GMT 2:15 2009 السبت 20 يونيو GMT 2:16 2009 السبت 20 يونيو  :آخر تحديث

مُحلّلون لإيلاف: مطالب الإصلاح في إيران لن تنتهي

إسماعيل دبارة

أزمة الانتخابات الرئاسية بعيون تونسيّة
مُحلّلون لإيلاف: مطالب الإصلاح في إيران لن تنتهي

*الكحلاوي:"صوت المرشد الأعلى لم يكن دائما مسموعا"
*منصر:"المرشد الأعلى تجسيد لولاية الفقيه يضع عدم الامتثال له في دائرة المُحرم الديني"

إسماعيل دبارة من تونس: يتابع التونسيون نخبا وعامة كغيرهم من شعوب العالم تداعيات أزمة الانتخابات الإيرانية ومزاعم حدوث تزوير التي تحدّث عنها المرشّح عن التيار الإصلاحي مير حسين موسوي ومطالباته و أنصاره بإلغاء نتيجة الانتخابات التي أسفرت عن فوز الرئيس المنتهية ولايته أحمدي نجاد بنسبة تقرب من 63 بالمئة من الأصوات مقابل 34 بالمئة حصل عليها أقرب منافسيه الإصلاحيّ موسوي.

 

ولا حديث في تونس هذه الأيام في أوساط السّاسة و المثقفين والإعلام وحتى لدى المواطن العاديّ إلا عن الجمهورية الإسلامية التي تعيش على صفيح ساخن منذ إجراء الانتخابات الأخيرة التي أدت إلى خروج المتظاهرين إلى الشوارع ما تسبب في أحداث شغب ووقوع قتلى وجرحى.

 

مصير مطالب الإصلاح ورجالاته في إيران ،وبوادر تململ الإيرانيين من الثورة الإسلامية ومبادئها التي ظلت لوقت طويل خطّا أحمر ، ودور رجال الدين و مرشد الثورة في نظام سياسيّ معقّد ومفصّل بطريقة يندر وجودها في دول أخرى ، بالإضافة إلى انعكاسات المستجدات الأخيرة على الخارطة السياسية المستقبلية في إيران و تداعيات كل ذلك على دور الجمهوريّة الإسلامية الإقليميّ وعلاقتها بالغرب ، كلّها هواجس و تساؤلات نقلتها "إيلاف" من تونس إلى كلّ من المؤرخ والأستاذ المحاضر في الجامعة التونسية الدكتور عدنان منصر والخبير الإستراتيجي التونسيّ الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة "روتجرز" الأميركية.

 

البداية كانت بسؤال حول افتراض أنّ قائد الاحتجاج "موسوي" أقرّ بهزيمته بسبب إعادة فرز النتائج أو بتدخّل من المرشد الأعلى للثورة ، وما يمكن أن يعنيه ذلك من خيبة أمل لدعاة الإصلاح في إيران وربما نهاية الحياة السياسية لوجوه إصلاحية بارزة.

 

الدكتور طارق الكحلاوي لا يعتقد مع هذا الافتراض أنه يمكن أن تنتهي الحياة السياسية لوجوه إصلاحية بارزة تحت أي ظرف إلا إذا تم إسقاط النظام برمته. إذ إنّ الصراع الراهن يحتوي على مفارقة أساسية فهو - من جهة أولى- تعبير عن أزمة هيكلية في النظام السياسي الإيراني بما في ذلك (و لكن ليس فقط) الصراع بين الهيئات المنتخبة و الهيئات غير المنتخبة، و من جهة ثانية هو ممكن فقط لأنه صراع بين أعمدة النظام ذاته. فالسيرة السياسية و الفكرية لمير حسين موسوي مثلا مثيرة للانتباه في هذا السياق. فهنا نحن بصدد أحد الممثلين البارزين للتيار الراديكالي الثوري الذي أتى للسلطة بعد إزاحة كل التيارات التي لم يستوعبها الإمام الخميني تحت عباءته في بداية الثمانينات. و طريق موسوي إلى التيار الإصلاحي كان متعثرا إذ إنّ مساندته القوية لخاتمي سنة 1997 لم تكن ناتجة في البداية من تلاقٍ فكري بل من تلاق سياسي إذ رغب "الراديكاليون" في المساهمة في توجيه ضربة انتقامية من "المحافظين" الذين أزاحوهم من السلطة بمجرد انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية. فقط فيما بعد غيّر "موسوي" آراءه بشكل حاسم و تبنى بشكل واضح أطروحات التيار "الإصلاحي". و ليست هذه مسيرة استثنائية لدى رموز "إصلاحية" كثيرة و بالتالي فإن هناك ما يكفي من الديناميكية في الصراعات التي تشق النظام الإيراني حتى يمكن لأي وجه سياسي أن يحافظ على موقعه بتعديل دوره في سياق متغيرات التوازنات التي تشق إيران.

