دائماً ما نسمع أنَّ هناك صراعاً إيدلوجياً دينياً بين الإسلام والمسيحية واليهودية، وهناك عشرات المحطات الإذاعية والتلفزيونية لأتباع كل من هذه الديانات لإثبات صحة الدين الآخر وتكذيبه، ويكثر ذلك عند أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية تحديداً، وكذلك الحال مع المذاهب المختلفة؛ صراع إيدلوجي كبير تغطيه عشرات المحطات التلفزيونية الفضائية، وكل يحاول إثبات أنه على صواب والآخر على خطأ، خصوصاً في ما يتعلق بالصراع الشيعي السني، إلا اليهودية، لم نسمع لها محطات إذاعية أو تلفزيونية موجهة ضد أي دين، ولم نجد أنها تخوض صراعاً ايدلوجياً علنياً مع الأديان والأفكار والعقائد الأخرى، وكأنها ديانة مسالمة مع الديانات الأخرى.

هناك بعض الأسباب الموجبة لذلك، منها أن أتباع الديانة اليهودية يدركون تمام الإدراك أن الجميع يؤمن بديانتهم، ويرى أن اليهودية أصل الرسالات السماوية، وأن أبا الأنبياء، نبي الله إبراهيم، هو الأب الروحي والبيولوجي لبني إسرائيل. كذلك، فإنَّ اليهودية هي الديانة الوحيدة التي تجمع بين الدين والقومية، فهي قومية ودين في آن واحد، ومن يعتنق اليهودية قد يصبح يهودياً، لكنه لا يمكن أن يصبح من بني إسرائيل. وقد شهد القرآن الكريم لليهودية بأنها قومية ودين، فمرة يخاطبهم بوصفهم يهوداً (صفة دينية) ومرة يخاطبهم ببني إسرائيل (صفة قومية).

لا يطلب اليهود التعاطف مع ديانتهم، فهم على دراية بأن الديانات الأخرى لن تتعاطف معهم دينياً، ولا يطلبون من القوميات والأمم الأخرى الوقوف إلى جانب قوميتهم لأن القوميات الأخرى يحكمها الولاء القومي لقومياتها. لكن اليهود يدافعون ويشكون مظلومية عنصرهم السامي أو السامية، وبما أنَّ السامية هي جزء أساس من تركيبة التراث البشري، فكل الأمم والقوميات والديانات تهرع للدفاع عن السامية، بذلك استطاعوا الدفاع عن دينهم وقوميتهم من خلال الدفاع عن السامية، هذه هي إحدى نقاط قوتهم. إنهم يستطيعون تسخير أشهر الوسائل الإعلامية للدفاع عن السامية، وكل من يحاول الطعن بدينهم وقوميتهم يسارعون إلى اعتبار فعله اعتداء على السامية، وفعلاً ينجحون في ادعائهم ويكسبون تعاطفاً أممياً وشعبياً كبيراً.

السامييون أقوام وأعراق منتشرة في الأرض ومنهم العرب، لكن الدفاع عن السامية تذهب منافعه إلى اليهود تحديداً، والجميل في الأمر أن العرب أنفسهم يظهرون في الإعلام كأنهم ضد السامية، وهم ساميّون، وهذا ذكاء يحسب لليهود بحيث جعلوا من العرب يعملون ضد أنفسهم، فأصبحت جميع الأمم وجميع الشرائع والقوميات تدافع عن اليهودية من حيث لا تدري.

إقرأ أيضاً: الكُردية ليست معارضة!

هناك بعض الأفكار طرحتها اليهودية قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، أصبحت فيما بعد تقليداً متبعاً عند معظم الديانات والأمم، منها أولاً ان اليهود شعب الله المختار أو خير أمة، ثانياً انتظار ظهور المهدي الذي سينقذ اليهود ويبسط الأرض قسطاً وعدلاً، ثالثاً المظلومية، هذه المفردة أستطاع اليهود تسخيرها بشكل تأريخي تراجيدي، والمظلومية التي يعاني منها اليهود على طول التأريخ من قبل أعداء الدين اليهودي، لذلك يحب الله اليهود، يحبهم ويحبونه ولا يحب غيرهم والجنة ستكون خالصة لليهود من دون البشر لأنهم مظلومين دوماً حسب اعتقادهم، رابعاً اليوم الموعود الذي تخضع فيه جميع الملل والديانات لسيادة بني إسرائيل والديانة اليهودية، وهذا اعتقاد راسخ عندهم، خامساً إعطاء القدسية والتبجيل لمراجعهم الدينية والحاخامات، هذه الأفكار التي تناقلها أتباع الديانة اليهودية من جيل لآخر استنسختها معظم الديانات وكثير من الأمم والطوائف في تقليد صريح وواضح للفكر اليهودي، وكأن اليهودية هي التي تتعلم منها الديانات والأمم كيفية بناء الأفكار وبرمجة عقول عامة الناس.

إقرأ أيضاً: كردستان تواجه أسوأ مراحلها والآت أصعب

أرى أن لغة الكراهية وعدم القدرة على التعايش مع الديانات والقوميات والطوائف الأخرى هي العامل الاساس في إشعال الحروب، ولا بد من أن تنتهي لغة الكراهية قبل التفكير في أي تعايش مشترك، ولا بد من فهم تفكير الآخر لكي تخف الأحقاد وتتقارب المفاهيم، فالبشر لم يخلقوا ليتقاتلوا!