مرّت الآن 30 عاما على رحيل جان جينيه الذي عشق العالم العربي،وعاش طويلا في المغرب،وتحديدا في طنجة التي أحبها كما لم يحب مدينة اخرى،.وفي النهاية فضّل أن يدفن في مدينة العرائش.ولا يزال قبره البسيط قبلة أحبائه وعشاقه من جميع أنحاء العالم.وكثيرة هي الكتاب التي ألفت عن جان جينيه.ولعل أشهرها كتاب جان بول سارتر:”جان جينيه،قديسا وشهيدا”.وهناك أيضا كتاب الاسباني خوان غويتسولو ،عاشق المغرب هو الآخر،وهو بعنوان:”صديقي جينيه".ويقول خاون غويتسولو بإنه تعرّف على جان جينيه عام 1955،في دار "غاليمار" الشهيرة بحضور زوجته مونيك لانج.وقبل أن يهاجر إلى باريس هروبا من حكم فرانكو ،كان خوان غويتسولو قد قرأ بإعجاب شديد رائعة جان جينيه"مذكّرات لصّ".وخلال اللّقاء الأوّل ،وجد نفسه أمام رجل يمكن ان يقوم بأعمال لا يجرؤ الآخرون على القيام ،بل قد تثير حفيظتهم ،وتغضبهم ،وتستفزّهم.وكان جينيه يتحدّث بعفويّة بالغة،مبيحا بأسراره في مجال العلاقات الجنسيّة.وعندما توثّقت العلاقة بين الكاتبين،عاين خوان غويتيسولو أن صاحب "مذكّرات لصّ" يمكن أن يختفي في أيّة لحظة من دون الإعلان عن وجهته.كما يمكن أن يغادر الفندق الذي نزل فيه من غير أن يدفع المبلغ المتعلّق بذمّته.وغالبا ما يتغيّب لفترة طويلة ،ثمّ يتّصل أصدقاؤه المقرّبون برسائل يبعث بها لهم من باكستان ،أو من المغرب،أو من اليونان،أو من بولونيا.ويضيف خوان غويتسولو قائلا:”لقد أثّر فيّ جينيه على المستوى الأخلاقيّ خاصّة،وساعدني على فصل الأدب عن الحياة الأدبيّة.عندما كنت شابّا يافعا،كنت مغرورا.لذلك كانت المقاهي والصّالونات ،واللّقاءات الثقافيّة تثيرني وتجذبني.غير أن جينيه أبعدني عن الغرور بسرعة فائقة.وأنا أتّفق مع جينيه الذي يقول بإنّه إذا ما شرع الكاتب في تأليف كتاب وهو يعلم مسبقا نهايه ،فإنه لن يخوض مغامرة إبداعيّة ،بل سيكون بمثابة مسافر في حافلة في طريق رتيب.وأنا أتذكّر جملة له فيها يفسّر صعوبة أعماله:”إنّ الصّعوبة تكمن في مجاملة االمبدع للقارئ".وهو على حقّ.كلّ تطوّري الأدبيّ ،والإنساني متضمّن في هذه المقاربة"ويعتقد غويتيسولو أنّ جينيه كان أكثر منه راديكاليّة في المجال السياسي.فقد كان يكره البورجوازيّة كرها شديدا حتى أنه كان يوافق دائما ،ومن دون أيّ تردّد على أيّ عمل يسئ لها،ومهما كان نوعه.وهذا ما يفسّر دفاعه المستميت عن منظّمة "بادر ماينهوف" الألمانيّة التي دعت الى آستعمال العنف ضدّ البورجوازيّة،وعن "الفهود السّود" في الولايات المتّحدة ألأمريكيّة الذين شرّعوا المواجهات العنيفة مع أجهزة الدوّلة لإجبارها على إقرار الحقوق المدنيّة للزّنوج.
&
وكان جان جينيه قد آكتشف العلم العربي في الثلاثينات من القرن الماضي عندما كان جنديّا في الجيش الفرنسي المتمركز في بلاد الشام آنذاك.ومنذ البداية آنجذب الى هذا العالم ،وبه ظلّ مفتونا حتى اللحظة الأخيرة من حياته.وكان جينيه من اوائل المثقفين الغربيبن الذين وقفوا الى جانب القضية الفلسطينية.ومرات عديدة عاش في المخيمات في أحراش الأردن وفي لبنان ليكتب قبل وفاته "الأسير العاشق" مستحضرا فيه تجاربه الشخصية عن حياته بين المقاتلين الفلسطينيين،ومقدما صورة حية عن حياة البسطاء والفقراء والمشردين المحكوم عليهم بالعيش تحت الخيام المنصوبة في الصحراء،ومنتقدا آنحرافات بعض القادة في المنظمات الثورية الفلسطينية.وبعد مجزرة "صبرا وشانيلا" التي آرتكبت في بيروت في اول خريف 1982،نشر جان جينيه نصا بديعا أدان فيه بشدة مرتكبي تلك المجزرة الفظيعة التي لم تعرها الدول الكبيرة الموالية لإسرائيل آهتماما يذكر.
&
وقد زار جان جينيه تونس أكثر من مرة.وفي "الأسير العاشق" هو يروي تفاصيل رحلة بالقطار من تونس العاصمة الى مدينة صفاقس ،وخلالها آلتقى بشبان تونسيين،ومعهم تحدث عن الحرب العربية-الإسرائيلية في حزيران-يونيو 1967.أما عشقه للمغرب فقد كان بلا حدود.وفي فترة الشباب ،أيام كان مشردا،حاول الدخول الى طنجة التي كانت آنذاك مدينة عالمية ،غير أن شرطة الحدود اعادته الى اسبانيا.لذلك وصف طنجة في "مذكرات لص" ب"طنجة -الخيانة".وبعد أن أدركته الشهرة،أصبح يتردد على المغرب بشكل متواصل.وقد آرتبط جينيه بعلاقات وثيقة لا فقط مع كتاب ومثقفين من أمثال محمد شكري،والطاهر بن جلون،وإنما أيضا مع اناس بسطاء ،وصيادي أسماك ،وباعة ساندويتشات،وماسحي أحذية ،ونادلي مقاه ومطاعم. وكان دائم العطف على الأطفال المشردين في الشوارع.وقد روى لي الصديق الراحل محمد شكري أنه وضع ذات ليلة باردة، ورقة ب 1000درهم تحت رأس مراهق كان نائما على الرصيف متوسدا ذراعه.وقبل وفاته بقليل، سأله صحفي بريطاني عن سبب عشقه للمغرب فأجابه على الفور قائلا بأنه يجبه لأنه يتمنى أن يدفن فيه.وآحتراما لرغبته تلك،قامت السلطات الفرنسية بنقل جثمانه ليرقد رقدته الأبديّة في مقبرة العرائش المسيحية ، قبالة المحيط الأطلسي. ومع ذلك يبدو أن الفلسطينيين والعرب عموما نسوا فضائل هذا المبدع النبيل الذي هو جان جينيه إذ ان مجرد الحديث عنه وعن مواقفه وعن أعماله في زمن الأصوليات القاتلة ، بات خافتا بل لعله منعدما أصلا!