 

ويرى الخبير الاستراتيجيّ الكحلاويّ أنه لدينا " أمثلة على وجوه "إصلاحية" بارزة حافظت على موقعها رغم الهزات الكبيرة و الرئيس خاتمي مثال بارز على ذلك حيث ساهم بشكل مؤثر في حملة موسوي رغم فشله الواضح في تحقيق وعوده خلال تجربته الرئاسية الطويلة. أمّا رفسنجاني بوصفه وجها متحركا "براغماتيا" فيقف تارة مع "المحافظين" و تارة مع "الاصلاحيين" مثلما يفعل الآن يعكس أيضا قدرته على الحفاظ على موقعه المؤسساتي المفصلي رغم أنه يعتبر حسب الكثيرين "رجلا مكروها" في الشارع الإيراني بسبب تهم "الفساد".

 

أستاذ التاريخ المُعاصر في الجامعة التونسية عدنان منصر يرى من جهته أنّ خيبة الأمل من الإصلاحيين حصلت قبل هذه الانتخابات ومنذ بداية الفترة الثانية للرئيس السابق محمد خاتمي. وهذه الانتخابات - بنتائجها الرسمية المصرح بها إلى حد الآن - ليست إلا مرحلة جديدة من مراحل فشل الإصلاحيين كما يسمونهم، ولكنها لا يمكن أن تكون نهاية المطالبة بالإصلاحات ذلك أن الساحة الإيرانية ساحة شديدة الحراك والجبهات لا تأخذ شكلها النهائي أبدا ذلك أن إصلاحييّ اليوم أو كما يسمونهم كانوا متشدّدي الأمس، ويكفي أن نذكر على ذلك مثالي "رفسنجاني" و"مير حسين موسوي". ينبغي في نظري عدم الرّكون كثيرا إلى هذه التسميات ذلك أن مضمونها شديد التحول كما أنها لا تعني الشيء نفسه لدى الجميع. هناك مراكز قوى ومجموعات ضغط ومصالح، وحدها هذه المصالح هي المستقرة وكذلك التوازنات، أما ما عداها فمُتحول باستمرار".

 

المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي لم يخف دعمه للرئيس نجاد في أكثر من مناسبة وقبل حتى إجراء الانتخابات الأخيرة ، وذكر في خطبة الجمعة أنّ "الشعب اختار من يريد" لرئاسته، داعيا إلى وقف التظاهرات الرافضة لنتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس محمود احمدي نجاد بولاية ثانية.

 

وقال خامنئي إن "النزال الدائر في الشارع خطأ، وأريده ان ينتهي"، مشددا على انه لن يرضخ للشارع". خامنئي رحّب بفوز نجّاد قبل حتى أن يصادق "مجلس صيانة الدستور" على النتيجة ، ثم قدم تنازلا للإصلاحيين بدعوته لإعادة فرز الأصوات ،ومع هذا خرج مئات الآلاف في المدن الإيرانية للاحتجاج ما اعتبره بعض المتابعين ، بداية لتمرّد ما على السلطة المطلقة للمرشد.

