قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

سلاح الرسوم الجمركية الذي شهره الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وجه الصين وهدّد به أوروبا أتى ليكمّل أداة العقوبات الفاعلة التي اعتمدها ترامب أساساً لسياساته الرئيسية، اما للإقناع أو للإذعان. هذا الأسبوع انطلقت المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري الذي وافقت الصين بموجبه على رفع قيمة مشترياتها بقيمة 200 مليار دولار من البضائع والخدمات الأميركية على مدى سنتين، في مقابل الغاء واشنطن بعض الرسوم الجمركية. أتى الاتفاق المبدأي هذا في أعقاب 18 شهراً من النزاع بين العملاقين الاقتصاديين، الولايات المتحدة والصين، وحرص ترامب على إبراز أهمية الاتفاق في احتفاءٍ للتوقيع عليه في البيت الأبيض لم يكن خالياً من التباهي الضمني والعلني بنجاح سياسة ادارته التجارية نحو الصين والتي ستكون إحدى أعمدة حملته الانتخابية في 2020.

وشدّد ترامب على استكمال التفاوض على المرحلة – 2 من الاتفاق لتأمين "العدالة والأمن الاقتصادي للعمال والمزارعين والأُسر الأميركية"، حسب قوله،وسط توقعات بزيادة مشتريات الصين من النفط والغاز من الولايات المتحدة. في هذه الأثناء، صعّدت إدارة ترامب تطويقها للجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر الشركاء الأوروبيين الثلاثة في الاتفاقية النووية معها JCPOA وذلك عبر التلويح أو التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على واردات السيارات الأوروبية إذا رفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تفعيل "آلية فض النزاع" المنصوص عليها في الاتفاق النووي.

وأهمية هذه الآلية انها تتيح لأحد أطراف الاتفاق الإدّعاء أمام لجنة مشتركة بأن طرفاً فيه ينتهكه مما يفتح الباب أمام إعادة فرض العقوبات الدولية ضد إيران طبقاً لآلية Snap back - أي استئنافٍ شبه تلقائي لفرض العقوبات التي أعفت قرارات الأمم المتحدة إيران منها بموجب الاتفاق النووي. هلع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إزاء خسارة رهانه على الاتحاد الأوروبي للقفز على العقوبات الأميركية عبر "آلية مالية" طالبت بها طهران تتيح لها بيع نفطها تحوّل الى نقمة على الترويكا الأوروبية إذ قال "إذ أردتم بيع نزاهتكم، افعلوا ذلك. لكن لا تتحدثوا عن مبادئ أخلاقية أو قانونية عظيمة" فيما اتهمهم بالخضوع "لتنمّر" دونالد ترامب.

تدهور العلاقة بين طهران وعواصم الترويكا الأوروبية – سيّما برلين – إنما يزيد النظام الإيراني قلقاً ويقلّص خياراته وهو في خضمّ الورطة الداخلية والإقليمية، الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فقد فشلت وسائل الابتزاز لأوروبا والاستفزاز المنمّق للولايات المتحدة بعدما حفر أركان النظام في طهران أكثر من حفرةٍ لنفسه، فانزلقت قدمه في سوريا والعراق ولبنان واليمن في الوقت الذي انفجر الداخل الإيراني في وجه النظام ومَن كان يُعَتبر فوق المحاسبة مثل مرشد الجمهورية علي خامنئي وقيادات "الحرس الثوري" و"فيلق القدس" التابعة للمرشد.

ثم هناك الخيبة بتبدّد أحلام سقوط دونالد ترامب من الرئاسةاما بخلعه أو بانعدام حظوظ انتخابه لولاية ثانية. وعليه، اتخذ القادة في طهران اليوم قرار التمهّل إقليمياً وتأجيل الانتقام أميركياً ريثما يلتقطون أنفاسهم ويهدّأون الداخل ويثبّتون النظام عبر قمع المظاهرات والاحتجاجات الإيرانية بموجب صلاحيات ومباركة حصل عليها "الحرس الثوري" هذا الأسبوع من أعلى المقامات. لكن إدارة ترامب لن تقبع في الانتظار سيما وأن طهران تُعطيها الذريعة عبر مُضاعفة تخصيب اليورانيوم وتفكيك التزاماتها النووية لتعرض عضلاتها أمام الشعب الإيراني. لذلك، تستعد إدارة ترامب لإجراءات إضافية ضد طهران تشمل فرض حصارٍ مالي Financial blackode على البنوك الإيرانية بدءً من البنك المركزي. وهذا سيثير جولة أخرى من الانتقام – حتى وإن كانت مؤجّلة لأسبوعين، كما تفيد المعلومات من طهران.

