قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


في الخامس من يوليو من كل عام تحتفل الجزائر بعيدها استقلالها، ومع حلول هذه المناسبة العظيمة في قلوب الجزائريين، تُجيّش السلطات أرمادتها الإعلامية للتغني بتضحيات الشهداء الذين حرروا الأرض واسترجعوا السيادة الوطنية. وهذه النغمة حقٌّ أريد بها باطل، فثورة التحريرالجزائرية كانت ولاتزال مصدر إلهام لكل الحركات التحررية في العالم، لكن استعمال هذا الرصيد التاريخي المهم بمناسبة أو دون مناسبة ونحن نعيش الألفية الثالثة لا يخدم إلا أولئك الذين انضموا إلى الثورة في أيامها الأخيرة وركبوا الموجة بعد أن أدركوا جيدا بأن فرنسا قد اتخذت قرار سحب قواتها من الجزائر التي كانت تعتبرها مقاطعة فرنسية.

الجيل الجديد الذي لم يصله من تاريخ الثورة إلا بعض الومضات الإشهارية التي اختيرت بدقة من طرف أصحاب القرار لابدّ وأنه يقارن بين وضع الجزائر قبل 1962 تاريخ الاستقلال وبعد هذا التاريخ. ويتساءل عن الأسباب التي تقف وراء تخلف بلده على كل المستويات رغم أن اقتصادها كان في مصاف اقتصاد كوريا الشمالية في الستينات! وبعد ستة وأربعين عاما من الاستقلال أصبح هذا الجيل يرمي بنفسه في قوارب الموت هربا من بلاده نحو فرنسا التي عذّبت أجداده وسلبت أرضه؟ وإذا كان الرسول (ص) يقول أخياركم في الجاهلية أخياركم في الإسلام، فإن هذا الحديث انقلب في الجزائر فأصبح أخياركم في الثورة أشراركم في الاستقلال! هذا إذا سلّمنا بأن المتشبتين بالسلطة والمحتكرين لمصادر الثروة اليوم، هم نفسهم من كان قد ضحّى بالغالي والنفيس وآثر على نفسه لتحرير البلاد. أشك في هذا الطرح وأنحني إجلالا للشهداء الذين تحولت تضحياتهم إلى سمسرة للخلود على العرش.

وهذا يقودنا إلى تساؤلات واستفسارات لا حصر لها: عن ما حدث في مؤتمر الثوار في الصومام عام 1956 ثم عن انقلاب العسكر على القيادات السياسية، ومن ثم اغتيال مهندس الثورة عبان رمضان وعدد من رفقائه أمثال كريم بلقاسم وغيرهم. ثم عن الأحداث الدامية التي اندلعت بعد الاستقلال بين رفاق السلاح حتى خرج الشعب الجزائري في مظاهرات مُخجلة صارخا بأعلى صوته (سبع سنين بركات) أي سبع سنوات من الدماء كافية ولم نعُد نتحمّل أكثرأكثر أ. ولا أريد أن أغوص في التاريخ كثيرا لأعود إلى واقع الجزائر اليوم حيث تابعتُ خطاب الرئيس المُطول بمناسبة عيد الاستقلال لأصل إلى خلاصة واحدة لا ثانية لها.

الرئيس قال: أيها الشعب الفقير الذي ضحّيت من أجل الاستقلال ولاتزال تُضحي أوصيك بالتضحية لأن الحياة تضحية والعاقبة للمُضحّين. وياأيها الشباب الذي تريد العمل في الشركات الكبرى والوزارات والإدارات والمناصب العليا، تغلّب على هذا الطموح واهتم بالفلاحة وبالأعمال الشاقة وواجه الإرهاب الذي تسبب فيه الانقلاب العسكري لأن المناصب المهمة وخزينة الشعب ndash;منذ الاستقلال- هي رهينة

بيد مجموعة من النبلاء، دماؤها زرقاء وهي مصممة على عدم التنازل عن الامتيازات مهما يكن.