 

يقول الكحلاوي:" نعم ملاحظة رئيسة لكنها لا تعبر عن واقع جديد أو مُستجد بالأزمة الراهنة. علينا أن نرجع إلى الظروف التي حفت باختيار خامنئي لموقع "المرشد الأعلى" حتى نفهم الهوة النسبية بين سلطته المعنوية و الاسمية و سلطته الدستورية. إذا قارنا دوره بدور الإمام الخميني فإن الأخير أيضا لم يكن دائما مسموعا. مثال بارز على ذلك، يهم الخميني و خامنئي في الوقت نفسه، هو التصادم الذي حصل بين الاثنين عندما كان خامنئي رئيس الجمهورية سنة 1988 و تجاهل تعليمات الخميني في سياق رفضه لقرارات "مجلس صيانة الدستور". لكن من دون شك فإنه رغم امتلاك خامنئي الصلاحيات الدستورية السابقة نفسها للخميني فإن "المرشد" الحالي كان منذ البداية جزءا من الصراع الذي يشق أجنحة النظام و ليس مصدر سلطة معنوية تحتويها جميعا في لحظات تفجر الصراع مثلما كان الخميني. فاختيار خامنئي كان نتيجة ظروف متسرعة إثر قرار الخميني سحب دعمه لآية الله منتظري قبيل وفاته بسبب نقده لممارسات النظام. خامنئي لم يكن من بين أهم القيادات الدينية إذ رغم حيازته لقب "آية الله" إلا أنه لم يكن مرجعا دينيا متميزا له أتباع مثلا بالمستوى نفسه  لمراجع إيرانية أخرى. و بشكل عام يتفق الدارسون للوضع الإيراني أن اختيار خامنئي كان مؤسسا على سيرته السياسية و حتى يمكن للقيادات الدينية أن تمارس عليه الضغط متى أرادت بناء على موقعها الديني المتميز.
ويتابع طارق الكحلاوي :"هذا الوضع أدى إلى أن شخص "المرشد" كان أقل أهمية من موقع "المرشد". و لم يكن ذلك سرا خاصة بين أعمدة النظام. و في هذا السياق لم يكن خطا أحمر مثلا أن يترشح رموز في النظام ضد المرشحين الذين يدعمهم بشكل واضح "المرشد". و هكذا فإن انتخاب خاتمي سنة 1997 كان في سياق صراع مكشوف ضد المرشح المعروف لـ"المرشد" لانتخابات الرئاسة آنذاك علي أكبر ناطق نوري و تحديا له خاصة أن ماكينة هائلة من داخل النظام عملت في اتجاه إنجاح خاتمي. و السيناريو نفسه تكرر في الانتخابات اللاحقة. فقد أصبح "المرشد" الممثل الرئيس لأحد تيارات النظام أي "المحافظين" خاصة بعد مساهمته المباشرة في تشكيل تنظيمات سياسية تابعة لهؤلاء. بل إن حتى سلطته في هذا الإطار غير مطلقة إذ هناك صراع شق "المحافظين" في السنوات الأخيرة كان محوره مجابهة تأثير "المرشد" و على سبيل المثال فإن تيار "المؤتلفة" المحافظ يأتي تحديدا في هذا السياق.

 

يخالف الدكتور عدنان المنصر رأي الخبير الاستراتيجي الكحلاوي حول هذه النقطة ، فبالنسبة إليه مسألة كلمة الخميني المسموعة دوما أو تراجع سلطته خلال هذه الأزمة ليست محلّ نقاش ويوضّح: لا أحد يشكك في سلطة علي خامنئي مطلقا فهو مرشد الثورة، وهي سياسيّا وظيفة تسمح له بالتحكم ببقية مؤسسات الدولة ذلك أن مدى سلطته واسع جدا. أما عقائديا فهو تجسيد لولاية الفقيه وهو ما يضع عدم الامتثال له في دائرة المُحرم الديني. ما ينساه كثير من الناس هو أن النظام السياسي الإيراني، على عكس بقية الأنظمة في المنطقة، يضمن هامشا معينا من الحرية يمنع الأمور من الانفجار بالطريقة التي يودها البعض، وذلك على الرغم من عدم صحية هذا التزامن والاختلاط بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. صحيح أن وضعية الحريات في إيران ليست في حالتها المثالية، ولكنها تبقى مع ذلك أوسع هامشا مما نجده لدى كل دول المنطقة التي توجه اليوم اللوم لإيران في مجال الحريات. كلمة مرشد الثورة الفقيه ستبقى مسموعة لدى أغلب الشرائح الإيرانية لأن المسألة عقائدية ولأنه هو المتحكم بتوازنات الوضع برمته وبتوزيع النفوذ بين مختلف مؤسسات الدولة".

