قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تبعث القيادات الإيرانية برسائل متناقضة ليس واضحاً إن كانت ضمن تكتيك توزيع الأدوار أو انها تعكس خلافات داخل السلطة بين التيارات المتشدّدة وتلك التي تفضّل الليونة. فبينما كان الرئيس حسن روحاني يتودّد لدول الخليج العربية ويؤكد استعداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإقامة علاقات أخوّة وصداقة مع كافة الدول الإسلامية، وخصوصاً الدول الجارة لإيران، كان المرشد الأعلى علي خامنئي يستقبل المتحدث بإسم الحوثيين محمد عبدالسلام ليجدّد دعمه للحوثيين ويبعث رسالة الى الدول الخليجية العربية فحواها ان طهران لها السلطة على مسار الأمور في اليمن وعلى استهداف الحوثيين للسعودية. الرسالة الأخرى التي صدرت عن طهران فيما كان روحاني يطمئن الدول العربية المجاورة في الخليج أتت على لسان قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي الذي أعلن أن "حزب الله" اللبناني اكتسب قدرات قتالية في سوريا ولديه صواريخ متطوّرة وبات في جهوزية "تمكّنه من القضاء على إسرائيل وحده في أي حرب محتملة". وحرص قائد الحرس الثوري على رفع سقف التهديدات للقوى الدولية من البقاء في الخليج منبّهاً أن عليهم أن يأخذوا في حسابهم القدرات الإيرانية، إنما توقيت تصريحاته عن قدرات "حزب الله" الصاروخية وجهوزيته للقضاء على اسرائيل فإنه كان متعمّداً لإظهار ضعف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الذي كان يزور واشنطن وذلك للإجهار بأن طهران تملك مصير لبنان لأن "حزب الله" من ممتلكاتها ولها قرار تفعيل جهوزيته للحرب أو الإبقاء على التهادنية بينه وبين إسرائيل. الرئيس الحريري سار على حبلٍ مشدود في واشنطن وسمع صراحةً وبصرامة ان إدارة ترامب، ومعها الكونغرس الأميركي، لن تتروّى ولن تتوارى في مسألة العقوبات على "حزب الله" وعلى من يوفّر التغطية السياسية والعسكرية والأمنية لـ"حزب الله". قالوا له ان عليه هو أن يكتشف ويصيغ وينفّذ ما هو المطلوب بدلاً من اسطوانة "الخصوصية"اللبنانية، ومحدودية صلاحيات رئيس الوزراء وقدراته، و"ما فينا"، و"قولوا لنا ما العمل؟" شرحوا له ان هذا زمن الجدّية في السياسات الأميركية نحو إيران و"حزب الله" ولم يعد زمن المطاطية التي رافقت سياسات الإدارة السابقة في عهد باراك أوباما. أبلغوه الأهداف الواضحة وتركوا له إيجاد وسائل تحقيقها بلا مواربة ولا مؤاخذة ولا تلكؤ في التنفيذ.

عنوان رئيسي من عناوين زيارة الحريري الى واشنطن هو: المؤسسات. وزير الخارجية مايك بومبيو أعلن وبجانبه الرئيس الحريري ان منطقة الشرق الأوسط مهدَّدة من إيران، وان الشعب اللبناني مهدّد من "حزب الله". شدد على أهمية و"شجاعة" الحريري في تأكيده لواشنطن التزام لبنان الدفاع عن نفسه كدولة وجيش، وليس عبر "حزب الله". أكد على استعداد واشنطن مساعدة لبنان عبر دعم مؤسسة الجيش وفي ترسيم حدوده البحرية والبرية مع اسرائيل.

مصدر أميركي رفيع المستوى لخّص المواقف الأميركية التي تم ابلاغها الى رئيس الحكومة اللبنانية بقوله "أكّدنا له أن عليه أن يحقق التقدّم وان يتخذ خطوات ملموسة للابتعاد عن حزب الله"، و"أوضحنا ان عليه اعتماد موقفٍ قوي" في هذا الاتجاه.

ما عرضته إدارة ترامب على رئيس الحكومة اللبنانية هو مجموعة "معايير" Parameters قويّة "لأهدافٍ شاملة" وواضحة with overarching goals حسبما قال المصدر المطّلع "وقلنا له: عليك أنت إيجاد الوسائل لتنفيذها you figure it out"، بدلاً من تحديد "خطوات" steps مفصّلة له.

بومبيو طمأن لبنان ان الولايات المتحدة مستمرة في دعم "أمن واستقرار" لبنان كما غرّد بعد الاجتماع مع الحريري. لكنه تابع "لقد طرحت معه قلقنا البالغ من حزب الله وكرّرنا ان العقوبات الأميركية ضد أعضاء حزب الله ومن يدعمهم مستمرة".

هي ذي كانت رسالتنا اليه، قال المصدر الأميركي، "هنا الأهداف ومعاييرها، وما نحتاجه منك هو التقدم الملموس وليس مجرد اطلاق عملية"، نحو تحقيق الأهداف. “we need to see progress, not setting a process”.

هذه الأهداف والمعايير تنطلق وتصبّ في خانة إضعاف وإلغاء سيطرة "حزب الله" على لبنان، والتحرك نحو إخراج نفوذ إيران من لبنان. إدارة ترامب واثقة من ان العقوبات الآتية ستؤدي الى خنق حزب الله وشلّ قدراته المدنية، وان العقوبات التي تنوي فرضها على من "يدعم" حزب الله ويقوم بتوفير الغطاء السياسي له ستؤدي الى النتائج المرجوّة.

