قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ ظهورهم في نهاية العشرينات من القرن الماضي، دأب الاخوان المسلمون في مصر على ابداء كراهيتهم للمثقفين، والمبدعين، والفنانين، وإبراز نفورهم منهم، واذكاء حقدهم عليهم. وفي أكثر من مرة، تصادموا معهم لتدور بين الفريقين معارك ساخنة. فعندما أصدر د. طه حسين في أواسط عقد العشرينات من القرن الماضي كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي"، وعلي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" مطالبا بضرورة فصل الدين عن الدولة، اشتعلت معركة حامية الوطيس بين المحافظين، وبين دعاة التقدم والتجديد والاجتهاد الديني.  وفي النهاية كان الانتصار للفريق الأول. أما أنصار الفريق الثاني، فقد هُزمُوا شرّ هزيمة ليجدوا أنفسهم عاجزين حتى  عن الاحتفاظ بوظائفهم التي تضمن لهم لقمة العيش.  وقد كشفت تلك المعركة أن القوى الرجعية المشدودة إلى الماضي، لا تزال تتمتع بالنفوذ والقوة التي تسمح لها بالحفاظ على مكانتها وعلى تأثيرها في المجتمع.

ومن المؤكد أن الوعي بأهمية ذلك الانتصار  زاد في تعاظم نفوذ الاخوان المسلمين ليتحولوا بسرعة  في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، إلى قوة سياسية لا يستهان بها في بلاد النيل. لكن تركيزهم على العمل السياسي العلني  والسري، وانصرافهم عن الثقافة وقضاياها،  سمح للمبدعين والمفكرين والفنانين بإنتاج أعمال هامة في مجالات مختلفة ومتعددة في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات. وجل هذه الأعمال، تمكنت من الإفلات من الرقابة الدينية. إلاّ أن الأوضاع سوف تشهد تحولات كبيرة خلال الفترات اللاحقة. فعلى اثر الضربة الموجعة التي تلقوها بعد محاولتهم اغتيال الرئيس عبد الناصر عام 1955، شرع الاخوان في الاهتمام بالشأن الثقافي والفكري من داخل السجون، ومن خارجها،  مُعتمدين في ذلك على الكتابات النظرية لزعيمهم السيد قطب الذي بدأ حياته ناقدا أدبيا. ورغم أنهم كانوا يعانون من الضعف والعزلة بعد الضربة المذكورة، إلا أن نفوذهم ظل فاعلا ومؤثرا خصوصا داخل جامع الأزهر. وذلك النفوذ هو الذي مكنهم من منع رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ بعد أن نشرت جريدة "الأهرام" فصولا منها بمباركة من رئيس تحريرها محمد حسنين هيكل الذي كان يحظى بثقة الرئيس جمال عبد الناصر. 

مع مطلع السبعينات، بدأ نفوذ الاخوان المسلمين يتعاظم من جديد في مصر بعد أن سمح لهم الرئيس السادات بالنشاط العلني بهدف كسر شوكة الشيوعيين والناصريين وجميع الذين عارضوا سياسته الداعية إلى إقامة سلام مع اسرائيل.  وفي ظرف سنوات قليلة، استطاعوا أن يُحْكموا قبضتهم على المدارس والجامعات والنقابات المهنية، وعلى المجتمع بصفة عامة. لذا باتت كلمتهم مسموعة، ومُهَابَة الجانب.  وبسبب تفرّق القوى اليسارية والتقدمية إلى ملل ونحل، واشتداد الصراعات فيما بينها، تخلى الاخوان المسلمون عن سياسة الدفاع عن النفس مثلما كان حالهم في زمن الرئيس عبد الناصر، مُستبدلين إياها بسياسة هجومية عنيفة أعطت لخطابهم الأصولي المتطرف شرعية ونفوذا لم يسبق لهما مثيل. 

وخلال عقد الثمانينات، وبعد مقتل الرئيس السادات في حادثة المنصة في خريف عام 1980، ازدادت سياسة الاخوان المسلمين عنفا وشراسة.  لذا بات بإمكانهم محاسبة ومعاقبة المثقفين والمبدعين والمفكرين والفنانين لا المصريين فقط،  بل العرب مشرقا ومغربا.  كما بات بإمكانهم منع الكتب بمختلف أنواعها فكرية كانت أم أدبية  بدعوى أنها "معارضة لمبادئ الإسلام وللأخلاق العامة". بل أنهم منعوا أعمالا تعتبر من كنوز التراث العربي –الإسلامي مثل "ألف ليلة وليلة"، ومؤلفات الشيخ محي الدين بن عربي، ورسائل الجاحظ، وأشعار أبي نواس، وبشار بن برد ن وعمر بن أبي ربيعة. 

ومع حلول التسعينات من القرن الماضي، اتخذ تدخلهم في الشأن الثقافي والفكري   مسارا أشد عنفا وتطرفا. فقد اعتبروا اجتهادات ناصر حامد أبو زيد في تفسير وتحليل النص القرآني "كفرا وزندقة"، مجبرين إياه على الفرار إلى المنفى. كما أنهم أصدروا قائمات سوداء تتضمن أسماء الشعراء والكتاب والمفكرين والفنانين الذين تمّ تكفيرهم. وردا على انتقاداته اللاذعة لهم، لم يترددوا في قتل المفكر فرج فودة. وعلنا ساندوا قتل المثقفين والمفكرين في الجزائر خلال العشرية السوداء.  في الآن نفسه، وجّهوا تهديدات صارمة للفنانات والممثلات غير المتقيّدات بما يسمونه "الزي الإسلامي".  ولم يكتفوا بذلك، بل حاولوا اغتيال الروائي الكبير نجيب محفوظ. وخلال الندوات التي تنتظم على هامش المعرض الدولي للكتاب، مارسوا أنواعا مختلفة من الاعتداءات على المثقفين المعارضين لخطهم السياسي والايديولوجي. 

وما أظن أن موقف الاخوان المسلمين في مصر تغير   في مرحلة ما  بعد "الربيع العربي".  فقد أثبتت كل الوقائع والأحداث أن الخطاب العنيف والمتطرف ينتصر عندهم دائما على الخطاب المعتدل والعقلاني. وبما أنهم لم يتمكوا من الحصول إلا على تأييد بعض الانتهازيين من المنتسبين خطأ إلى الثقافة والفكر، فإنهم سيحافظون على نفس المواقف المتشددة والعنيفة تجاه كل من يعارض اطروحاتهم في شؤون الدنيا والدين. كما أنهم سيظلون ينظرون إلى التراث العربي- الإسلامي وكأنه لا يمكن أن يكون سوى ركام من فتاوي التكفير والزجر، نافين عنه تلك الاشراقات الهائلة المتمثلة في أعمال الجاحظ، والمعري، والتوحيدي، وابن عربي، وابن المقفع، والاصفهاني، وابن رشد، وابن خلدون وغيرهم... وأكبر دليل على حرصهم على التقيد برفضهم لكل شكل من أشكال التعددية الدينية، والثقافية، والسياسية،  والتي هي أساس الديمقراطية في مفهومها الحقيقي والعميق،  هم  لم ينقطعوا عن اقتراف جرائم فظيعة ضد الأقباط المسيحيين، وعن حرق بيوتهم وكنائسهم لأنهم يرغبون في أن تكون مصر التي احتضنت عبر تاريخها العريق حضارات وثقافات مختلفة، على صورتهم المتجهمة والعابسة والمتزمتة.