أما الآن، فإن انشغال أركان النظام باحتواء الانتفاضة الشعبية الإيرانية له الأولوية. لذلك تقع المعادلة الإقليمية على منطق التمهّل في العراق ولبنان شرط استمرار حلفاء طهران بالسيطرة على البلدين عبر "الحشد الشعبي" في العراق و"حزب الله" في لبنان بأي ثمن كان. بكلام آخر، ان قادة طهران يتبنّون اليوم سياسة "التهدئة للسيطرة " في لبنان والعراق، فيما يؤجّلون النشاطات في اليمن ويراقبون عن كثب – وبقلق – ما حدث للمشروع الإيراني في سوريا من تقويض وربما من انهيار.

أجواء الجمهورية الإسلامية الإيرانية تفيد بأن ما يريده حكّامها إقليمياً هو احتواء الأضرار وإدارة الأزمات في هذه المرحلة الانتقالية، لكنهم يواجهون تطوّرات غير معتادة تضعهم أمام أخطار غير قابلة للترويض. فهم لا يجرأون الآن على تفعيل جبهات لبنان والعراق في وجه المتظاهرين في ثورتين لكل منها ميزتها وخصوصيتها إنما القاسم المشترك بينهما هو رفض هيمنة طهران على مصير ومستقبل البلدين. قد يكون في بالهم أن يتحلّوا بالصبر الآن فيما يتخذون الإجراءات اللازمة لقمع الثورتين بأي ثمن وبكل الوسائل إذا لم يكن هناك أي خيار آخر. فمطالب الثورة في لبنان والعراق في صلبها تشكل انقلاباً على النظام السياسي الذي يُمليه قادة إيران على لبنان والعراق. وبالتالي انها معركة وجودية لمنطق النظام في طهران.

في العراق، سيريد "فيلق القدس" استعادة الهيبة في أعقاب مقتل قائده قاسم سليماني. وبحسب المصادر، ينوي خليفة سليماني، إسماعيل قاآني، القيام بزيارة العراق قريباً لإثبات العزم والاستمرارية وليضع بصماته بصفته القائد الجديد لهذا الفيلق المكلّف الملفات الإقليمية من لبنان الى سوريا الى اليمن الى العراق. تقدير طهران هو ان الوضع الحالي في العراق سيدوم الى فترة طويلة prolonged بكل مشاكله وتعقيداته وخطورته، والاستنتاج هو أن احتمالات دفع الوضع الى الاستقرار ضئيلة جداً. لذلك، التمهّل ريثما تتموضع السياسات الإيرانية نحو الولايات المتحدة ونحو العراق. ولكن، وبحسب ما نقلته المصادر المطّلِعة على التفكير في طهران، ان السياسة الأساسية تبقى: فرض انسحاب جميع القوات الأجنبية من المنطقة وفي طليعتها القوات الأميركية، دون استثناء القوات الأوروبيةمن دفع الثمن، كما لمّح الرئيس الإيراني حسن روحاني. وبالتالي، يبقى الوضع في العراق هشّاً جداً بلا مؤشر الى ضوءٍ في نهاية النفق. إنما، في الوقت ذاته، تبدو الانتفاضة الشعبية عازمة على الثبات بالرغم من كل ما يحصل. وتبدو القوات الأميركية باقية ومتأهِبة في العراق.

في لبنان، المعادلة أمام القيادة في طهران هي رفض الاستغناء عن اليد العليا لـ"حزب الله" في السيطرة على البلاد والهيمنة على القرار، وهو مُتاح اما عبر الحكومة أو على الساحة –ساحة الثوار. ما يؤرق صنّاع القرار اللبناني في طهران وفي صفوف "حزب الله" هو تدهور الوضع الاقتصادي بما يطال القاعدة الشعبية التابعة لهم والتي قد تجوع وتنتفض ضدهم، إذا لم يستدِركوا. ما يُدركونه هو ان التظاهر بأن هذه ثورة على الفساد فقط وليس على النظام السياسي في لبنان، هو مثل دفن الرؤوس في الرمال. ما يعلمونه هو أن تأليف حكومة إنقاذ من إصلاحيين مستقلين حقيقيين بعيداً عن السياسيين يعني عملياً تآكل الرصيد والهيمنة الإيرانية على المشهد اللبناني. لذلك التلاعب بشكل الحكومة وطبيعتها وأعضائها وتوجهاتها.

