منابرها أنها أصل الحضارة الإنسانية، وسواء كان هذا الادعاء صحيحاً بهذه الدرجة أو تلك، فالواضح الجلي الآن أنها شعوب فاشلة ساقطة من عربة التاريخ والحضارة.
[email protected]
&