قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لفتني أحد الفيديوهات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تظهر مجموعة من اليابانيين في أحد ملاعب قطر بمناسبة بطولة كأس العالم وهم يجمعون المخلفات ويرمونها في أكياس، فراح مصور الفيديو يسألهم لماذا تجمعون النفايات؟.. 
أنا شخصيا قمت بإيقاف الفيديو قبل أن أسمع الإجابة، أوقفت الفيديو لأنني أنا أيضا تساءلت، لكن لم يكن نفس سؤال مصور الفيديو، فقد طرحت سؤالا تعجبيا، قلت أليس هذا هو السلوك الإنساني الطبيعي الذي يجب أن يحافظ على النظافة حيثما كان؟ ثم تساءلت أو لم نتعلم أن النظافة من الإيمان فلماذا العجب؟ لماذا كل تلك القيم الإنسانية مغيبة عن حياتنا وعندما نرى الأمم التي تعلو بأخلاقها يعلو الاستغراب هاماتنا، حتى بات هذا السلوك الأخلاقي أمرا عجيبا على حد قول ناشر الفيديو؟ 
ثم تابعت الفيديو لأسمع الجواب، فكان الرد: "نحن اليابانيون، لا نترك المخلفات وراءنا، نحن نحترم المكان".
هؤلاء هم اليابانيون الذين يقال أنهم يعيشون في كوكب لا يشبه الذي نعيش فيه، ومن خلال هذا السلوك يمكن لنا أن نفهم كيف استطاعت اليابان أن تعود للحياة بعد تدمير جزيرتي هيروشيما وناكازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لقد تمكن هذا الشعب من صناعة المعجزة وأوقد شموع الأمل مع العمل، وبدأت هذه المعجزة تتحرك رغم التحديات والعزلة، فصنعت تاريخا أسطوريا، وجعلت لها كما يقال كوكبا خاصا بها، نعم إنها الإرادة والعمل والصبر والإيمان بالذات كلها عوامل جعلت من هذا الشعب يبني إمبراطورية من العلم والتقدم والريادة في مدة قياسية تقاس بعرقه واجتهاده.
لاشك أن لكل أمة ومجتمع جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ولكنني في هذا المقال أحاول أن أسلط الضوء على هذا السلوك الأخلاقي والحضاري الإيجابي الذي يستحق الثناء، وأن يكون نموذجا، تحتذي به مجتمعاتنا التي تكاد هذه القيم تتبخر فيها، نعم لأنه كما قال أحمد شوقي: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

يحزنني كثيرا عندما ترى تلك السلوكات التي تتنافى مع فطرتنا الأخلاقية السليمة التي تأبى أن نرمي بالأوساخ هنا وهناك، لكن كثيرين يرمونها ويقولون سيأتي عمال النظافة ليقوموا بعملهم، يا لها من مبررات تتصادم مع كل القيم الإنسانية والحضارية والدينية، وهنا أدركت أن هناك مجتمعات بحاجة إلى سنوات ضوئية حتى تتعلم فن السلوك والتعامل، وإنه لمن المقلق أن نرى حتى الأماكن المقدسة لم تسلم من أيادي العابثين دون أي رادع أو ضمير، ضف إلى ذلك الأماكن العامة، وهنا يتبين لنا أن المشكلة تتمحور في غياب التربية الصحيحة وعدم وجود الضمير الأخلاقي، ولكن في منظوري حتى لو غاب كل ذلك، نأمل فرض غرامات مالية على من يقوم بهذه المخالفات لردعه، لأن القانون أيضا هو سبيل لتقويم سلوك البشر، وسيبقى الشعب الياباني يسطر في تاريخ الإنسانية نموذجا إنسانيا نبيلا في أخلاقه وأفعاله.