 

ولأن كشفت أزمة الانتخابات الإيرانية الأخيرة عن تصدّع كبير داخل كلّ من النظام السياسي و المؤسسة الدينية على حدّ سواء ، فإنها كشفت أيضا عن بوادر التململ الشعبي من نظام الثورة الذي لمسه مراقبون من خلال نزول الشباب إلى الشارع ورفع شعارات يندد بعضها بالثورة الإسلامية ورموزها وما خلفته من أوضاع متأزمة كما يقول الشباب الإيراني اليافع.

 

ولا يعتقد طارق الكحلاوي أن ما يجري الآن "هو صراع بين النظام و هامشه أو ضد فئات قررت إسقاط النظام. ويقول :"ما يجري هو من دون شك مشابه لما حدث بحلول أوساط الثمانينات في القرن الماضي في "المعسكر الاشتراكي" عندما انقسمت نظم سياسية على نفسها و ظهرت نخب ترغب في التغيير و الحفاظ على النظام في الوقت ذاته. لكن من الصعب أيضا أن لا يؤدي هذا الصراع آجلا أم عاجلا في إهتراء أو ربما تفكك النظام ذاته بمعزل عن نوايا الأطراف "الإصلاحية". و من دون الوقوع في مقارنات مبالغ فيها أعتقد أن هناك سيناريوهين لا ثالث لهما بالنسبة إلى مستقبل نظام "الجمهورية الإسلامية". الأول السيناريو "السوفياتي" و الثاني السيناريو الصيني. و عموما يتمثل السيناريو الأول في وجود قيادة "غلاسنوست" تعجز عن تحقيق برامجها لتسقط تحت الضغط الشعبي و لتصعد قيادة من أوساط النظام القائم و لتتحول في خضم تحولات سريعة إلى مواقف "راديكالية" تسعى وفقها لإنهاء النظام ذاته. كان هذا السيناريو ممكنا نظريا مع نهاية العهدين الرئاسيين لخاتمي و فشل تحقيق برامجه "الانفتاحية" لكن تم إجهاض هذا السيناريو عندما استطاع "المحافظون" ليس الالتفاف على سلطات خاتمي فقط بل تفعيل الآلية الانتخابية و الخطط الاقتصادية والاجتماعية في اتجاه تثبيت دورهم الرئيس في السلطة من خلال تغيير الأولويات و التأقلم مع الوضع الجديد. و في الواقع يميل الوضع الإيراني في السنوات العشر الأخيرة و حتى هذه اللحظة إلى السيناريو الصيني و الذي يتمثل في العمل على الحفاظ على السلطة "الاستبدادية" لنخبة سياسية من خلال تركيز شعاراتها و برامجها على محور "التنمية الاقتصادية". اللافت في هذا السياق أن النخبة "المحافظة" هي أكثر من استفاد من مرحلة الانتفاح الاقتصادي خلال حكم خاتمي إذ نجحوا في تحقيق تشابك للمصالح مع نخبة رجال الأعمال الصاعدة مقابل إمساكهم بملف الدور الاجتماعي للدولة و التركيز عليه في سياق تصوير خصومهم "الإصلاحيين" كمصدر أساسي لـ"الفساد" في البلاد. و عموما أصبح مصطلح "التنمية" و "القائمون بالتنمية" مصطلحا مركزيا في الخطاب السياسي لـ"المحافظين". و هذا يتيح استيعابا لشرائح اجتماعية مختلفة و ربما متناقضة أحيانا لكنها تقدر على ضمان قاعدة انتخابية قوية و فعالة.