أقول للشعب الفقير كل عيد وأنت بخير ولا تحزن لأن الواقع الذي تعيشه ينطبق على السواد الأعظم من الدول العربية التي حكم فيها العسكر باسم استرجاع السيادة الوطنية، وهذه بعض الأسئلة البسيطة التي أطرحها حول معنى السيادة والاستقلال، أرجو أن تُحرك شيئا في أذهان بعض القراء:

nbsp;هل نحن مستقلون في حياتنا اليومية؟ وفي قراراتنا السياسية؟ وهل بإمكاننا أن نعتبر أي دولة تعزف السلام الوطني وترفع العلم، دولة مستقلة؟ وهل الاستقلال شعارات نُطلقها في السماء أم هو إرادة قوية نترجمها عن طريق إسهاماتنا في تطور الحضارة الإنسانية وتقدم البشرية؟ لنُلق نظرة بسيطة على أحوالنا على أرض الواقع، ونتساءل معا : هل نحن مستقلون؟

نحن نستورد القمح الأميريكي والكندي، الرز الياباني، السكر الكوبي، المعجنات الإيطالية...نركب السيارات الفرنسية، الكورية، اليابانية، الألمانية.... نلبس الثياب الصينية، التايوانية، وننتعل الأحذية الإيطالية، ونتباهى بالساعات السويسرية واليابانية. بيوتنا و طرقاتنا يشيّدها لنا الهنود والصينيون بحديد وإسمنت مستورَديْن. نركب الطائرات الأوروبية و الأمريكية -المطْليّة بأعلام دولنا- والتي غالبا ما يقودها الأجانب وتستضيفنا فيها الأجنبيات. ثرواتنا الطبيعية من غاز وبترول وفوسفات وحديد تُنقّب عليها وتُكرّرها وتُصدّرها الشركات العابرة للقارات وتأخذ منها حصة الأسد، مع عمولات ضخمة للمتنفذين. أسلحة جيوشنا روسية و أميريكية وتشيكية وفرنسية. نتابع قنوات التلفزة الفرنسية والأميريكية، أما المحلية منها فتُعرّب أفلاما مكسيكية وتركية، وتُقلد برامج إخبارية ومنوعات غربية. نتابع أخبار العالم عبر الأنترنت الأمريكي، ونستعمل الكمبيوتر الصيني أو الغربي. كُتُبنا غربيّة مُعرّبة (بكسر الراء) للتكنولوجيا والحضارة الغربية.

فالأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان، صار كوفي عنان بالعين! وكوكا كولا أصبحت مكة كولا والبيكيني أصبح بورغيني نسبة إلى البيكيني والبرقع، والبنوك الغربية أصبحت إسلامية بعد أن حلّلناها.

أما وظيفتنا: فتقتصر على التهام مالذ وطاب وإصدار الفتاوى الجاهزة أو تقليد كل ماهو أجنبي ونسبه إلينا. ما رأيكم الآن هل استقلينا أم بعد؟؟

أرجو من الذين يفكرون بأن الاستعمار سيعود بدباباته لضرب السيادة، أن يلقوا بهذه الفكرة في سلة المهملات، خصوصا بعد فشل التجربتين الأفغانية والعراقية. إذ ليست هناك دولة غربية واحدة تنشد هذا الطرح، لماذا؟ لأن سيادتنا مرهونة بتلك الدول في جميع المجالات، وإذا أردت عزيزي القارئ أن تتسلى فاذهب إلى غوغل إيرث google earth وابحث عن أي ثكنة عسكرية أو منطقة مهمة في أي دولة عربية فستظهر لك بالمليمتر المربع، وحتى مسابح الزعماء في قصورهم يمكنك مشاهدتها، لكن أنصحك بأن تزورها بعد الثانية زوالا وقت استيقاظهم!

سليمان بوصوفه