المقاهي الادبية في بغداد.. اعلنت موتها ورفعت راية الحداد
عبد الجبار العتابي من بغداد: سأعلن اليوم.. عن موت المقاهي الثقافية في بغداد، وارفع في اعلى بنايات الواقع الثقافي راية الحداد، لترفرف عاليا من اجل ان يراها من ليست لديه الرغبة في ان يرى مظهرا من اجمل مظاهر الثقافة العراقية ينتهي، اعلن موتها.. بعد ان كانت خلال المدة الماضية ميتة سريريا، كما يقال في التشخيص
كان علي من اجل ان ارسم ملامح الصورة واضحة ان ادخل شارع المتنبي، دخلته من منفذ سوق السراي الموحش في (جمعته) تلك، على غير عادته في السنوات الخوالي، حين انتهيت منه اربكني منظر مقهى (الشابندر) ببابه المغلق، الذي كان اول شيء يواجهني وانا انعطف نحو الشارع، تيبست قليلا وانا احدق في المكان، حاولت ان اشم رائحة من فتحاتها لكنني لم انجح، لكن عيوني هربت الى شارع المتنبي تقرأ في حروفه التي تتجسد بهيئته الحالية، كانت هنالك كتب مفروشة ولكن الركام المتناثر بسبب (الاعمار) الحاصل فيه قلص من انتشارها، عدت لأقف امام (الشابندر) الذي تضرر بالحادث الارهابي الذي ضرب شارع المتنبي، توجست خيفة ان اطرق الباب او ادفعه لارى ما فيه، لكنني عرفت ان المقهى مغلق منذ الحادث وانه لن يفتح ابوابه الا حين ينتهي اعمار الشارع ويتم تعويض الاضرار، واذن.. غادرها الادباء ولم تعد الطريق اليها سالكة، وليس هنالك من ادباء حوله، هذا المقهى يمتد عمره الى اوائل القرن العشرين وشهد ولادة اول اتحاد للكتاب في العراق، كان علي ان اغمض عيوني وادرك مقطعا حياتيا مما كان يعيشه المقهى، وسرعان ما ضجت روحي بالضجر، اذ استحضرت تلك الجمهرة من الادباء والكتب التي تتنقل بين ايديهم ورائحة الشاي المختلطة برائحة السكائر والذاكرة الحية للمقهى، فتحت عيوني وذهبت اقطع شارع المتنبي، لم يلفت نظري سوى الركام العارم وصوت العمل الجاري، استوقفني الكاتب والاعلامي الدكتور سعيد عبد الهادي، وسألته اين يمكنني ان اجد مقهى ثقافيا؟، ابتسم ثم تجهم وقال: (لايوجد..، لايوجد حتى مقهى واحد،فكلها انتهت، ولم يعد لها من مكان الا في الذاكرة )!!.
على طرف الشارع كان شارع الرشيد شبه خاو، فما زال طرفه المطل على ساحة الرصافي مغلقا، ليس هنالك من حركة مثيرة فيه، ذهبت الى مقهى (حسن عجمي) الذي في اول نظرة اليه اثارني سقفه المتداعي، لكنني اقتربت منه اكثر، كان هناك على رصيفه مجموعة من (القنفات) اقتعدها مجموعة من كبار السن وبعض الشباب وهم يدخنون (الناركيلة)، اما في الداخل فثمة رائحة للرطوبة و (الوخمة) من الحيطان المتصدعة والمتهرئة، ولا ضوء الا ما يأتي من اشعة الشمس من خلال (المنور)، لم اجد اديبا ولا كتابا، المنظر في مجمله كئيب ويدعو للغثيان، قبل ان اتركه اعدت النظر الى ارجائه وأضأت ذاكرتي، رحت اشير الى الامكنة، هنا مكان عبد الخالق الركابي وموسى كريدي ومالك المطلبي، وهناك احمد خلف ووارد بدر السالم وحميد المختار وخزعل الماجدي ورعد عبد القادر، وهناك يجلس سامي مهدي وخالد علي مصطفى، وهنا عبد الستار ناصر وحسب الشيخ جعفر وحسين الحسيني، ووجوه كثيرة كنت اراها واتعرف إليها في خضم ذلك المقهى الذي هو في يوم الجمعة لا مقعد شاغر فيه، فيما كان (ابو داود ) يدور صامتا حاملا الاقداح والكؤوس و(الاستكانات)، وحين انتبهت لم اجد سواي وذاك المصري (الصانع) في المقهى، (المقهى وحدها تحتاج الى رثاء / سأحاول اكتبه منفردا لاحقا)، هناك..تركت (حسن عجمي) فاغرة فاهها.
