قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من خلال معايشتنا زمنا طويلا تقارب الثلاثة عقود في المنافي خارج أوطاننا هربا مما يجري في بلادنا المؤمنة الورعة جدا واستقرارنا في بلاد الغرب الذي ننعته كافرا عاهرا ثم عودتنا الى بلادنا بعد انأنهكتنا الغربة المديدة وطال بنا العمر ووصلنا أرذلهُ ؛ لمسنا تفاقم ظاهرة النفاق الاجتماعي بشكل مفرط في محيطنا العربي والإسلاميقياسا لما هو موجود في بقاع الذين نسميهم بالكافرين .

أوجز هنا بعض صور النفاق الشائعة بيننا والمؤذية البعيدة عن الواقع والتي أصادفها يوميا تقريبا وهذه نتفٌ قليلة جدا من كمٍّ هائل يصعب حصره في مقالة قصيرة :

1) رأيت الكثير من الناس من يبرر مصائبنا وتدهورنا وتخلفنا وانحدارنا ويعزو السبب الى الابتعاد عن الله مع أننا نُعدّ أكثر شعوب الكرة الأرضية إيمانا بالخالق ونمارس طقوس العبادة وفروضها كل وقت ونغفل عن عجزنا وهواننا وتراخينا عن حلّ المشكلات التي تعمّ بين ظهرانينا ولا نلتفت الى اننا السبب الرئيس في هذه الحطّة والمهانة التي نعيشها ، ولو أمعنّا النظر في هذه الشمّاعة وتبريراتها وحسبناها منطقيا فسيقودنا المنطق الى ان سبب ازدهار الغرب والعالم الجديد واليابان وغيرها يعود الى رضا الله عليهم مما أزاد رحمته ونعيمه على شعوبهم .

2) من صور النفاق الواضحة عيانا بلا اية غمامة او رتوش تخفيها نلحظ ان المجتمعات الأكثر التزاما عقائديا وتديّنا هم الأشمل فسادا في الإدارة وفي القضاء والأشد كذبا في السياسة والأعلى في هدر حقوق الناس .

3) أما عن حالات التحرّش بالنساء والفتية الصغار وحتى الأطفال فقد بلغنا شأواً خطيرا ووصلت الى حدود لم تعد تطاق في وسطنا المؤمن إيمانا وافرا بالله والعقيدة الدينية حتى بلغت نسب التحرّش في بعض الدول الإسلامية الى ما يفوق 90% من عموم السكان الذكور ، والأكثر مثارا للسخرية إننا نعزو الأسباب الى عدم حشمة المرأة والى ملابسها الفاتنة المسببة للإغراء والى فساد الخلُق الرفيع ونقص الدين رغم ان نساءنا أكثر سترا وحشمة في ارتداء أثوابها وتغطية جسمها عباءات سودا ومحارم تغطي رأسها وتخفي شَعرها ومنهن من ترتدي الخمار ولكن مع كل هذه الحشمة لا يسلمن من حالات التحرش التي أخذت تزداد وتتفاقم بشكل مرعب وخطير .

4) وهل أوضح من صور النفاق الظاهرة للعيان ان يطالب المرء بتطبيق الشريعة والالتزام بها وعدم الانصياع للفكر الغربي في ليبراليته وعلمانيته لكنه في السرّ والخفاء يحزم حقائبه تمهيدا للهجرة الىالغرب الذي يعتبره عاهرا منفلتا كافرا وغير ملتزم أخلاقيا ؛ لا بدينهِ ولا شرفه ليعيش تحت حماه ويخضع لأعراف الغرب وقوانينه ويأنس للمحيط الجديد الذي اختاره طوعا وحبّاً .

5) رأيت معظم الناس لا يعبأ بالرشى المتفشية بين المواطنين والمسؤولين ويعتبر التهرّب الضريبي نوعا من الشطارة والحذلقة ولا يبالي بتبييض الأموال المسروقة من حقوق المواطنين وتفاقم الفساد وشيوع الغشّ في السلع والخدمات المقدمة له وانتشار المخدرات بشكل مهول وأحابيل مستغلي السلطة ممن يستغلون نفوذهم في التجارة والتهريب والعمالة لدول الجوار وغير الجوار لتحطيم الاقتصاد بينما يفتحون عيونهم شزرا تذمّرا وشجباً في ملبس سروال قصير تلبسه امرأة او يستنكر صورة قُـبلة في لوحة فنية او فاتنة ترتدي المايوه على شاطئ البحر ، وينادي بالفضيلة وهو يمارس اشدّ أنواع الرذيلة . ذلك هو النفاق الأشد قبحا والأبشع مرأى شكلا ومضمونا .

