قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مثل ثورات ما أصبح يسمّى ب"الرّبيع العربي"،جاءت الثورة الإيرانيّة التي أطاحت بنظام الشّاه في عام 1979 بأمل كبير يتمثّل في قيام نظام ديمقراطي يضمن الحريّات العامة،والخاصّة، وينهي عهودا طويلة من الإستبداد ،والظلّم والطّغيان.غير أن هذا الأمل سرعان ما خب، وانطفأ ليبسط الظّلام نفوذه من جديد على إيران، وتصبح كلّ القوى الديمقراطيّة ملاحقة، ومحرومة من المشاركة في الحياة السيّاسيّة.فإن هي حاولت ذلك ، عرّضت نفسها لمخاطر جسيمة .ولكن ما هي أسباب هذه الإنتكاسة؟وما هو مفهوم الجمهوريّة الإسلاميّة التي فرضها الخميني على الشّعب الإيراني؟ولماذا فشلت القوى الديمقراطيّة والحداثيّة في مواجهة الخميني ورجال الدّين؟على مثل هذه الأسئلة وغيرها يحاول المفكّر الإيراني مهناز شيرالي الإجابة في كتابه الصادر ا في فرنسا تحت عنوان:”هزيمة الفكر الدّيمقراطيّ في إيران".وفي بداية كتابه ،يشير هذا المفكّر الذي يعيش في المنفى منذ فترة طويلة أن الثّورة الإيرانيّة أفرزت نظاما سياسيّا غريبا يسمّى "الجمهوريّة الإسلاميّة".وهو يطرح السّؤال التّالي: ولكن هل يمكن ان ينسجم نظام جمهوري جاءت به الثّورات الحديثة من أجل تحقيق الديقراطيّة مع رؤية رجعيّة ،ومتخلّفة؟.ويرى مهناز شيرالي أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" شيء سياسيّ بلا هويّة ،وبلا مفهوم محددّ". لذلك حاول ويحاول العديد من الباحثين أن يقدّموا تعريفا دقيقا وواضحا لهذه "الجمهوريّة الإسلاميّة "من دون التّوصّل إلى أيّ نتيجة مقنعة ومفيدة.

ويعود مهناز شيرالي إلى أحداث تاريخيّة عرفتها إيران خلال القرن العشرين، ساعيا من خلالها إلى فهم ما أدّى بالثورة الى الإنحراف.ففي عام 1905،عرفت بلاد فارس انتفاضات شعبيّة هائلة أفضت الى قيام نظام ملكيّ دستوريّ.ولمّا أدركت القوى الدينيّة ان القوانين الجديدة التي جاء بها الدستور، تسلبها الكثير من نفوذها ومن قوّتها، خيّرت التّحالف مع النّظام الملكيّ.وفي صيف عام 1908،قام الجيش الرّوسي بدعم نظام حمّد علي شاه لقصف البرلمان.وقد وافقت بريطانيا في الخفاء على تلك العمليّة المعادية للدستور، والتي كان الهدف منها ضرب القوى الديمقراطيّة الصّاعدة. وبسبب ذلك، اندلعت حرب أهليّة مدمّرة مزّقت أوصال البلاد، وأشعلت الظّغائن، بين أبناء إيران..وفي عام 1925، جلست عائلة بهلوي على العرش، مستعينة بالقوى الكبرى لتركيز حكمها .ومع النّظام الملكيّ الجديد، تحالف اللّيبيراليّون وكبار تجّار "البازار" المتأثّرين بالأفكار الغربيّة.وبعد سقوط حكومة مصدّق بسبب المؤامرات التي دبّرتها الدول الغربية الكبيرة،خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ظهرت ثلاث قوى سياسيّة متمثّلة في كلّ من الليبيراليين والشيوعيين ورجال الدين . وجميع هذه القوى، اتحدت لتناضل ضدّ النظام الملكي المدعوم من الغرب.

وقد استغلّت هذه القوى انعدام الديمقراطيّة، وفشل النظام في تحقيق العدالة الإجتماعيّة، وفي تضييق الهوّة بين الفقراء والأغنياء لكي تنتصر في الثّورة التي اشتعلت في نهايات عام 1978.بعد انقضاء أشهرقليلة على سقوط نظام الشاه، وجدت القوى الديمقراطيّة نفسها معزولة، ومرفوضة من قبل الجماهير.والسّبب في ذلك يعود الى الهجمة الشرسة التي شنّها رجال الدين للسيّطرة المطلقة على السلطة، وعلى المشهد السياسيّ.كما تمكّن الخميني بسرعة مذهلة من أن يفرض ما سمّاه ب"ولاية الفقيه" الذي جعل منه حزام الأمان لما سيسمّى ب"الجمهوريّة الإسلاميّة".

ويقول مهناز شيرالي أن الخميني "أسلم السياسة، وسيّس الدين" لكي يفرغ الثورة من محتواها، ويحيد بها عن مسارها، ويجعل منها وسيلة للقضاء على خصومه وأعدائه السياسييّن بقسوة لا مثيل لها. ويرى مهناز شيرالي أنه طالما ظل مناصرو الخميني في السلطة، فإن أمل الايرانيين في التمتع بالديمقراطية التي دفعوا ويدفعون من أجلها الثمن غاليا، سيكون صعب التحقيق إن لم يكن مستحيلا مثلما أثبت الواقع ذلك منذ الاطاحة بنظام الشاه وحتى هذه الساعة.كما يرى مهناز شيرالي أن حكام ايران في الوقت الراهن يسعون من حين الى آخر الى انتهاج سياسة الإعتدال تجاه الغرب.وهذا ما فعلوه خلال مفاوضات جينيف بخصوص المشروع النووي.

غير أن هذا لا يعني شيئا آخر غير ذرّ الرماد في العيون، واستبلاه الدول الغربية وخداعها من أجل التخفيف من الضغط الشديد الذي يعاني منه الإقتصاد الإيراني،وتوجيه ضربة قاسية أخرى للحركة الديمقراطية داخل ايران، والتي تحركها راهنا قوة شبابية جديدة تتطلع الى المستقبل، ولا تعير لأفكار الخميني أيّ اهتمام، بل تراها سلسلة من العراقيل والمحرمات التي تعيقها ،وتمنعها من تحقيق أحلامها المنشودة.