 

و لهذا لا أعتقد أن النبرة التحليلية للتقارير التي سادت وسائل إعلام غربية في الأيام الأخيرة مصيبة عندما تعبر عن تفاجئها بنسبة التصويت الكبيرة لأحمدي نجاد. و من دون الدخول في تفاصيل موضوع سيبقى معقدا مثل موضوع تزوير الانتخابات الإيرانية فإلى حد الآن لم يشر "الإصلاحيون" إلى اختلالات في سير الانتخابات يمكن أن تؤثر بشكل حاسم في النتيجة النهائية. و هو ما ينطبق على اختلالات مثل نقص أوراق التصويت أو عدم تمديد توقيت التصويت بعد التمديد الذي حصل أصلا و هو في حدود الثلاث ساعات.

 

أمّا عدنان منصر فيقول" هناك تناقضات داخل الفئات الحاكمة في إيران، وهذا الوضع بقدر ما هو توصيف واقعي إلا أنه ليس أمرا مستجدا هو الآخر. حصل ذلك بصفة مبكرة من عمر الثورة الإيرانية ووضع في بعض المناسبات الخميني نفسه في مواجهة رجال دين كبار آخرين. أما بخصوص التزوير فهو وإن كان أمرا وارد الحدوث مبدئيا فإنه أيضا غير متأكد، وما نسمعه من دعاية هذه الأيام في هذا الاتجاه قد يخفي في الحقيقة ما لا يريد أنصار الإصلاحيين في الداخل والخارج أن يروه، وهي الهزيمة المدوية لهم وسقوط كل المراهنات عليهم، على الأقل وقتيا. حصل تطور كبير في إيديولوجيا النظام السياسي السائد في إيران منذ انتصار الثورة، وخاصة بعد نهاية الحرب مع العراق. وهذا التحول مرتبط كثيرا بتراجع الدعاية الدينية وترسخ الدافع القومي الإيراني، ولعل الالتفاف الحاصل حول البرنامج النووي الإيراني هو التجسيد الحي لهذا التحول. ورغم ذلك فإن هناك مراكز قوى وضغط ترى أن من مصلحتها تغيير الاتجاه السائد حاليا ليس تنكرا للثورة أو تمردا على المؤسسات وإنما اعتقادا في أن نجاد بسياسته المتشددة يأخذ البلاد إلى طريق مسدود، أو طمعا في انفتاح اقتصادي يتيح تنشيط المبادلات مع الغرب وتحقيق الأرباح. في كلتا الحالتين ليس هناك تمرد على مبادئ الثورة بقدر ما هنالك تشكيك في صواب الاتجاه السياسي الحالي للدولة.

 

من جهة أخرى تذهب معظم التحليلات على أنّ الأزمة الحالية التي تعيشها جمهورية إيران الإسلامية ستنعكس بشكل أو بآخر على مستقبل علاقات هذا البلد مع الكتلة الغربية وجيرانه العرب والسعي الإيرانيّ المحموم للظفر بدور إقليميّ بارز يُحسّن شروط التفاوض مع الولايات المتحدة وحلفائها في سياق عدد من الملفات المفتوحة على رأسها الملف النووي و دور إيران في العراق وملف سجلّ إيران السيئ في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

 

