ضمت ولاتزال &مدينة اربيل العريقة &العديد من ( الجاي خانات ) اي المقاهي الشعبية القديمة &منها : &(مقهى مجكو)* , مقهى عبو , مقهى بايز , مقهى علي فليح النعيمي , مقهى مصطفى محمد احمد المعروف بـ(الحاج مستيل) , مقهى العم خليل ومقهى (قرداران ـ وتعني بالعربية &المَدِينين) الذي &يقع &بجوار &سوق القيصرية الشهير ) ، وكان ولايزال &كل مقهى في اربيل الحب والفن والعشق يتميز عن الآخر بالشخصيات السياسية والثقافية البارزة التي كانت ترتاده , ومن بين تلك المقاهي الشهيرة ، مقهى ( مجكو ) التراثي و الذي يقع بالقرب من الباب الرئيسي لقلعة أربيل التاريخية , حيث جلس منذ الاربعينات من القرن الماضي &بين زوايا هذا المقهى ثلة من الأدباء والساسة وكبار الصحفيين والرسامين وعدد من مشاهير العلم والفنون المختلفة, وكتبوا على طاولته ابداعاتهم القيمة والمتميزة &، &وأصبحت تجمعاتهم منذ ذالك الوقت حتى ليومنا هذا أشبه بمنتدى للفكر والأدب والثقافة &, ففي هذا المقهى العريق &ولدت ولاتزال تلد شرارات الابداع والإلهام &والنصوص الإدبية &والقصائد الخالدة &لابرز المبدعين المحليين ومن جميع الأطياف والقوميات والمذاهب , مما &يجعله مرآة عاكسة للمجتمع الاربيلي الاصيل وصوتاً معبراً عن نبض الشارع الكردستاني &,وعليه ساهم &(مجكو ) &وبشكل كبير في الحراك والنمو &الفكري &والسياسي والاجتماعي و والثقافي و الإبداعي لدى رواد المقهى على مر التاريخ , كما حرص ولايزال يحرص على ارتياده السائحون العرب و الاجانب &ايضأ ,باعتباره &أحد مراكز مدينة اربيل التاريخية, حيث يجلسون فيه ويتبادلون الاحاديث ويقرؤون الصحف والكتب ويحتسون الشاي (السنجين ـ الطوخ ) والقهوة والمرطبات، و يدخنون المعسل ويستمتعون بسماع الموشحات والمقامات الكردية ( الحيران واللاوك ) &و(الخوريات &ـ &القوريات) والبستات اضافة الى الاغاني &والاصوات الاصيلة النابعة من &التراث الشرقي الاصيل والتي تصدح من مسجلة المقهى وتمتزج مع احلام واحاديث الرواد الذين يناقشون الواقع والمستقبل والألم والأمل .
&
خرجت من بيتي، صباح اليوم، في طريقي لمقهى (مجكو ) بوسط المدينة، يستغرق الأمر 30 دقيقة &تقريبا، نزلت من التاكسي كعادتي بجوار القلعة ،عند وصولي القيت التحيه على الحاضرين , وثم جلست في مكاني المعهود وفي اجواء تعبق بأريج &الماضي الجميل وتفوح بالأصالة والصدق والوفاء وحسن الانتماء للأرض والوطن , وهذا أحد اختياراتي البديلة عندما أود الابتعاد &قليلا عن وميض شاشة الـ(لاب توب) و مشاكل البلاد وهمومها التي لا تنقطع ابدأ .&
حلّقت كعادتي مع رائعة كوكب الشرق( بعيد عنك حياتي عذاب ) , حلقت في فضاء النقاء والاصالة و تغلغلت في ذكريات الماضي الجميل &وفي احضان بقايا ذكريات الطفولة المنقوشة على جدران وشناشيل &محلة (خانقا وشيخ الله وقلعة )(1 )
وبعد دقائق دخل طفل يبلغ من العمر 10 عاما تقريبا أو يزيد بقليل , دخل المقهى وهو يرتدي ملابس مهترئة ورثة , وعيونه مليء بالألام والحسرة , نظر الية وبادرني بابتسامة طفولية بريئة وهو يقول: ( مامۆستا پێڵاوەکانت بۆیاغ کەم ) ...اي ( أتريد أن أصبغَ حذاءك سيدي ) ؟ &
هكذا بدأ حديثه معي والذي اصر على أن ظروف عائلته الاقتصادية الصعبة اجبرته على &ترك مقاعد الدراسة و قال : لقد توفي والدي وأنا صغير فوجدت نفسي ابحث عن عمل لتوفير لقمة العيش، حيث كان احد أصدقائي يعمل صباغ أحذية ,فأخذت أتعلم منه ثم صنعت صندوقي الخاص واشتريت أدوات الصبغ من الفرش والأصباغ وقطع القماش لتلميع الاحذية والملمعات الاصلية ومنذ ذلك الوقت وأنا أمارس هذه المهنة مع شقيقي الاصغر لأنها لا تحتاج الى شهادة ولا واسطة او سابق معرفة &....!!
