قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرا ما يُخطئ محبّو الديمقراطية والتوّاقون اليها ويعمدون الى تشويهها وطمس ملامحها الجميلة حين يطمرون جذور تلك النبتة الفواحة الجميلة الزاهية في تراب أجاج وسبخ وأطيان آسنة ويسقونها ماء ملوّثا بالعفن والأوساخ غير صالح للاستسقاء والنماء.

ففي ظل مجتمع جاهل وطائفي وقبلي تتناطح فيه الأعراق والمذاهب وفاقدٍ لهويته يصبح ترسيخ النهج الديمقراطي شيئا من العبث واللعب بالنار والضحك على الذقون، لأن قاعدتها ستكون خليطا من الخصوم والعداوات التي تشتعل ومحالٌ أن يقوم الناخب غير المتعلم والمهووس بطائفته والمغرم بعقيدته او مذهبه ويختار الأفضل والأصلح والأجدر من النوّاب الذي سيمثلونه في البرلمان أو الحكومة.

هنا لابدّ من قاعدة تعليمية مُرضية لفرز الغثّ من السمين وإدراك النائب المنتفع الوصولي عن المخلص العفيف الذي يريد ان يرعى اهله ويقدم ما بوسعه لرفع مستوياتهم المعيشية والتعليمية وترقية ناخبيه كي يختاروا الأنسب؛ اذ ان صمام الامان لنجاح الديمقراطية هو التعليم اولا ثم توسعة افق الوعي كما يقول فرانكلين روزفلت كي تقف الديمقراطية على قدميها برسوخ وثبات.

الديمقراطية هي مظلة حامية لكل الشعوب من لهيب وحرارة الطائفية وسعير العقائد والمذاهب التي تشعل الأخضر واليابس ولابد من الاحتماء بها ايضا من الأمطار السود وحاملة ملوثات الأجواء الفاسدة المغبرّة ممن يتاجر بالدين ويزعم انه الوليّ والمكلّف والمختار من السماء مينا وكذبا مستغلا حالة الجهل السائدة بين عموم الناس ليبسط نفوذه وتعاليمه على الملأ الساذج وينصّب نفسه زعيما أو حجّة او أميرا دينيا او قبليا.

فهؤلاء كارهو الديمقراطية ممن يتذرع بقول بعض المفكرين والفلاسفة من ان الديمقراطية كثيرا ما تفسح المجال لأراذل الناس والمنتفعين والسفلة بان تسيطر على السلطة مثلما حدث في السياقات التاريخية القديمة والمعاصرة؛ ولنتذكر قول الفيلسوف افلاطون حينما قال: "ان النظام الديمقراطي قد يسمح للحثالة بان تسيطر على الحكم".

ويتناسى هؤلاء المظللون ان هذا الفيلسوف قد قال كلمته عندما تسيّدت ديمقراطية الغوغاء في بلاد الاغريق منذ مايزيد عن الفي عام وهو اول من دعا الى وضع قوانين صارمة لاختيار من ينوب عن الشعب والعمل على وقف جموح الساسة والحكّام ذوي المطامح الفردية ومحبّي التسلّط وزمر الدكتاتورية خوفا من تشويه النمط الديمقراطي المثالي والحدّ من بروز ظاهرة تأليه الأفراد وإضفاء القداسة عليهم مما تنفر منه العملية الانتخابية.

ونفس الامر حدث حينما اكتسحت النازية في تاريخنا المعاصر وسيطرت على عقول ذوي النزعات القومية النازية الشوفينية ولوّثت النهج الديمقراطي السليم ودفعت به جانبا مظلما ووخزت خنجرها الغادر في خاصرة الديمقراطية عندما انتخب ادولف هتلر على رأس السلطة وقتذاك وكما يحدث اليوم في العراق من سفاسف ما انزل الله بها من سلطان وتشويهات وخزعبلات واستغلال فاضح للعملية الديمقراطية والانتخاب الحرّ وكيف بانسان جاهل ممتلئ الى حد التخمة بالطائفية ان ينتخب نائبا عابرا للطائفية وكيف لموتور قبلي النزعة او مذهبي مشحون بالحقد ان يختار شخصا ذا افق انساني عريض وطموحات وطنية رحبة لا تعرف حدودا او ميلا لمثل تلك المفاسد الضارة الضيقة الخانقة.

وليس بعيدا عنا زمرة متسلقي سلّم الديمقراطية من الجماعات الإسلامية في محيطنا العربي والإسلامي وهم ألدّ أعدائها ممن تطربهم دعوات الخلافة وولاة الأمر.

وكلنا يتذكر صعود جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر في الانتخابات التشريعية عام/ 1991 حين قال علي بلحاج زعيم الجبهة مزهوا بعد اعلان نتائج الانتخاب "هذا اليوم هو يوم عرس الديمقراطية ويوم مأتمها ايضا" مشيرا بملء فمه انه ورهطه لا يؤمنون أصلا بها وان الحكم وفق نهجنا الاسلامي سوف يستمرّ الى ابد الابدين ضاربا عرض الحائط مبادئها واصولها التي من ضمنها التداول السلمي للسلطة وكأنه اتخذها مطيّة لتوصله الى الحكم وهذا ما دعا الجيش الى التدخّل ونزع السلطة منهم ولكن بعد ان دفعت الجزائر ما يقارب الربع مليون من الضحايا في حرب دامت عشر سنوات؛ حربٌ مرعبة دامية كي تستعيد انفاسها وتنتصر أخيرا.