ويلفت الدكتور طارق الكحلاوي النظر إلى ما سماه "الحذر الرسمي للإدارة الأميركية من الاصطفاف بشكل واضح مع "الإصلاحيين" و الاكتفاء بتعليقات حول "الشكوك" في النتائج. يتم تبرير ذلك أحيانا، حسب أحد تصريحات الرئيس أوباما مثلا، بأنه "لا فرق بين الطرفين". لكن الحقيقة أن هذا التوجه يندرج ضمن الفلسفة العامة للإدارة الجديدة و التي تملي عليها مرجعيتها "الواقعية" أخذ مسافة على الأقل رسمية من تطورات أي ساحة سياسية داخلية حتى إذا كانت "معادية" و خاصة إذا كان هناك رغبة في إجراء مفاوضات شاملة معها مثلما هو حال الرؤية الأميركية للعلاقة مع إيران. ردة الفعل الحذرة هذه بالتحديد تشير إلى الجدية الكبيرة التي توليها الإدارة الأميركية لموضوع العلاقة مع إيران. إذ هي حريصة على عدم التعويل على أي متغيرات ليست مؤكدة و يمكن أن تزيد من العراقيل في حالة إجراء مفاوضات مع طهران. و يأتي ذلك مختلفا بشكل واضح مع ما يمكن أن تقوم به إدارة بفلسفة مختلفة مثل الإدارة النيومحافظة السابقة. لكن من غير الوارد أن لا تحاول الولايات المتحدة التدخل بأشكال عملية لدعم طرف ضد آخر. و قد بعثت وزارة الخارجية إشارة في هذا الاتجاه عندما بعثت رسالة على شبكة "تويتر" تحث فيها على ضمان تواصل قدوم رسائل "تويتر" التي يبعثها "الاصطلاحيون" ومناصروهم من الداخل الإيراني في ظل التعتيم الإعلامي الداخلي. و لكن من الواضح أيضا أن الطرف الإيراني متيقظ لذلك و هو ما يفسّر الرسالة العلنية التي أرسلها إلى الإدارة الأميركية عبر القناة الدبلوماسية السويسرية ضد "التدخل في الشؤون الداخلية لإيران".

 

و عموما من الصعب أن لا تستفيد الإدارة الأميركية في أي مفاوضات قادمة من الوضع الراهن خاصة أن أحد الملفات الأساسية التي دار حولها الصراع في الانتخابات الإيرانية و لايزال هو موضوع "صورة إيران" في العالم و مدى إضرار الرئيس نجاد بالموقع الدولي لإيران. إذ بشكل عام ستفضل الإدارة الأميركية التفاوض مع "مرشد" يقع تحت ضغوط داخلية تخص طبيعة العلاقة مع الغرب على أن تفاوض "مرشدا" قويا يحظى بالإجماع.

 

أستاذ التاريخ المعاصر عدنان منصر يرى أنّ "هنالك حالة ترقب واضحة لدى جميع الأطراف المعنية بهذا الشأن، فالكل ينتظر حصول تحول ما. وإذا نظرنا في الموقف الأميركي نجد مراوحة بين العمل التحتي من أجل مساندة الاحتجاجات التي يقوم بها أنصار المرشحين المنهزمين، وبين الموقف الرسمي للبيت الأبيض الذي يلتزم نوعا من الصمت اليائس من رؤية الأمور تتحلحل في الاتجاه الذي تريده الولايات المتحدة. أما بالنسبة لإيران فهناك مسعى لربح المزيد من الوقت من أجل التقدم خطوات إضافية على درب الإنجاز النووي وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجعل من إيران قوة إقليمية كبرى ويحصنها بالتالي من أية اعتداءات واسعة في المستقبل. ما ينساه الكثيرون هو أنه لا جدال في الساحة الإيرانية حول مسألة الحق النووي، ويبدو الأمر إلى حد كبير شبيها بما وقع في باكستان حيث كانت التوازنات تتغير باستمرار والحكومات تتوالى ولكن الهدف النووي كان هاجس الجميع وباستمرار. هذه مسألة قومية وليس من السهل دفع أمة تشعر بالتهديد إلى التخلي عما ترى أنه خلاصها وضمان بقائها، بغض النظر عن صواب ذلك من عدمه. كل ما يحصل في باب ما يسمى الحوار الإيراني الأميركي هو تقطيع للوقت، ووحده تحقيق الإنجاز النووي أو مهاجمة إسرائيل لإيران يمكن أن يسفر عن تغييرات دراماتيكية".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


في