قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الملايين شاهدوا أو قرأوا أو سمعوا ما قالته النائب في البرلمان العراقي ماجدة التميمي ولا أبالغ ان قلت انني انبهرت بهذا الموقف الشجاع، وأكاد أجزم اننا لا نسمع بمثل هذه المواقف في أغلب دول المنطقة، فحتى لو كانت هناك محاولات للقضاء على الفساد فلا يتم الكشف عنها الا بعد وجود معادلات معينة.

لا يعنيني الانتماء السياسي والديني للدكتورة ماجدة التميمي، بل حتى لا أعبئ بالدوافع الحقيقية وراء كشفها للحقائق، رغم أنها أكدت مرارا ليس لديها أية دوافع من تصريحاتها بل لا تدري من هو الوزير الذي طلب 25 مليون دينار اسبوعيا لضيافته ليقال انها ارادت تصفية الحسابات معه، ولكن الذي يهمني هو وجود هذا النمط من التوجه في العراق، والذي من المؤكد انه ينعكس بشكل ايجابي على حاضره ومستقبله.

من المصائب الكبرى التي يعاني منها العراق في الوقت الراهن هو الفساد في السلطة، وما كان الفساد ليستشري في كافة مفاصل الحكومة لو لم يكن هناك فاسدون فيها، والطامة الكبرى هي أن الفضيحة التي كشفت عنها الدكتورة التميمي تجري في اطار قانوني (فعينك عينك) يطالب نائبا رئيس الجمهورية بتزويدهما 23 مليار دينار لتأثيث مكتبيهما، ومن المؤكد ان هناك آلاف الأرقام المهولة مثل رقمي التأثيث والضيافة وكلها تدرج وفق لوائح قانونية، فاذا كانت هذه المبالغ تنفق وفق القانون (أي أن من ينفقها لا يرى انه يرتكب خطأ) فما بالك بالمبالغ التي تنفق خارج القانون ومن خلال صفقات وهمية واجراءات صورية.

لاشك ان كل العراقيين الشرفاء والمخلصين لوطنهم يرتعدون من هذه الارقام، ولكن الذي يزرع الأمل في نفوسهم هو وجود أناس تحملوا مسؤولية تطهير الوطن من كل الجراثيم وازاحة كل العراقيل التي تعترض طريق تقدمه وازدهاره.

ولكن بغض النظر عن شجاعة التميمي ووجود المخلصين في هذا الوطن هناك حقيقة لابد من تسليط الضوء عليها، وهي ان الفساد سيبقى ينخر في جسد العراقيين ويمتص دمائهم لو لم تكن هناك معالجات جذرية له، وستبقى خطوة التميمي محاولة لتسكين الألم وحتى انها لا تعدو عن مسعى لمنع تفشي المرض وانتشاره، خاصة انها جاءت نتيجة انخفاض سعر النفط، مما يعني أنه ليس من المستبعد ان تعود الارقام المرعبة الى موازنة العام القادم مع ارتفاع سعر النفط.

لا يمكن اجتثاث هذا المرض الخطير من دون القضاء على أسبابه، وهناك أسباب عديدة لوجوده ومن بين هذه الأسباب، هي المحاصصة السيئة الصيت، وربما لا تبدو هناك علاقة بين المحاصصة والفساد ولكن لو امعنا النظر فسنرى ان العلاقة وثيقة بين الفساد والمحاصصة، وتعود بالدرجة الأولى الى أن رئيس الحكومة لن يحصل على ثقة البرلمان ان لم يضم وزراء من الكتل الكبيرة والمؤثرة في البرلمان، واذا كان غير قادر على تشكيل الحكومة من دون ضوء أخضر من سائر القوى فبالأولى له انه لا يستطيع محاسبتهم ولا معاقبتهم اذا كانوا فاسدين.

فساد حلفاء رئيس الحكومة سيؤدي الى فساد الفرقاء الذين فازوا بالحكومة ايضا، لأن عجز رئيس الحكومة وكتلته عن وضع حد للفساد سيجرهم ايضا اليه، حينئذ سينشأ اتفاق ضمني وغير مكتوب، ذلك لأن الفرقاء سيتغاضون عن فساد أعضاء حزب رئيس الحكومة ماداموا يتغاضون عنهم.

لقد تم وضع نظام المحاصصة من أجل اشراك الجميع في بناء الوطن، ولكنه تحول الى وبال على العراق والعراقيين، ومجرد أن يفكر رئيس الحكومة بتهميش أحد الفرقاء نتيجة عدم كفاءة مرشحه أو فساده فان الوضع السياسي سينفجر في الوهلة الأولى ثم يتبعه انفجار الوضع الأمني، هذا اذا تم تهميش احد الفرقاء فما بالك بما سيحصل اذا أقصي وأبعد عن الحكومة؟

لا يبدو ان هناك حلا يلوح بالأفق لهذه المشكلة الكبيرة الا بتغيير قانون الانتخابات، وهو ان يكون انتخاب رئيس السلطة التنفيذية بشكل مباشر، ويحكم هو وحزبه البلد ويتحول الآخرون الى معارضين يقفون له بالمرصاد ويحاسبونه على كل شاردة وواردة، وهذا يستوجب ان يكون القضاء مستقلا بشكل كامل، كما أن الحكومة تكفل الحرية المطلقة للاعلام.

أركان الديمقراطية التي من شأنها بناء بلد قوي ومتقدم ومزدهر متوفرة في العراق والدستور العراقي كفلها غير انها ليست مفعلة بشكلها الصحيح. فلا يمكن القول ان القضاء العراقي مستقل بالكامل، كما ان تداول السلطة يتم الالتفاف عليه بطريقة أو بأخرى، أما التعددية الحزبية فتستخدم لعقد الصفقات السياسية وشأنها شأن وسائل الاعلام لا تستخدم لمراقبة السلطة وتقييم ادائها وانما لابتزازها وحسب، أما أعضاء البرلمان فأنهم أسرى رؤساء كتلهم لا يتحركون الا وفق نتائج الاجتماعات التي يعقدها رؤساء الكتل خلف الكواليس.