وقد اصبحت معروفأ الان ولدي زبائن دائميين , وهنا في (مجكو) الكل &يعرفني ويعرفون &بان الاصباغ والفرش التي استعملها هي اصلية وليست مغشوشة او صينية الصنع ....!!
ووجه سبابته &الصغيرة الملطخة بالصبغ الاسود باتجاه &صندوقه الصغير و المرصع بالنجوم وعلى جوانبه فرشات متنوعة الأحجام والألوان, وقال : ياسيدي صحيح مهنتي متعبة وشاقة جدا ، ولكن والحمد لله، تسد احتياجاتنا في هذا الوضع الاقتصادي المزري , الحياة لا تخلو من المصاعب...!!
نظرت اليه وقلت له : &ياصديقي الكادح الصغير , ليس عيبأ اطلاقأ &ان يعمل الانسان بائعأ متجولآ , أو صباغأ للاحذية , أو فرٍاشأ , او كناسأ , او يكتسب من اي عمل شريف , ولكن ان يترك طفل ( اصفى من الدمعة ) مثلك مقاعد الدراسة &ويٌضطر الى عمل شاق لايجيده ,ويقضي معظم اوقاته على ارصفة الطرق , او في الشوارع , او عند الاشارات المرورية , او امام المقاهي لتكون حصيلة اخر النهار بضعة الاف من الدنانيرالبائسة &لا تسدّ الاّ جزءاً بسيطاً من احتياجات ومتطلبات عائلته , فهذه مسألة اخرى , بل هي جريمة نكراء ترتكب في حقك ...!!
اخذ مني صديقي الكادح الصغير الكلام وسألني &بصوت ساخر: الا ترى &حال الأساتذة والموظفين والمعملين والطلاب ؟&
قلت له : &ان المشكلة القائمة حالياً هي في النهاية مشكلة اقتصادية وقتية سوف نجتازها يا صديقي ...
ضحك قبل ان ينصرف وقال : لا ياسيدي &انها قصة ﻻتنتهي الا بزوال ( لعنة &النفط )علينا كما تقول والدتي &......؟!&
اخيرأ :&
لكم ان تتصوروا الى أي كارثة نسير وأي لعنة حلت بنا وبمستقبل اطفالنا وشبابنا &في &بلد يطفو على بحر من النفط &ويمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم .......!!&
&
*(مجكو ـ تصغير مجيد &للتحبب ) , مقهى تاسس في نهاية الثلاثينات على يد السيد( مجيد اسماعيل مصطفى &ـ مواليد اربيل 1923) ارتبط في بداياته بقراءة المقامات الكردية ( الحيران واللاوك ) , كان للمقهى ولايزال دور بارز في تفعيل الثقافة الكردية وحوار اجيالها, كما يمثل اقدم ملتقى يومي للادباء والمثقفين ولأبرز الوجوه الاربيلية السياسية و الاجتماعية والثقافية &, يقع بالقرب من الباب الرئيسي لقلعة أربيل التاريخية......
1 ـ (خانقا وشيخ الله وقلعة &) من اقدم الاحياء الشعبية في مدينة اربيل .&