بعد أن أصبحت أماً صرت أكثر انتباها لما أتفوه به فهناك آذان صغيرة تصغي وتلتقط وتسجل كل ما أقوله طوال الوقت. اسفنجات ناعمة تمتص كلامي وسلوكي لتجعلني أرى نفسي بشكل أفضل. وطبعا في اللحظة التي لا أطبق فيها مواعظي أجد عدة أصابع صغيرة تتوجه لي وتتهمني بأنني لا أنفذ ما أقوله. من الأشياء التي أحاول أن أعلمها لأولادي هي أن يعنوا ما يقولونه. مثلا عندما أناديهم من لعبهم ليأتوا لأن الطعام جاهز، أريدهم أن يصلوا بسرعة عندما يردون بأنهم "قادمون" وليس بعد خمس دقائق أو عشرة أو عندما يملون من لعبتهم ويبرد الطعام. ولذا صرت أراقب كم من "كلامي" أطبق فعليا إن كنت أريدهم أن يأخذوا كلامي على محمل الجد ويسمعوني فعلا. كل هذا جعلني بشكل عام أنتبه لكثير من الأشياء التي نقولها ونكررها في عالم الكبار وكأننا تحولنا لمسجلة أو لأنها ما تعارفنا على أن نقوله في موقف معين وليس لأنها بالفعل تعبر عما نشعر به أو الحالة التي نعيشها في تلك اللحظة. وإذا استمعنا بدقة لما يتبادله الناس عموما فسنجد الكثير من الكليشات أو الجمل "المسبقة الصنع."
وهنا سأشارككم بثلاث من هذه الحالات أو الأندية، كما أحب أن أسميها، التي أود أن أقدم استقالتي منها.
النادي الأول الذي استقلت منه اسمه نادي "يجب أن أخسر بعض الوزن." في الكثير من المحادثات يتطرق الحديث إلى مشكلة زيادة الوزن التي أصبحت من مشكلات العصر المعروفة. وإذا ألقى المرء نظرة سريعة على رف المجلات في السوق فلا بد وأن يكون هناك أكثر من عنوان عن "كيف تخفف وزنك في ثلاثة أيام!" و"كيف تستطيع أن تصبح جيمس بوند في عشرة حركات سريعة!" أو عنوان أدهى مثل "وصفة سحرية تدعك تأكل ما تشاء وتخسر وزنا كثيرا!" أجد أن الموضوع أبسط من ذلك. إذا كان عندك زيادة في الوزن فهذا يعني أنك تتناول من الطعام ما يفيض عن حاجتك، والحل... لا تأكل أكثر من حاجتك.
في الواقع، من المعيب أن نتناول أكثر من حاجتنا من الطعام في الوقت الذي نعرف فيه عن أزمة الفقر والجوع الموجودة في العالم. وربما من العيب أكثر هذه الأيام أن نكون عربا ونتحدث عن خسارة الوزن ونحن نرى بأم أعيننا الأهوال التي تحصل في المنطقة. من الهاربين من الحروب في الخيام إلى المُحاصرين والمجّوعين في سوريا من سنوات من قبل الأنظمة التي تحكمهم والتي من المفروض أن تحميهم بدل أن تقتلهم. كلنا رأى صور وفيديوهات الأطفال الذين يقضون نهارهم في العمل أو في التسول بدل أن يكونوا على مقاعد الدراسة وذلك من أجل شراء لقيمات لعائلاتهم. وأكثر ما يثير امتعاضي هو رؤية من يتحدث باسم المساكين والجائعين من رجال دين أو سياسيين أو مثقفين وكتاب. كيف يضعون أنفسهم في مكان يمثلون فيه آخرين ويقولون لهم ما يجب عليهم فعله وهم لا يستطيعون أن يتحكموا بشيء بسيط مثل كمية الطعام التي تكفيهم. كثيرا ما اسمع أناسا يتحدثون في قضايا كبيرة ولكن تكون بطونهم الكبيرة حاجزا بيني وبين أن أخذ حديثهم محمل الجد.