6) يستهجن المنافق عندنا صعود امرأة واعية ذكية الى مراكز متقدمة في حقول العلم والسياسة والاقتصاد وقد تحكم شعبا لتنهضه ويرتقي مدارج عليا في النهوض العلمي والاقتصادي ويكون في الصف الأمامي من الدول المشار اليها بالبنان رقيا وتقدما في كافة الميادين الرفيعة الشأن مثل رئاسة الوزارة ووزيرة الدفاع والمستشارة النابهة العقل والعفيفة اليد ، لكنه يصرّ ان يراها ناقصة عقل ودين ويردد مروياتٍ كاذبة مع نفسه مثل الحديث المصطنع " لا يفلح قومٌ ولّوا أمرهم لامرأة " ولديه قناعة مريضة بأن مكانها البيت لتنظيف وتحضير مطبخها ولتربّي أولادها وينسى انها ذات قدرة على تربية مجتمع كامل تربيةً فريدة صالحة لتُرسخ فيه محبة الوطن والسعي لتطويره ونجحت نجاحا باهرا في تحمّلها المسؤولية بقدرة وفعالية متميزتين ويظل المنافق فينا يصرّ انها غير صالحة للعمل العام خارج بيتها وكثيرا ما يصفها هذا المنافق الأعور عقلاً وعيناً انها عورة ولأنه ناقص العقل والضمير والفطنة ينعتها بانها منقوصة غير مكتملة العقل والدين.

وليعلم هؤلاء ذوو الرؤية القصيرة النظر ومحدودي الفكر والمنغمسين في التخلف وتابعي ذيول السلف المليئة وسخا عالقا وفضلات فكرٍ عاجز وذبابا يتبع قيحا ان رجوعنا الى الوراء تخلّفا ليس بسبب عدم تمسكنا بعقيدتنا ، وإنما نحن لا نأخذ بأسباب التقدم والنماء والتطور ونوزن بمعايير وموازين معطلة غير عادلة وما زالت أساليب التعليم عندنا بدائية ولم نمسك حبائل العلم بسواعد متينة ولم نفتح عقولنا للاستفادة من المبتكرات العقلية في أساليب التربية والتعليم الراقية ونوطئ رؤوسنا ساكتين عن المظاهر الفاسدة في مجتمعنا ولا نحارب المفسدين بل نصل أحيانا الى محاباة السيئين الفاسدين ومعاداة الشخوص ذوي المران والخبرة والحنكة من النزيهين ونغضّ النظر عن كل ما هو شائن بذريعة كريهة يرددها الكثير منا بعبارات بذيئة تنمّ عن عدم تحمّل المسؤولية على حفظ الوطن وتطهيره من السوءات : هذا لايخصّني ، مالي دخَلْ ، وفي العراق نقولها : آني شعليه.

والانكى والأتعس من هذا كلّه اننا نرفع السيف والسوط تهديدا ورهبة وتخويفا وقتلا ايضا على كل من يدعو الى النهوض والتقدم من مبدعينا ومبتكرينا العلماء والمصلحين لمجاراة الأمم في تسابقها الحضاري ونستعرض قوتنا على أهلينا ممن يخالفوننا الرأي ولا يذعنون لأهوائنا المتخلفة فينكفئ الحسن ويهمش الفطِن ويضيع الحازم العالِم والمفكّر الحالم بعصر الازدهار ويطفو القيح والوسخ والفضلات والدرن مرأى قبيحا واضحا يتحكّم في حاضرنا ومقبلنا ليزيده عبثا واسودادا وتجهما.

هنا تحضرني أمثولة شائعة كثيرا ما نرددها تقول : اذا نزل مؤمن وكافر في عرض البحر فلا ينجو من الغرق الاّ من أتقن السباحة وتعلّمها بمهارة ؛ فالله المنقذ الرؤوف الرحيم يُعين ويُنجّي السبّاح المتمرّس حتما احتراما وتقديرا لعقلهِ فمحالٌ ان يستوي الذين يعلمون والذين هم في الجهالة غارقون .

[email protected]