كان اللقاء التاريخي في 28 آذار، 2016، بين فخامة رئيس السلطة الفلسطينية الدكتور محمود عباس، أبو مازن، والسيد سام بن شطريت، رئيس المجلس الفدرالي ليهود المغرب، الذي عقد في المقاطعة برام الله، استمع حوالي 60 عضوا من وفود اليهود من البلاد العربية في اسرائيل، على خطاب تاريخي مؤثر حول موقف فخامة الرئيس من السلام مع اسرائيل والتاريخ والثقافة واللغة المشتركة بين اليهود والعرب في الشرق الاوسط وشمال افرقيا، وتمتعت هذه الوفود بضيافة عربية وهدايا حاتميّة ذَكَّرَت الضيوف بالماضي المجيد في عصور ساد فيها التعاون والوفاق بين العناصر المختلفة من مكونات شعوب المنطقة.
ومن خلال هذا اللقاء عرض السيد محمد المدني رئيس لجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي في منظمة التحرير الفلسطينية، على وفد يهود العراق برئاسة السيد أريه شيمش من مركز تراث يهود العراق ومتحفه زيارة المركز في مدينة أور- يهودا.
وفي 19 ابريل، 2016 لقى الوفد الفلسطيني الرفيع المستوى برئاسة السيد محمد المدني وعضوية د. زياد درويش وعقيلته والدكتور محمد عودة وعقيلته والسيد محمد السيد وبشار عراقي بالاضافة إلى المحامي طلب الصانع وغيرهم ترحيبا حارا كلقاء اخوة طال غيابهم وبتبادل العواطف النبيلة بقلوب صافية من قبل وفد يهود العراق متمثلاً بالسيد أريه شيمش ورئيس ادارة المركز البروفيسور افرايم صدقه والسيدة رونيت عزوري مديرة متحف تراث يهود العراق، وانضم الى الوفد عضو الكنيست والوزير السابق السيد ران كوهين والسيد عزرا عطار نائب رئيس بلدية اور- يهودا والسيد اوري دفيد وعقيلته والسيدة ليلي شور وكاتب هذه السطور رئيس اللجنة العلمية لمركز تراث يهود العراق. والقى عريف الحفل السيد اريه شيمش كلمة ترحيبية باللغة العربية عن مركز تراث يهود العراق ومتحفه الذي بادر الى انشائه السيد مردخاي بن فورات، المؤسس لهذا المركز التاريخي الذي اصبح كعبة الزوار من جميع انحاء العالم لاحتوائه على مكتبة غنية وعرض تاريخي وديني وثقافي وفني ليهود بابل منذ السبي البابلي والى اليوم وهو المركز الذي يؤكد ما قاله البروفسور موريه "باننا بكينا على انهار بابل لذكرانا اورشليم واليوم نبكي في هذا المركز على ماضينا المجيد في العراق ومصائب الشعب العراقي".
ثم كانت كلمة السيد الدكتور المدني الذي أهاب بالاسرائيليين إلى انتهاز هذه الفرصة النادرة لعقد سلام دائم، ولاحظ ان اسم المركز لم يكتب باللغة العربية على واجهة المركز بشناشيلها، ثم القى الدكتور درويش كلمته باللغة العبرية التي يمتلك ناصيتها ولا سيما ترجمته الفورية من اللغتين مما ادهش المستمعين، وشكر الحاضرين باسم الرئيس ابو مازن، واكد على كلام الدكتور المدني بان مبادرة الرئيس هي فرصة نادرة لاحلال السلام الشامل بين دولتين علمانيتين فلسطينية واسرائيلية تعيشان في جوار سلمي وتعاون علمي وثقافي لخير الشعبين. وابلغ رسالة شفوية شاكرا البروفيسور موريه على اهدائه ذكرياته "بغداد حبيبتي" واردف قائلا إن فخامة الرئيس امر بشراء 200 نسخة من الكتاب لتوزيعها على المكتبات والمدارس الفلسطينية.
وكان لهذه الزيارات وقع مؤثر ومتفائل حول امكانية انهاء الصراع العقيم بين قوميتين متنازعتين كل ترى ان الحق الى جانبها متمسكين به بتعصب.