هذا عدا عن الوقت التي يُستهلك في محاولة صنع أطايب الطعام من حفر وحشي ولف. وقت وجهد يمكن أن يستبدل بأشياء أبسط ويبقى وقت للأشياء الأجمل في الحياة مثل القراءة والكتابة واللعب مع الأطفال وزيارة الأحبة. ومشكلة ضياغ الوقت فيما يضر يوصلنا إلى النادي الثاني.
النادي الثاني الذي قدمت استقالتي منه هو نادي "أنا مشغولة."
يبدو لي هذه الأيام أن هناك سباقا لمن يستطيع أن يقول إنه مشغول أكثر من غيره. تتصل بأحد لتسأل عن أحواله وقبل أن تقول "كيف الحال؟" يأتي رشاش من شروحات كم الجميع مشغول بالعمل، بالواجبات الاجتماعية، بدراسة الأولاد وبالتالي كم الأولاد مشغولون أيضا، وحتى الاجازة أصبحت شيئا يشغل. والأحلى عندما تتصل بي صديقة وتتغدى بي قبل أن أتعشى بها كما يقول المثل فتستفتح الحديث بـ "مرحبا، أعرف أنك مشغولة. وأنا أيضا مشغولة جدا" وهكذا تكون قد فازت بسباق الانشغال قبل أن أفتح فمي.
أصبح الانشغال معيارا للإحساس بالأهمية لذلك كلما تظاهرت بأنك مشغول أكثر كلما كنت ذا قيمة أكثر. أنا لا أقول إن الناس ليس عندها أشغال وحياة وأولاد ولكن استقالتي هي من المفاخرة بالانشغال وتضخيمه واستعماله في كل مكان سواء كان ملائما أم لا. قرأت قصة ظريفة عن أن أحد المطاعم بدأ يفقد سمعته في الخدمة السريعة التي اشتهر بها فاستأجر صاحب المطعم شركة لتدرس المشكلة وتعطيه نصائح لتحسين الخدمة. النتيجة كانت أن المشكلة ليست في المطعم ولكن في الزبائن. تبين أنه قبل عشر سنوات كان الزبائن يدخلون المطعم ويجلسون في أماكنهم ويتصفحون قائمة الطعام ويطلبون صحونهم. ويصل الصحن بعد قليل ويتناوله الزبون وما أن يفرغ منه حتى يحاسب وينصرف. لكن بعد مراقبة لما يحدث حاليا في المطعم اكتشفوا أنه عندما يدخل مجموعة من الزبائن إلى المطعم فإنهم يجلسون إلى طاولة ثم يحاولون أخذ بعض الصور بهواتفهم ثم يطلبون تغيير مكانهم لأن الصور أجمل في الطاولة التي بجانب الشباك. ثم يصل النادل لأخذ طلباتهم ولكنهم غير جاهزين لطلب صحنهم لأنهم كانوا يرسلون الرسائل على هواتفهم ويضعون الصورة التي أخذوها للتو على الفيسبوك. وعندما يريد النادل أن يتركهم ويخدم طاولة أخرى ريثما يقررون طلباتهم يستوقفونه ليطلبوا منه أخذ صورة جماعية لهم بما أن الصورة السابقة قد بدأت تحصد الإعجابات. وعندما يأخذ النادل طلباتهم أخيرا، تصلهم صحونهم بدون تأخير. ولكن فترة تناولهم لطعامهم تطول بدل العشرين دقيقة كما كان المعدل سابقا إلى أربعين دقيقة لأن أخذ الصور وتحميلها وقراءة التعليقات عليها يأخذ عشرين دقيقة إضافية. وهكذا حياتنا العصرية نعتقد أنها أصبحت ممتلئة إلى الحافة ولكن إذا دققنا النظر نجد أن الكثير منها ليس انشغالا حقيقيا.