قال لي الروائي عبد الستار البيضاني: الظرف الامني هو السبب وراء غياب المقاهي الثقافية وانحسار الرواد من الادباء، لاسيما بعد حظر التجوال الذي كان يوم الجمعة ومن ثم انفجار شارع المتنبي، على الرغم من ان المقاهي كانت عامرة بروادها الادباء في غير ايام الجمعة، ولكن بحكم العادة الناس تعودت على شيء وتحتاج الى نوع من الادامة، وطقوس يوم الجمعة هي عادات للناس، ومنها عادة ارتياد المقاهي الثقافية، ولا ننسى الوضع الاجتماعي للعديد من الادباء كالشتات حيث اغلب الشخصيات التي كنا نجدها دائما راحت، فما عادت للمقاهي رموزها، ونحن نعرف مثلا ان مقهى الزهاوي رمزها الشاعر الزهاوي ومقهى حسن عجمي رمزها الشاعر الرصافي وهكذا، واضاف البيضاني: وهناك سبب اخر في انحسار المقاهي الادبية الا وهو الوضع الثقافي الهش، هذه الهشاشة لا تخلق مناخات مثل اقامة الاحتفاليات والندوات، وتلك طقوس الوضع الثقافي الجيد، فأنا اتذكر ان المقاهي كانت تزدحم وقت الظهر في اغلب الايام ومنها يوم الاربعاء حيث تشهد المقاهي زحاما وفي العصر نصعد باص رقم (4) من ساحة الميدان الى ساحة الاندلس حيث اتحاد الادباء الذي تقام فيه امسية ادبية، الان لا يوجد مثل هذا النشاط، وكما قلت بسبب الوضع الامني غير الجيد والوضع الثقافي الهش.
البيضاني قال ايضا حول مسألة مقاهي الانترنت التي قد تكون اخذت الادباء من مقاهيهم الثقافية: لا اعتقد ذلك، واعرف ان الكثير من الادباء لايزالون لم يعرفوا العمل بالحاسوب والنت، ولا اعتقد انهم يفضلونه على المقهى الثقافي، ثم ان من لديه نت يكون الليل الوقت المفضل لديه للمطالعة او التصفح.
انسحبت خطوات الى الوراء كي ارى المقهى كاملا، شعرت بالحزن، ان هذا المقهى الذي كانت الحركة فيه دائبة والادباء يضيئونها اصبحت موحشة، تحركت ببطء نحو اللاشيء، احاول ان اضبط ماهاج في ذاكرتي، لكنني خطوت خطوات بأتجاه مقهى (ام كلثوم) عسى ان اجد فيها ما ابحث عنه لاسيما انها لم تعرف كمقهى للادباء ولكن هناك ادباء يرتادونها طمعا في سماع صوت السيدة، دخلتها ومشيت كل المسافة فيها وانا اعاين الوجوه لالتقط وجه اديب اعرفه، اضجرني صوت (الدومينو) ثم سألت احد العاملين فيها عن الادباء فقال: ما عادوا يأتون اليها كما في السابق والظاهر ان الوضع الامني له تأثير مباشر في ذلك، فالاديب الذي بيته في منطقة (الشعب) مثلا لا يمكنه المجيء وقطع كل تلك المسافة للجلوس في المقهى، ربما الزحام والمشاكل الامنية تعرقله، لذلك لااحد يأتي، ثم ان الوقت سيئ وقصير وليس كما في السابق الذي يمتد الجلوس في المقهى الى الليل وفي منطقة مثل هذه المنطقة.









التعليقات