وهذه اول مرة يلتقي رئيس للسلطة الفلسطينية مرتديا زيا مدنيا منذ ان ترأس قادة جيش تحرير فلسطين وهم القاوقجي وعبد القادر الحسيني وعرفات تحت شعار "خلي السيف يقول" مع وفود من يهود البلاد العربية عارضا وساطتهم في احلال السلام بإقامة دولتين تعيشان جنبا الى جنب في تعايش سلمي وتعاون علمي حقنا للدماء ولخير مستقبل الاجيال المقبلة. وهي اول مرة يقوم بها رئيس فلسطيني لا ينجَرُ وراء حماس المتطرفين في أملهم بالقاء اسرائيل في البحر، بل يطلب ان نصلى لاجله لتحقيق حلمه في احلال السلام بين الشعبين المتناحرين في صراع عبثي لقوتين لا تستطيع احدهما اجبار الاخرى في الخضوع لشروطها في السلام، فالقائد المحنك من امثال فخامة الرئيس ابو مازن ذو الثقافة الانسانية العالية الذي يرى نفسه ابا للشعب وراعيا لمصالحه ومستقبله، فهو يقود شعبه ليكون قدوة له نحو مثل عليا حفاظا على ابناء شعبه ومستقبله، لا في اراقة الدماء والحرمان والجوع والعنف وتبذير ثرواته على الاسلحة التي اصبح في مقدور شعب صغير يمتلك العلم والتكنولوجيا الحديثة وابتكار اسلحة ترد على اسلحة الدمار التي يبيعها له الغرب باموال اجدر ان تنفق على خير الشعب ورفاهيته باعتبار سُكنى المخيمات جهادا مقدسا، بل يرى الجهاد الاكبر في جهاد النفس الأمارة بالسوء، وهذا هو الفرق بين الزعامة السابقة التي اعتمدت على آمال واحلام عسيرة التنفيذ ينوء بها الشعب الصامد ومدعيا ان الشعب الجائع المشرد اكثر ضراوة في تحرير وطنه الذي لم يرض بتقسيمه حسب قرار الامم المتحدة. وان ارحام النساء هي القنبلة الذرية للفلسطينيين والطريقة المثلى لحل القضية الفلسطينية التي استعصى حلها بالعنف وعلى حساب ابادة الآخر. أما زعامة الرئيس الحالي الدكتور محمود عباس "ابو مازن" فهي زعامة الاب الواقعي الحنون الذي يسعى إلى حقن الدماء من الطرفين، وتحقيق السلام الذي اعتبره هديته للأجيال القادمة، وإذا تحقق فان مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية للسلام في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين عام 2002 والتي تنص على ان 57 دولة عربية واسلامية ستطبع علاقاتها مع اسرائيل فوراً، وهذه فرصة للمجتمع الاسرائيلي ليعيش باستقرار مع جيرانه دون جدران وعزل".
واضاف فخامته: "إن حل القضية الفلسطينية حلا عادلا يضمن إنهاء كل إشكال الإرهاب وسحب الذريعة من المتطرفين الذين يتخذون من القضية الفلسطينية ذريعة لنشر الإرهاب والقتل .... ونحن لا نريد أن تأتي داعش والنصرة والقاعدة وغيرها إلى هنا، لذلك يجب علينا تحقيق السلام وإنهاء الاحتلال".
وأعرب عن استعداده للحديث مع كل أفراد الحكومة الإسرائيلية، بمن فيهم رئيسها بنيامين نتنياهو، وقال: "هناك الكثير مما هو مشترك بيننا وبين اليهود العرب، بدءا باللغة والثقافة والتاريخ والفن والموسيقى، وهذا صحيح الا انه من الجدير بالذكر هنا أن المؤتمر الذي عقد في جامعة كمبردج في انكلترا، 22-24 يونيو، عام 2009، برعاية سمو الامير حسن بن طلال الهاشمي الذي استخدم مصطلح "يهود الحضارة العربية" بدلا من "اليهود العرب". فهو يعلم أن اليهود هم عنصر خاص من سلالة ابراهيم الخليل واسحق ويعقوب. أما العرب فهم من سلالة اسماعيل، ويعرفون بانهم سلالة لها دينها غير التبشيري وديارها المقدسة التي اوعدهم الله بها وأنزل توراته لكليمه على جبل سيناء باللغة العبرية، اذا فهم اول شعب يرتبط بأرض ولغة ودين وسلالة.
ولا أنسى كلمات فخامته البليغة التي كان لها وقع مؤثر في قلوب الحاضرين: "ابتهلوا لاجلي، لأحظى في حياتي على توقيع معاهدة سلام مع اسرائيل، وأنشيء دولة تعيش بطمأنينة وتعايش الى جانب دولة اسرائيل، ولدينا الكثير من المشترك مع اليهود العرب..... بدءا باللغة، الثقافة، التاريخ، الفن والموسيقى…... الدم اليهودي مثل الفلسطيني ونحن على اتصال دائم بالأجهزة الأمنية لإسرائيل، والتعاون الامني مع جيش الدفاع هو كامل تماما .... وأضاف فخامته إنه في العملية السياسية الحالية "يداه مقيدتان"، ... وأن الأمن الفلسطيني يفتش حقائب التلاميذ في المدارس بحثا عن سكاكين لمنع العمليات، وإننا نقوم باعمال عديدة لافشال اعمال الاعتداء في القدس ".
وفي النهاية قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إن "تحقيق السلام والجوار الحسن مع إسرائيل، يتطلب قرارات حاسمة من حكومة بنيامين نتنياهو، تتمثل بالتجميد الفوري للاستيطان، ووقف أعمال المستوطنين، واحترام الولاية الفلسطينية على الأراضي، وفقا للاتفاقيات".
وآمل أن يقوم السيد نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل دعوة فخامة الرئيس ابو مازن الى الكنيست والشروع في عقد مفاوضات سلام دون شروط مسبقة لخير الشعبين وحقن لدماء زهرة ابنائهما، فالسلام هو اسم من اسماء الله الحسنى في اللغتين العبرية والعربية.