قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أوائل هذه السنة، زار الكاتب البيروفي الأشهر ماريو بارغاس يوسّا إسرائيل. وقد كان الكاتب زارها ثلاث مرات قبل ذلك، وحيداً أو برفقة ابنته المصورّة الفوتوغرافية مورغانا. الزيارة، كما كتب جدعون ليفي في صحيفة quot; هآرتس quot; قبل أيام، quot; تكاد تكون سرية quot;. إذ حرص الرجل على عدم الاتصال بأيّ من المسئولين الرسميين، باستثناء شمعون بيرس. وآثر، في المقابل، أن يعتمد على مشاهداته الشخصية، وجولاته الميدانية، ولقائه بالناس وببعض المثقفين مِن الجانبيْن. توطئة لكتابة هذه الرحلة، في كتابٍ ربما أو مجموعة مقالات. مثلما فعلَ من قبل، حين دوّن انطباعاته وتأملاته عن زيارته الثالثة، في سلسلة من المقالات الصحفية نشرها في صحيفة quot; إلباييس quot; الإسبانية المرموقة.
لهذا السبب، لم يسمع معظمنا بالزيارة، ولولا مقال ليفي، لما انتبه أحد.
يوسّا [71 عاماً] زار القدس بقسميها، وحيفا ورام الله والخليل وربما بعض المدن الأخرى، لكنه لم يزر غزة، كما أشار ليفي. فغزة لا تُزار الآن، والسبب ببساطة يكمن ربما هناك في إسرائيل، لا هنا. فإسرائيل لا تسمح لأحد في وزن يوسا ولا للأقلّ منه شأناً، أن يدخل غزة، ليرى ما تفعله هي هنا. إنها أشدّ فطنة من أن ترتكب هذه الحماقة.
ومع أنّ يوسّا يُعتبر صديقاً لإسرائيل، في المحافل الإسرائيلية، إلا أنه، وكما يليق بكل كاتب كبير، يظلّ صديقاً للحقيقة أولاً وتالياً، ومن هذه النقطة بالأخصّ، نحن نعتبره صديقاً لفلسطين، ومن هذا المنطلق نكتب عنه الآن.
يوسّا جاء لزيارة البلاد، ليرى بأم عينه، ما طرأ عليها من تغيّرات وتبدلات، بعد زيارته الثالثة قبل سبعة أعوام. جاء ليكتب شهادته، بغض النظر إن كانت هذه الشهادة ستغضب هذا الطرف أو ذاك. والأرجح أنها ستغضب حكومة إسرائيل، مثلما أغضبتها سابقاً.
لقد كنا نتمنى أن يزور صاحب [حرب نهاية العالم] و[البيت الأخضر] قطاع غزة. فهذا الكاتب الحاصل على جائزة سرفانتس والمتوقع له الحصول على نوبل الآداب، كان سيكتب الكثير عما سيسمعه وسيراه في غزة: غزة التي حولتها إسرائيل إلى معسكر اعتقال نازي. لكنه لم يزرها، ولا نعرف السبب بالضبط: هل هو رفض الحكومة الإسرائيلية للزيارة، أم تغاضيه هو عنها، خوفاً من الإحراج، بسبب وجود حماس.
عموماً، نحن نثق بضمير هذا الكاتب، وبولائه للحقيقة. ونثق أنه سيقول كلمته الخاصة، عن الواقع الفلسطيني الأكثر هولاً من الخيال، بعيداً عن شبهة التأثير. فهو ليس في [جيب] أحد. ولا أحد يستطيع وضعه في جيبه.
نتذكّر ليوسّا بعضاً من المقالات الموبّخة لحكومة إسرائيل. نتذكّر له حديثه عن [إرهاب الدولة] وحديثه العميق عن راشيل كوري المناضلة من أجل الإنسانية، وموتها الفاجع دهساً تحت جنازير الجرافة المرقطة في رفح.
نتذكّر له وقوفه الصلب ضد كل الديكتاتوريات في العالم. ونتذكّر في هذا السياق، عمله الروائي الكبير [حفلة التيس].
