حتى ولو كان الفاصل قصير دعونا نخرج من هذا النفق المظلم اللعين،هذا الذى يستطيل كل يوم ولا يبدو فى الافق أن نهاية له، وربما لايكون له بداية فهو متاهة أغلقت على هذه الشعوب منذ قرون ولم ولن يستطبع أحد أن يخرج منها الى نور الدنيا.
فلندع هؤلاء السائرون فى دائرة طقوسهم السرمدية مقدمين كل يوم آلاف الذبائح البشرية لارضاء اله الحرب الذى يعبدوه وينالون رضاه بنوافير الدماء المنبثقة على مدار الساعة.
&
دعونا نخرج لفاصل بعيدا عن تلك السحن المكفهرة والوجوه الكئيبة وغابات اللحى الكثة التى يعشش فيها فطريات من القرن السادس.
&
دعونا نبتعد قليلا عن هذه المشاهد المؤلمة للجسد والنفس والروح، مشاهد أرواح هائمة ونفوس مذعورة وأجساد ملقاه على الشواطئ تنهشها طيور البحر، وأخرى مهانة مكومة على الأرصفة تبحث عن ملجأ أو مأوى، بينما ملوكهم وزعماؤهم ومفتوهم يرفلون فى الابيض الفضفاض قاعدين على الارائك يداعبون ما ملكت أيمانهم.&
&
دعونا نخرج من ظلمة هذه القبور اللعينة ورائحة البارود ورائحة الموت النتنة التى ملأت رئاتنا وأزكمت أنوفنا وأحبطت نفوسنا، نخرج لفاصل لنشتم نسيم الحياه العليل، وتستشف أرواحنا قبس من رائحة النفخة الالهية التى خص بها الخالق الانسان،خصه بها وحده دون سائر المخلوقات، نعم نفخة الحياه والحب والعدل والتسامح والجمال وكل القيم والمقاصد الانسانية الجميلة النبيلة.
&
دعونا نخرج من دائرة السرقة والارتشاء والكذب والدلاسة والتقية التى حولت الناس فى تلك المجتمعات الى أشباه بشر، سحن مشوهة وضمائر متبلدة وأحاسيس متجمدة وعقول مصمته وعيون لا تعرف سوى نظرات الشر والشهوة والشبق.
لكل هذه الاسباب وغيرها كان لزاما أن نستريح ولو قليلا لنذهب الى عوالم يبدو أصحابها وكأنهم سابحون فى مدارات أخرى من الكوكب، بشر صنعتهم وحرفتهم هى الحياه وهدفهم هو الانسان كيف يعيش ويستمتع وكيف يتحدى الطبيعة وكيف يستثمر كل الهبات الالهية التى منحه الخالق اياها ليصنع الاعجاز كل يوم بل كل ساعة بل كل ثانية.
&
نعود الى الفاصل الذى وعدناكم به ونذهب هناك فى أقصى الشرق،حيث أفاق الناس مبكرا من هذة الدوائر الجهنمية دوائر الغرق فى الماضى واتجهوا الى المستقبل وانطلقوا بقوة وعبروا كل الحواجز، انهم سلالة ذوى العيون الضيقة والافق الواسع حيث نظموا فعاليات بطولة العالم لالعاب القوى، ما هذا النظام وما هذه الدقة وما هذا الالتزام وما هذه الوجوه المبتسمة، ثم ما هذا الاعجاز الذى يحققه، البشر شباب من كل جنس ودين ولون وعرق جاءوا مستعدون لخوض غمار منافسات شريفة قفزا ووثبا وعدوا ورميا، استعدوا لها بالجد والمثابرة والعلم والتدريب، وحصدوا الميداليات ورفعوا رايات بلادهم وعزفت الموسيقى أناشيد أوطانهم، ورأينا كيف يعدو شباب بسرعة السيارة، وكيف تقفز آنسة جميلة بالزانة لعلو طابقين، وكيف وكيف ويستطيل التساؤل وتسنطيل الاجابة، ان أوطانهم رعتهم وعلمتهم أصول الاجادة وانه لاجائزة الا بعرق ولا فوز الا باصرار وعزيمة، كما تعلموا أن حسم السباق لن يكون إلا فى المضمار ونتيجة حاصل جهد اللآعب والمدرب والطبيب وإخصائى العلاج الطبيعى وإخصائى التغذية، لاتواكل ولا اقحام للغيبيات ولا نصر بسبب عقيدة فالنصر والفوز والميدالية والمجد لمن أتقن وثابر وبذل واتبع العلم وهو القانون الالهى الازلى.
&
وعدا بعض الفتات الساقط من موائد الفائزين بالذهب والفضة خرجت المجتمعات المنكوبة بخفى حنين،وهى النتيجة العادلة لمجتمعات غارقة فى الصراعات والدم والكراهية، غارقة فى التقاهات والسفاهات، غارقة فى بحار التمايز العنصرى الدينى والعرقى والمذهبى.&
&
نأسف لقصر الفاصل فشرائط الاخبار والصور على الميديا تمطرنا بمشاهد الاذلال لبشر كانوا بالامس القريب أعزة فى ديارهم، لكن قدر هذه الامة المنكوبة أن قيض لها هذه العصابات من المرتزقة يتوارثوهم باسم الدين وباسم القبيلة وباسم العرق، ويفر الناس مذعورون علهم ينجون بحياتهم من هذا الجحيم، ويركبون الاهوال فليس أمامهم طريق للنجاه،فالمتعصبون الكارهون للحياه وراؤهم والبحر أمامهم فاختاروا البحر لعله يكون رحيما بهم. وحينا يكون كذلك ويقذف بهم الى المجهول يتوسلون مأوى، وأحيانا يغدر بهم ويبتلعهم فى قيعانه.
&
هذه هى الصورة بعد انتهاء الفاصل، وبالطبع سنواصل الى أن نصل الى المنتهى،الى آخر صورة للعمران والى آخر مظهر من مظاهرالحياه وعود على بدء صحراء جرداء ينعق فيها البوم.
&
&