ونفس الامر حصل في مصر حين ارتقى الاخوان المسلمون السلطة بُعيد الاطاحة بنظام حسني مبارك واستغلال ثورة يناير وتجييرها لصالح الاخوان وتنصيب محمد مرسي رئيسا لمصر وإزاحة الشباب الثوري وعموم الشعب الذي أطاح بدكتاتورية مبارك وحزبه اللاوطني مع انهم "الشباب وعموم الشعب المسحوق" هم أصل الثورة وشرارتها وهم محرّكو ميدان التحرير فكان حكمهم سنة عجفاء ذاق فيها المصريون الكثير من الويلات والمرارات اقتصاديا وتراخيا في الامن؛ كل ذلك بسبب الاعوجاج الخاطئ المتعمّد في مسار الديمقراطية المستقيم الخطى.

ان من مظاهر تألق الديمقراطية وقوتها ورسوخها كونها عابرة لايّ نزوع طائفي او عرقي او عقائدي او مذهبي وهي تُشعر الناس بأهميتهم ودورهم في التغيير وهم السادة الذين ينصّبون من بينهم الأكفأ والأكثر نزاهة ومن يختار الاصلح من بين جموعهم؛ وشعارها الأساس ان القرار والحكم بيد الشعب والارادة إرادتهم ويتاح لهم عزل وطرد من يفسد حالهم وانتخاب من يصلح أمورهم ويُعلي من شأنهم ثقافيا ومستوى معيشة وإنماء وتطوير وطمر كل ما من شأنه التفريق وبث العداوة والكراهة بين ابناء الوطن الواحد واعتماد المواطنة اساسا راسخا والسواسية معيارا ثابتا بين كل الناس وقبر كل من شأنه التفريق والتمييز بين افراد الوطن الواحد.

فلننظر قليلا الى الوراء ونلتفت الى التاريخ قديما وحديثا ونرى كيف ان الدكتاتورية صنعتْها شخوص من أسوأ حثالات المجتمع وأكثرهم انحطاطا وفسادا من المخلوقات البشريّة الموتورة غير السويّة المليئة بعقدة النقص ذوي الماضي الملوّث بالدناءة والحطة ومنهم من مجهولي النسَب الخارجين من قيعان المجتمع وحضيضه حصرا... هؤلاء هم الحثالة وليس من يُنتخب انتخابا سليما ويرتقي بطرائق واساليب الاقتراع الصحيحة من شعب متعلّم معافى سليم الطويّة وبيئة صالحة تنمو فيها الديمقراطية وتنتشي وتتفرع أغصانها وردا زاهرا عاطرا ينعش الاجواء واخضرارا يؤنس الانظار وتشدو لنا من صوتها غناءً وعزفا يطرب الأرواح والأسماع.

وأعجب كيف اننا جلبنا ديمقراطية متّسخة ناشزة في العراق وصرنا اضحوكة كمن يجلب قائد أوركسترا ماهراً في ابداعاته ليقود زمرة من ناشزي الالحان من ذوي الاصوات الطائفية اللاطمة على الصدور بأنين ونشيج منفر ومن مثيري الهياج العرقي والزاعقين والنافثين ضجيج الكراهية والمكبرّين لله وهم يرفعون سكاكينهم ويدنونها من الرقاب لاجل حزّها وكأني بهذا القائد الاوركسترالي يقود جمعا من فرقة "الجالغي البغدادي" او فرقة الشاويش "حسب الله".

هنا تكمن خطورة الديمقراطية حينما تنمو في منبت فاسد وغالبية ناخبيها يغمرهم الجهل ويتحكم بعقولهم الهوى الطائفي والمذهبي والعرقي والعشائري الراسخ غارقين في الاميّة والتخلّف، يُقادون من زعماء قبائل لايعرفون سوى مصالحهم الفردية للاستحواذ على النفوذ المالي والمكانة الاجتماعية ومن أمراء الحروب ومروّجي العداوة والكراهية والاصطفاف المذهبي ويثير استغرابنا كيف لانسان غير متعلم مقاد كالأعمى ان ينتقي نائبا قائدا نزيها كي يمثّله في رأس السلطة، ولا نبالغ لو قلنا ان إسقاط الديمقراطية وتدميرها والحطّ من شأنها هو فقدان القاعدة العريضة من الجماهير المتعلمة الواعية المدركة التي تفرز الصالح من الطالح؛ فالتعليم والنهوض بمستوى العقل الجمعي للناخبين هو صمام الأمان لها كي تأتي بأكلها وتؤتي ثمارها الناضجة المستساغة المفعمة بالعافية.

باختصار شديد؛ عليكم يا سادتي ان تنشئوا جيلا متعلما واعيا محبّا للعلم والأدب والفن والرقيّ الحضاري سلالمَ للارتقاء ليكون قاعدة عريضة للبناء الديمقراطي من خلال ثورة ثقافية لأمد لا يتعدى العقد من السنوات.

ثم تطهير بلدانكم من ميكروبات الطائفية والعنصرية والانطواء المذهبي وكل ما يعيق السواسية ويؤدي الى التفرقة بين ابناء المحيط الواحد ومدّ الايادي لتتصافح وتتعانق الصدور محبةً وتآخياً والعمل على ترسيخ مبدأ المواطنة ونشر العدل بين الناس وشيئا فشيئا يتم كنس كل أنقاض ومزابل المجتمع الضارة لتختفي نهائيا مظاهر الفساد والفوضى تدريجيا وتعاد الموازين مستقيمة والمسالك سهلة المسعى وصولا الى الهدف الأسمى في التحضّر والنماء.

من هنا يمكنكم التحدث عن تحقيق الديمقراطية الحقة السليمة البناء فهذه العروس الفتية لا تفرح ولا تهنأ الاّ اذا أحاط بها واحتفيَ بها شعب بهذه الصفات الراقية الناهضة.

جواد غلوم

[email protected]