فحوى ما سمعه سعد الحريري من المسؤولين في واشنطن هو العزم على منع إيران وحزب الله من تنفيذ تهديدات على نسق ما جاء على لسان قائد الحرس الثوري الإيراني بشأن القدرات الصاروخية الإيرانية في الأراضي اللبنانية وتوعّده إسرائيل بـ"حزب الله" وجهوزيته القتالية.

سمع الحريري من المسؤولين الأميركيين ان الأموال التي يدفعها المواطن الأميركي كضرائب ليست للإنفاق على لبنان بما يساعد حزب الله بأي شكل من الأشكال، وان استمرار هيمنة حزب الله على لبنان ستحجب عن لبنان أموال المساعدات ضمن "سيدر" أو خارجه. سمع ان ترسيم الحدود البحرية والبرية مع اسرائيل سيلقى مساعدة الولايات المتحدة كي يستفيد لبنان من نفطه وغازه في المتوسط، إنما بشرط أن تكون الدولة اللبنانية وحدها هي التي تسيطر على البلاد، وليس حزب الله ولا إيران. سمع انه ليس مسموحاً لأيٍّ أن يكون حليفاً لـ"حزب الله" بلا محاسبة وعقوبات، أو أن يكون شريكاً سياسياً يوفّر له الغطاء. بكلام آخر، وصلت الرسالة الأميركية بأن حتى حلفاء واشنطن لن يكونوا معفيين إذا ظنوا أنهم صمّام الأمان لمنع انهيار لبنان فيما هم في نظر حزب الله صمّام الأمان للحزب طالما هو جزء من الحكومة بموجب "التسوية" التي أوصلت سعد الحريري الى رئاسة الحكومة.

"واشنطن لن تمانع استقالة الحريري"، قال مراقب سياسي "بل لعلّ الاستقالة مطلوبة أميركياً لكي تتمكن الولايات المتحدة من فرض عقوبات على لبنان والضغط على لبنان كدولة". فليس مسموحاً استمرار حزب الله في تشديد قبضته على لبنان وانصياع الحكومة اللبنانية الى مطالبه بعذر ليس في اليد حيلة. انه يعمل خارج المؤسسات المالية والعسكرية الرسمية لتفادي العقوبات، لكنه يدخلها خلسة للاستفادة منها. هذا النمط لم يعد مقبولاً أميركياً بعدما اتخذت ادارة ترامب قرار ممارسة أقصى الضغوط الكاملة على حزب الله وحلفائه في لبنان وعلى إيران وبقية أذرعتها في المنطقة.

حزب الله الذي رأى في سعد الحريري صمّام أمان ودرع له ازاء العقوبات الأميركية، والإجراءات الأوروبية الآتية، وحتى من إفرازات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قد يجد نفسه بلا صمّام ولا درع حماية ان كان ببقاء الحريري في رئاسة الحكومة أو باستقالته.

البعض رأى ان الهدف من إطالة أزمة قبرشمون كان الانقلاب على الحريري كي يكون في الوسع تشكيل حكومة من لون واحد وتحويل لبنان الى دولة مواجهة. افتعال المعركة مع النائب السابق وليد جنبلاط أتت نتيجة تصريحاته بأن مزارع شبعا سورية وليست لبنانية مما أثار قيادة حزب الله التي تعرف تماماً ان هذا كلام دقيق طالما ترفض الحكومة السورية الإجابة على طلب ورسائل عديدة من الأمم المتحدة منذ 2007 بأن تتقدّم اليها بموقفها الرسمي حول ما إذا كانت مزارع شبعا سورية أو لبنانية. دمشق تتجاهل الإجابة عمداً وترفض الإدلاء رسمياً ان كانت مزارع شبعا لبنانية أو سورية لسببين أساسيين هما: أولاً، ناسبها القول انها لبنانية وذلك لتبقى مزارع شبعا عائقاً أمام سلام بين لبنان وإسرائيل حفاظاً على "تلازم المسارين" اللبناني والسوري. وثانياً، ان الإقرار رسمياً بأنها أراضٍ لبنانية سيتطلب إخراج مزارع شبعا من اتفاقية "فك الاشتباك" بين سوريا وإسرائيل، وهذا أمر رفضته الحكومة السورية. والسبب الإضافي لتعمّد دمشق عدم الرد على رسائل الأمم المتحدة هو اقتناعها بأنها أراضٍ سورية أو أنها تريد لمزارع شبعا أن تعود الى سوريا وليس الى لبنان عندما تتم إزالة الاحتلال الإسرائيلي عنها.

استهداف وليد جنبلاط كان لتحقيق هدف اقصاء أية معارضة لحزب الله وحلفائه. التصدّي الأميركي لهذه المحاولة أتى واضحاً وبقوّة وفي بيان علني وكان له فعله ونتائجه في بيروت وفي طهران. فلقد أتى هبوط حزب الله من أعلى السلَّم ليفيد أن طهران قرّرت تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة ومع اسرائيل، أقله الآن.

طهران تعتبر حزب الله أهم إنجاز لها وأثمن ورقة في يديها. وواشنطن قرّرت أنه ممنوع على طهران صقل قوة وجيش غير نظامي على نسق حزب الله أينما كان. إدارة ترامب مقتنعة ان الضغط الشامل الكامل على قيادات النظام في طهران، المتجانسة أو المتناقضة في تصريحاتها، يتطلب قطعاً استهداف حزب الله وإلا لن يكون الضغط فاعلاً ولن تكون استراتيجية خنق إيران اقتصادياً شاملة. أما القيادات الإيرانية فإنها بصدد مراجعة استراتيجياتها بعدما تبيّن لها عدم جدوى الرهان على هلع أوروبا أو على صداقات الصين وروسيا. لذلك دخل التكتيك استدعاء الحرب مرحلة التجميد المؤقت الى حين عقد قمة مجموعة الدول الصناعية السبع آخر الشهر الجاري في فرنسا.