GMT 4:00 2008 الجمعة 5 سبتمبر GMT 3:54 2008 الجمعة 5 سبتمبر  :آخر تحديث

حول العلاقة بين النبي وأبو سفيان خلال الدعوة الإسلامية

باسم محمد حبيب

 لايمكننا أن نتصور أن العلاقة بين الأمويين والهاشميين انقطعت تماما بعد نزول الوحي على الرسول محمد وتحولت بالكامل إلى علاقة عداء وخلاف بحكم الغيرة وتقاطع المصالح بين العائلتين فهناك أسباب تدعونا إلى الاعتقاد بان العلاقة لم تخلو من تواصل وتعاون حتى في خضم أجواء الدعوة الإسلامية نظرا لما يربط العائلتين من رحم وقرابة كونهما ينتميان إلى جد قريب هو قصي بن كلاب ومع أن المؤرخين أطنبوا بتناول الخلاف والعداء الذي صبغ العلاقة بين العائلتين خلال معظم مراحل الدعوة الإسلامية إلا أنهم بالتأكيد اغفلوا أو تغافلوا عما كان يجري من تراحم وتعاون بدت ملامحه في أكثر من حدث أو موقف لأنهم اعتقدوا أن عوامل الاختلاف أكثر بكثير من عوامل الاتفاق متجاهلين منطق الشخصية البدوية الذي يعطي للقرابة اليد الطولى في العلاقة الاجتماعية وبالتالي فان الخلافات التي أطلقتها الدعوة الإسلامية لم تؤدي إلى قطع حقيقي للعلاقة بين الطرفين بل على العكس بدا الطرفان وكأنهما كانا يتجنبا التصادم المباشر هذا ناهيك عما جرى بينهما من تعاون في أحيان أخرى ومن الأمور التي يمكن إن تنسب إلى هذا التعاون الفرضية التي طرحت وجود جاسوس في اجتماع كبار قريش قبيل الهجرة حيث رجح البعض إن يكون هذا الجاسوس هو العباس بن عبد المطلب عم النبي وهوا مر يصعب ترجيحه لان المجتمعون لم يكونون ليامنوا العباس أصلا ليس لأنه عم الرسول وحسب بل لمواقفه المساندة للرسول طوال مكوثه في مكة ومن المحال إن يسمح المجتمعون بوصول خطة اغتيال الرسول إلى العباس وبالتالي من المرجح إن شخصا أخر هو الذي نقل هذه المعلومات الخطيرة إلى الرسول أو العباس وليس هناك شخص يمكن إن يقدم على ذلك غير أبو سفيان نفسه أولا لقرابته من الرسول حيث لايفترقا إلى بالجد الثالث وللعلاقة الحميمة التي تربطه بالعباس عم النبي ومما يبدو إن الرسول والعباس قد حفظا له هذا الجميل وأعطياه مكانة رفيعة بعد انتصار الدعوة الإسلامية إما الحادثة الثانية التي يمكن إن تسجل لهذا التعاون الخفي هو امتناع أبو سفيان عن استهداف الرسول بعد تفرق الناس عنه في احد بالرغم من محاصرة جماعته للرسول ولما عاتبه البعض على ذلك أجاب بمراوغة انه يخشى إن يستميت أصحابه في الدفاع عنه فتراق دماء لاحاجة لإراقتها!

بعد إن ثاروا لبدر وهذا منطق غريب من رجل عانى الأمرين من هذه الدعوة وكان قطب الرحى في معارضتها ومن الملاحظ إن هذه ليست المرة الأولى التي يتجنب فيها أبو سفيان مواجهة الرسول إذ سبق إن رفض المشاركة في معركة بدر متذرعا بحاجته لإنقاذ القافلة التي كاد المسلمون إن يصلوا إليها قبل إن يغير أبو سفيان اتجاه سيرها ولم يكتفي أبو سفيان بذلك بل حاول إثناء زعماء قريش عن الذهاب للحرب لعدم وجود حاجة لذلك ما يعني إن أبو سفيان لم يكن جادا لخوض معركة مباشرة مع الرسول طالما هناك من ينوب عنه في خوضها وهذا ماحصل في الخندق أيضا عندما انسحب أبو سفيان متذرعا بالظروف التي واجهها الأمر الذي أدى إلى فشل الحملة قبل إن تحقق أيا من أهدافها ومن الطبيعي إن يكون موقف الرسول متطابقا مع موقف أبو سفيان في تجنب المواجهة العائلية طالما هناك إمكانية لذلك بل وصل الأمر حد إن يكرم أبو سفيان ويطرح بيته كأحد ثلاث أماكن أمنة يمكن إن يلجا إليها الناس إثناء فتح مكة!

ومن المعلوم إن الرسول عامل مكة بطريقة مختلفة عما عامل سواها احتراما لمكانتها وصيانة لقرابته من سكانها حيث تذكر المصادر انه سال الناس ماذا تظنون إني فاعل بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فانتم الطلقاء ومما يروى انه غضب لما سمع سعد ابن عبادة الأنصاري وهو يهتف بالمسلمين اليوم يوم الملحمة اليوم تراق الحرم حيث أمر احدهم بان يهتف اليوم يوم المرحمة اليوم تصان الحرمة ولان الرسول قد توقع مثل هذا الأمر فان من المرجح انه ربما أجرى مفاوضات سرية مع أبو سفيان لأجل تجنيب مكة مصير غيرها إذ سيطالبه الأنصار وأبناء القبائل الأخرى بان يفعل بمكة كما فعل بسواها طالما امتنعت عن الدخول طواعية بالإسلام حيث يمثل الفتح بالنسبة للمسلمين مطلبا دينيا ودنيويا لما يقدمه من ثواب أخروي واغتناء دنيوي وبالتالي حسم الرسول هذه القضية بكثير من الذكاء والحنكة معلنا استسلام مكة حتى قبل دخولها جاعلا منها المدينة الأولى في الإسلام وبالطبع فان هذا القرار لم يأتي فجأة بل تم على مراحل أولها عندما جعلها قبلة للمسلمين ثم عندما أعاد طقس الحج المعمول به قبل الإسلام والذي كان الوثنيون يقومون به لموقع الحجر الأسود المقدس هذا الأمر سهل على أهل مكة التلاؤم مع الإسلام حيث أصبحوا يمتازون ب استضافتهم للكعبة وقرابتهم لرسول الله ومن المعلوم أن موقف الرسول من أهل مكة لم يصل في أي وقت حد القطيعة التامة بدليل استمرار الاتصالات بين الجانبين ثم أن هدف الرسول بعد التصادم مع اليهود اخذ ينحوا منحا مكيا ليس بتحوله من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام وجعله قبلة للمسلمين بل ورغبته في استعادة طقس الحج القديم الذي أعطى لأهل مكة أهمية لم يكن ليحسبوا حسابها ما جعلهم يعيدون النظر بموقفهم من الدعوة الإسلامية التي أعادت لهم اسمهم وتجارتهم وأصبح الحاصل في ظل الإسلام اكبر وأوفر مما كان قبله لكن يبدوا إن هذه العلاقة لم تستمر طويلا لتتلاشى في خضم صراع المجموعات الإسلامية على السلطة والنفوذ ولتتحول بالتالي إلى عداء مر أريقت من جرائه الكثير من الدماء.

باسم محمد حبيب

في أخبار