إنّ يوسّا روائي البيرو الأول، وأحد سادة الأدب في أمريكا اللاتينية، والكاتب العالمي، هو صوت مسموع الآن، صوت له صدى. ولذلك نتوقع لهذه الزيارة أن تترك أثراً ما حين يكتبها. خصوصاً أنها سبقت زيارة عَلَم موسيقي عالمي آخر لرام الله هو اليهودي دانيئيل بارنبويم، صديق وشريك الراحل إدوارد سعيد.
تحية إلى الاثنين، وإلى كل مَن زار هذه البلاد، من الأدباء والفنانين، فعرفَ كيف يصطاد الضوء من بين مخالب العتمة. تحية أيضاً إلى خوان غويتسيلو وسراماغو وراسل بانكس ولآحاد غيرهم، زاروا فلسطين وإسرائيل، في العقد الأخير، وكتبوا ولاءهم للحقيقة، جاعلينه ولاء فوق كل الولاءات.
فلقد انتهى زمن تزييف الحقائق. وزمن التأثير المباشر على ضمير المبدع. كما حدث سابقاً مع جان بول سارتر في أواخر حياته، وكذلك مع خورخي لويس بورخس. حين زار هذان الاثنان البلاد، وانحازا بهذه الدرجة المؤلمة أو تلك إلى إسرائيل، على حساب الحقيقة التاريخية، وعلى حساب الضحية.
الآن لا يمكن إخفاء الحقائق. وعليه، فلا يمكن إخفاء المواقف أيضاً.
تحية إلى يوسّا، وتحية إلى جدعون ليفي وزميلته عميرة هاس من صحيفة هآرتس. الأول لمواقفه من الصراع والثانية لشجاعتها وجرأتها في قول الحقيقة. والثلاثة معاً لرغبتهم السامية في أن يكونوا شهودَ عدلٍ على هذا العالم الظالم.
كلمة أخيرة إلى السيد يوسّا: لو جئت إلى غزة [وأناشدك أن تفعلها في زيارتك القادمة] وعشت ما نعيش، لخجلتَ من انتمائك إلى الجنس البشري. هذا الجنس صاحب المزاعم الكبيرة في الرقي والتحضّر عن سواه من الثدييات. فالحقيقة يا سيدي، أنّ حكومة أولمرت، تعاملنا نحن سكان القطاع، كما لو كنا من جنس ثالث، لا بشراً ولا حيوانات. بل شيء أقل مرتبة من الإثنين. أقول لك هذه الكلمات الآن على وقع مجزرة تحدث للتوّ في حي الزيتون المكتظ بغزة. إني أسمع هتافات البسطاء في الشوارع، ومنهم أستقي المعلومة: مجزرة خلّفت 19 شهيداً و50 جريحاً. مجزرة صغيرة تُضاف إلى أرشيف المجازر اليومية. مجزرة يقوم بها أولمرت من أجل بقاء اليمين المتطرف في حكومته: من أجل عيون ليبرمان. ومن أجل ألا يزيحه تقريرُ فونوغراد الذي سيصدر نهاية هذا الشهر عن كرسي رئاسة الوزراء.
هل ترى؟
نحن إذاً رهائن في يد أولمرت. وموتنا مباح إذا اقتضت الحسابات الإسرائيلية الداخلية ذلك. فنحن هنا جنس ثالث لا قيمة له، أو ربما، نحن جماد كالجماد.
حقاً وكما قلتَ أنتَ لجدعون ليفي: quot;لقد وصلت إسرائيل الآن إلى أبشع مراحل الاحتلال quot;.
أي بمعنى أدقّ: إلى الإفلاس الإنساني والأخلاقي. وهي مرحلة من الصراع، من حق ضحاياها التاريخيين حين يصلوا إليها، ألا يثقوا بأي وعد، بغض النظر صدرَ هذا الوعد عن زعيم صغير أو عن أكبر وأقوى زعيم في العالم!

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف، تسبب ملاحقة قانونية