قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سأبدأ كلامي بما انتهيت به في مقالتي الأخيرة بصحيفة" إيلاف" بأن الانتخابات العراقية ستنتهي بورقة مكتوبة عليها: عدنا والعوّد أجمّل. وكنت عامدا متعمدا رموز العملية السياسية الفاسدة والطائفية التي لن تغادر المشهد العراقي إلا بالمزيد من الخراب وانهار الدماء. ولن يتخلص الشعب من عجرفتهم وتغولهم في الحياة اليومية والسياسية. فلا العد والفرز اليدوي، ولا البطاقات البابومترية تستطيع أنهاء الدراما السياسية الحزينة، ومرض البؤس والحزن في نفوس العراقيين.

لا ترعبكم جعجعة السلاح المنفلت، ولا أقوال السادة ورسائلهم المبطنة، أو نقر الأصوات المنكرة بالرأس، ولا نتائج الانتخابات وأرقامها الافتراضية، فالنتيجة واحدة، وأن اختلفت سمفونيات الضجيج اليومي لقادة الأحزاب وذيولهم، وتنوعت العنتريات من هنا وهناك. فالمشهد لا يتمخض إلا على بعير مريض أجرب لا ينفع، وانتخابات لا تنبت إلا بذورا طائفية؛ بيوتات شيعية وسنية وكردية وتركمانية، ومنظومة من الفساد المتجذر في نفوس جياع السلطة والجاه.

القصة واحدة في مشهد العراق السياسي، مهما اختلفت النغمات السياسية؛ فـ "النوتة" السياسية مكتوبة بيد أجنبي من خارج العراق، و"الديمقراطية" بدون ديمقراطيين، والسياسة عبارة عن عملية جراحية لشفط أموال الشعب، وما تبقى من دهون الحياة. والعمالة متجذرة في الجينات وخلايا المستقبلات، فلا وطنية للعراق ولاهم يحزنون!

سأقرب لكم صورة المستقبل بعد الانتخابات. معارك في الإعلام والشارع، وخيم مملوءة بأناشيد الطائفية، وطبول حرب افتراضية للمشاهدة فقط، بينما تجري في الخفاء ولائم للحم الأبيض والأحمر، وترسم خرائط للرئاسات والوزارات وأماكن الثروة والجاه والقوة. فهناك كعكة كبيرة لا يريد أي حزب عراقي أن يفرّط بها، وهناك ارض رخوة يتقاتل عليها الإيراني والأمريكي للسيطرة عليها لأهداف كثيرة ومعروفة لا تحتاج التعليق عليها.

لذلك فأيران لن تسمح للسيد الصدر، أو أي جهة أخرى، إن تفتت "البيت الشيعي" بأحزابه وميليشياته ونفوذه. ولن يكون أحدا قادرا من قادة الشيعة والسنة على السواء أن يتجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها إيران، مثلما لا يستطيع البعض تجاوز أمريكا، ومنها إيران أيضا، أن يسير بالعملية السياسية لوحده، رغم اعترافنا بأن إيران هي الصوت الأعلى، والنفوذ الأقوى في العراق. ليس بسبب قوتها فقط، وإنما لأن أمريكا مهدت لها طريق السيطرة والنفوذ والشرعية منذ عام عام 2003 لغاية في نفس يعقوب!

في مجتمع منقسم على نفسه عموديا وأفقيا لا يمكن أن يتحقق حلم التحرير من الظلم والاستعباد الديني والسياسي؛ حيث مجتمع النخب السياسية المتخلفة تنخر كالأرضة في الواقع العراقي لتحوله إلى جسد مصاب بهشاشة الوطنية والانتماء، ومجتمع من القطيع يركع لوهم التاريخ الغيبي، ومزدوج الشخصية بين مطالبه وحاجاته الإنسانية وحريته وبين الانجذاب الطائفي أو العشائري أو المصلحي. والا ما سر هذا الصعود المفاجئ للمالكي مرة أخرى، وهو الذي ذاع صيته بالخيانة والعمالة والفساد وضياع الأراضي وتبديد ثروات الوطن؟

سأكون أكثر وضوحا من باب الموضوعية، الكاظمي وفر أجواء صالحة للانتخابات، فلا سلاح منفلت، ولا "بلطجية" على أبواب أماكن الانتخابات، مثلما فتح أبواب المستقبل للمستقلين، رغم قلقنا عليهم من التلوث السياسي، لكن المشكلة في البيئة الاجتماعية والسياسية الملوثة بثقافة الطائفية المستبدة، والجهل بأبجديات الديمقراطية كممارسة، والفساد القابع في النفوس، وعدم الثقة بالانتخابات، وثقافة "ما نطيها" كأن البلد طابو للأحزاب الحاكمة منذ ربع قرن. فلا قبول بالخسارة؛ أما "نلعب أو نخرّب الملعب“، أو نزوّر الأرقام أو لا نقبل بالانتخابات. صورة مأساوية تحدث في بلد يتغنى يوميا بالديمقراطية الكاذبة، وحاكم "مدمقرط" جاهل لا يقبل بصوت الشعب وخياراته.

ربما كان البعض على حق في رفض نتائج الانتخابات، فقد خسروا ملايين الدولارات من المال الحرام في دعايتهم الحزبية، من تبليط الشوارع وإقامة الولائم والمهرجانات، وتوزيع الدولارات نقدا، ورشوة شيوخ بعض العشائر ورجال الدين. مثلما خسروا كرامتهم، إذا كانت لديهم كرامة متبقية، من خلال التودد الكاذب والتوسل لمواطنيهم بطريقة سمجة فيها الكثير من الدونية والاحتقار للذات!

بالمختصر، الاستبداد هو شيء اعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية، وهو أيضا بنية سياسية واجتماعية ودينية وذهنية يصعب القضاء عليها إلا بتغيير العقل الذي يرثها، والعقلية الثقافية التي تولدها من جديد.

فالاستبداد في مفهوم الكواكبي "استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل" وأسير الاستبداد "يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته“. ويصف أفلاطون المستبد بأنه "يستولي على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف". أما أرسطو فأن الغاية للمستبد هو "تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي".

أما مستبد اليوم في الانتخابات العراقية، فهو يجمع بين الماضي والحاضر بازدواجية مريضة. وحاضر اليوم عنده يتلخص بخداع الناس بالدين، وأشغالهم بالطقوس الحسينية، وتفقيرهم وتجوعيهم، وإشعال الحروب الداخلية بمنطق الطائفة والفوضى والسلاح.

لذلك لا امل في نتائج انتخابات تقوم على تدوير نفايات السياسيين، وعودة المجرب اللص، والعمل بمنطق التوافق والمحاصصة، والقوة والتهديد، لأنها ستلد تماسيح جائعة تبتلع آخر ما تبقى من ميزانية وطن يغرق بالنفط والغاز!

لن يفيد الشعب أي إصلاح بعد كل هذا الخراب والفساد، فالعطار لا يمكنه أصلاح ما أفسده زمن الجهلة والفاسدين!