أما النادي الثالث الذي قدمت استقالتي منه مؤخرا فيخص النساء بشكل أكبر ولكن لا يُستثنى منه الرجال. أسميه نادي "أعذروني بيتي مكركب."
هنا أتحدث عن الناس العاديين أمثالي وليس أصحاب الخدم والحشم الذين يقومون بأعمال تنظيف وترتيب البيت. فإذا كنت من هؤلاء فهذا القسم غالبا ليس لك.
مع أطفالي الأربعة الذين هم في حالة دائمة من الحركة واللعب يبقى بيتي مرتباً بعد حفلة تنظيف وترتيب ربما، إذا حالفنا الحظ، مدة ربع ساعة. لذلك كنت من الذين يعتذرون دائما عن الكركبة إذا ما دخل أحد إلى بيتنا. ولكن قررت أن ألغي هذه الجملة من قاموسي لعدة أسباب. أحدها، أنني لا أجد هذا المصطلح لطيفا عندما اسمعه من الناس واسمعه كثيرا صدقوني حتى مع زيارات بمواعيد. فعندما تقول لي إحداهن: "اعذريني بيتي غير مرتب،" أشعر بأنه غير مرحب بي لأنني سببت الحرج لأهل البيت بسبب زيارتي لهم وهم ليسوا في أفضل حالاتهم. وسبب آخر أن الذي يستقبلني يفترض أنني سأقّيمهم وأحكم عليهم على أساس مدى رتابة البيت وليس على أساس محبتي لهم وشوقي لرؤيتهم وقضاء بعض الوقت معهم.
ولذلك لم أعد أرى حرجا أن أستقبل أي شخص بكل فرح وخلفي على الأرض سطر من ألعاب الديناصورات في مواجهة سطر آخر من ألعاب حيوانات الغابة في معركة تركها الأولاد في منتصفها ليقفزوا فرحا لوصول الضيوف. وأقول للضيوف عندما يدخلون إلى الصالون بأن يزيحوا الدبدوب وأصدقائه من أرانب وغيرها من الألعاب المحشوة من على الأريكة ليجلسوا مكانهم. وسيلاحظ الضيوف بعض الأعمال الفنية هنا وهناك على بعض الجدران والتي هي برأيي ضريبة صغيرة مقابل أطفال يحبون الرسم والفن. لن أعتذر عن حياتي الجميلة مع أطفالي المليئة بالفن والإبداع والشخصيات الخلابة والسحرية. أتخيل أنه سيأتي يوم لن أكون موجودة في هذا العالم وإذا أراد أولادي إلقاء كلمة في تأبيني فماذا أريدهم أن يقولوا؟
أعتقد أن الخيار لنا فيما نبقيه من ذكريات عن أنفسنا. عندي الخيار أن يقول أولادي "كانت أمنا تبقي البيت مرتبا ونظيفا" ثم يصمتوا! وعندي الخيار أن يقولوا إننا صنعنا الكثير من الذكريات الجميلة معا وأننا لعبنا كثيرا وضحكنا كثيرا وأننا استقبلنا الكثير من الضيوف وأننا اكتشفنا الكثير من الكتب والأفلام الجميلة معاً وغيرها من المغامرات التي لن يكون عندي الوقت لأصنعها إن كان يجب أن تكون كل لعبة في مكانها وكل رف عالي لا يوجد عليه ذرة غبار.
والنصيحة التي أعطيها لنفسي قبل أن أعطيها لغيري هي أي أعيش كل لحظة بشكل واع. أن أكون حاضرة في حديثي، واعية لما أقوله بدل أن يكون ترديدا لجمل مسبقة الصنع وعباراة مكررة بلا حيوية. اللغة هي العالم الذي نخلقه ونعيش بداخله. هي الحديقة التي نزرعها كل يوم. وكلما استيقظنا لما نرسمه ونخلقه بكلماتنا كان تفاعلنا مع الحياة في حالة شوق ودهشة وأحيانا كثيرة انبهار لأشياء ما كنا سنراها في حالة الغفلة.