القلق مُضاعف لأن الوضع بات واضحاً: لا إنقاذ ولا أموال من الخارج ما لم تكن الحكومة الجديدة فعلاً بوزراء مستقلّين عن كامل الطبقة السياسية تتخذ القرارات الضرورية للإصلاح الاقتصادي والسياسي على السواء - وهذا يعني الانهيار وما يترتب عليه من غوغائية الانتقامات، إذا استمر التلاعب ومنع تأليف حكومة إصلاحيين جدّية.

بالمقابل، إن الرضوخ لتأليف حكومة إصلاحيين لها صلاحية ونفوذ أخذ البلاد الى نظام سياسي مستقل بعيداً عن الهيمنة سيسلب "حزب الله" الاستفراد بالقرار وسيُضعف الحليف الأقوى لإيران في لبنان والمنطقة.

حاولت الطبقة السياسية، وفي طليعتها حليف "حزب الله" في لبنان، "التيار الوطني الحر"، وشريكه في "الثنائي الشيعي"، حركة "أمل" التلاعب على شكل الحكومة عبر بدعة تلو الأخرى، فكان لهم شارع الثورة بالمِرصاد. أتوا برجلٍ بيروقراطي لتكليفه تأليف حكومة مقنَّعة باختصاصيين فيما هي في معظمها وصلبها حكومة المستشارين والمساعدين للقيادات السياسية نفسها – فأتت الخدعة لتنقلب على أصحابها. لا الأوروبيون تجاوبوا مع حفنة الرجال التي اعتقدت ان ذكاءها خارق لدرجة النجاح في استغباء الناس. ولا الثوّار رضخوا لمعادلة التخويف والاستنزاف والإرهاق والاستنفاد والإنهاك التي اعتمدها جميع رجال السلطة المتأصّلين في الفساد والمحاصصة والاستفادة من تأجيج الطائفية والمذهبية. لذلك شعار الثورة هو التخلّص من كامل الطبقة السياسية الحاكمة والمتحكّمة الرافضة مغادرة السلطة هو "كلّن. كلّن يعني كلّن".

ما يحتاجه لبنان هو أن يكون في منصب رئاسة الحكومة شخص له أو لها خبرة في الرئاسة التنفيذية لكبرى الشركات CEO، أو كبرى المؤسسات – وليس رجلاً طيّباً يودّ الإرضاء. يحتاج حكومة مؤلّفة من نساء ورجال على أساس نسبة 50-50، وليس حكومة مطعَّمة بنساء يتبعن للرجال أصحاب القرار. يحتاج الى حكومة مؤلفة من فريق من النوابغ والشخصيات الاستثنائية، أي كما وصفها أحدهم dream team يمتلك الجرأة على المعالجة الجذرية لاحتياجات لبنان. حتى الشخصيات المُحترمة المستقلة لا تكفي إذا كانت ضعيفة أو مُنصاعة. المعضلة ان مثل هذه الحكومة لن تكون مقبولة لدى الطبقة السياسية بكاملها، وفي مقدمتها "حزب الله" لأنها تسلبه من الهيمنة على القرارات المصيرية للبنان كما تقتضي المصلحة الإيرانية.

حليف "حزب الله" في الحكم، "التيار الوطني الحر"، يقع بين مطرقة الشعب واحتمال تعرّضه الى عقوبات إذا استمرت الأوضاع على ما هي أو إذا فُرِض على الثورة أن تتحوّل من سلميّة الى دمويّة. انه أمام التراجع الشعبي في قاعدته، وأمام التناحر داخل البيت السياسي العوني بسبب الأوهام والغطرسة والتشبّص وأحلام الخيال.

أما الثورة، فإنها ثورة ضد الفساد الممنهج والسرقة الممنهجة وضد هيمنة الطبقة السياسية بكاملها – كلّن يعني كلّن. انها ثورة عابرة للأجيال وعابرة للطوائف وهي ثورة الجيل الذي نضج باكراً ولا يأبه بألاعيب التقليديين الذين يتوهّمون أنهم فوق المحاسبة وأنهم باقون في السلطة. لذلك، تُخطأ القوى الأمنية أو قِوى الجيش إذا ربطت مصيرها بالماضي المتخلِّف الذي لن يدوم. واجبها ومصلحتها تقتضي حماية الثورة والشراكة مع نسائها ورجالها في صنع المستقبل.