قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كشفت الأزمة الراهنة بشأن ملف حقوق الانسان، بين البرلمان الأوروبي والدوائر الرسمية في مصر، عن وجود quot; عطل في الاتصال quot;، حسب تعبير هابرماس . وسبب هذا العطل في تصوري هو أن هذه الدوائر لاتزال تستخدم نفس الآلة المفاهيمية والتأولية المستهلكة، التي لم تعد صالحة لفهم ما يحدث، ناهيك عن التنبأ به، فقد جاء رد الفعل quot; العصبي quot; للحكومة المصرية من منطلق عدم توقعها أن يصدر قرار بهذه القوة وهذه القسوة في اللغة وفي اللهجة المستخدمة من البرلمان الأوروبي.
كما كشف الفشل الذريع في إدارة هذه الأزمة، أن المسألة أكثر من مجرد عطل في الاتصال، إنه quot; خرق quot; آخذ في الاتساع في المنظومة الفكرية التقليدية، في طريقة فهمنا وتأويلنا لمفردات ودلالات عصر جديد، داهمنا علي حين غرة، خاصة فيما يتعلق بمفهوم quot; السيادة quot; الوطنية أساسا.
ويبدو ان المشكلة عندنا، لاتزال، تتمثل فيrlm;(المطابقةrlm;)rlm; بين سيادة الدولة وبين قدرتها علي أن تفعل ما تشاء rlm;، بينما القول بأن الدولة ذات سيادة لا يعني انها تستطيع ان تفعل ما يحلو لها rlm;،rlm; أو أنها متحررة من تأثير الآخرين .rlm; فقد تكون الدولة ذات السيادة مضغوطة من كل الجوانب، ومضطرة لان تتصرف بطرق كانت تود ان تتلافاهاrlm;، ولا تستطيع بالكاد ان تفعل أي شيء بالضبط كما تريدrlm;.rlm;
ان سيادة الدولة لا تنطوي مطلقا علي انعزالها عن آثار أفعال الدول الأخريrlm;،rlm; فليس هناك تناقض بين ان تكون الدولة ذات سيادة وان تعتمد علي الآخرين في الوقت نفسهrlm;.rlm; فنادرا ما تعيش الدولة ذات السيادة حياة حرة سهلة..rlm; كما لا تعني سيادة الدولة، أن تتنصل من التزاماتها وتعهداتها أمام الدول الأخري، أو أن تنتقي ما تشاء من هذه التعهدات لتطبقه، وتغض الطرف عن ما لا تريده، متي تشاء وكيفما تشاء. ان القول بان دولة ما ذات سيادة يعني فقط انها تقرر لنفسها كيف تعالج مشكلاتها الداخلية والخارجيةrlm;، في ضوء التزمانها الدولية وليس خارجها.rlm;
اليوم يعتبر كثير من الباحثين والمنظرين السياسيين ان مبدأ السيادة ليس معاكسا لتطور النظام الدولي فحسبrlm;، بل انه مضلل ايضاrlm;، لان جميع الدول مخترقة بصورة أو بأخريrlm;،rlm; ويجادلون بأن التطورات الاندماجية (التكامليةrlm;)rlm; مثل الاتحاد الأوروبيrlm;، والعملية برمتها المقترنة بالترابط والتداخل المعقد في ظل العولمة، جعلت ممارسة السيادة rlm;(ان لم تكن الفكرةrlm;)rlm; تنطوي علي مفارقة تاريخية أكثر تعقيداrlm;.rlm;
أضف إلي ذلك ان المشكلات والأزمات والتحديات الجديدة في العالم تتطلب نظاما لا مركزيا عالميا يرتكز علي دوائر أو مستويات أوسع من حدود وقدرات الدولة القومية ذات السيادة، بالنسبة إلي بعض الأمورrlm;، وأضيق من هذه الحدود والقدرات في أمور أخريrlm;، أو قل ان الدولة أضحت اليوم أصغر كثيرا من ان تقدر علي الأشياء الكبيرة، وأكبر كثيرا من ان تقدر علي الأشياء الصغيرةrlm;.rlm;
أكثر ما يغيب عن صانعي القرار في مصر، في الفترة الأخيرة، هو أن الخط الفاصل الذي كان يميز بين الصراعات الداخلية والصراعات الدولية قد اختفى, أو أوشك على الاختفاء، وهو الخط الذي بقي واضحاً طوال القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب الباردة, إلى حد كبير. وميز العلاقات الدولية، وبموجبه كان الجميع يعرفون قواعد اللعبة التي تم الاتفاق عليها بدءاً من معاهدة quot;وست فالياquot; 1648.
فإذا كان نظام الدولة القومية الحديثة، اعتمد اساساً على مبدأ quot;السيادةquot;، وفقاً لوست فاليا، التي ربطت كلاً من السيادة القومية والهوية الوطنية بالصفة الإقليمية، أو قل ربطت السلطة بالمكان، وأصبحت للدولة حدود معترف بها من جانب الدول الاخرى، فإن هذا الأمر ظل على هذا المنوال حتى ظهر الناشطون غير الحكوميين الذي انتشروا في الأنظمة الدولية بسرعة رهيبة، مما أدى الى التقليل من شأن مبدأ quot;السيادةquot; نفسه عن محيط التأثير في النظام الدولي .
لقد حل الاستقلال (استقلال هؤلاء الناشطين) محل السيادة، وصار الأفراد والمؤسسات والحركات يناضلون من أجل نيل حريتهم واستقلالهم عن سيادة الدولة، بل التنافس مع الدولة في الهيمنة على المواضيع الساخنة، والتسابق في إبرازها أمام العالم عبر وسائل الإعلام والاتصالات.
ولأن أهداف تلك الأطراف المستقلة عن الحكومات لا ترتبط بمكان معين أو اقليم محدد، فإن مسألة quot;السيادةquot; الاقليمية اصبحت غير ذي بال، اذ أن اهدافاً مثل حماية البيئة او حقوق الانسان او الحرية الدينية لا تتطلب سيادة على منطقة معينة، بقدر ما تتطلب سيادة من نوع آخر: هو هيمنة هذه الأطراف على تلك الأهداف وترويجها إعلامياً.
هكذا تآكلت quot;السيادةquot; على جميع الجبهات, خصوصاً مع تطور حقوق الانسان, ومعايير التدخل لأسباب إنسانية، بل إن البعض يرى أن نهاية نظام الدولة الوست فالي وبداية عصر ما بعد وست فاليا مرتبط بانقضاء فكرة quot;السيادةquot; أساساً.

أستاذ الفلسفة جامعة عين شمس
[email protected]

اية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه