قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لقد ضمن الراحل شوئن لاي، رئيس وزراء الصين الشعبية، مكاناً له في التاريخ، لا لأنه كان رئيساً لحكومة أكبر دولة معاصرة من حيث عدد السكان ومساحة الأرض فحسب، وإنما لجملة واحدة قالها عندما سئل عن رأيه في الثورة الفرنسية فأجاب: " مائتا سنة فترة قصيرة في التاريخ لإصدار حكم على ثورة". طبعاً من السخف القول بأننا يجب أن ننتظر مائتي سنة لإصدار حكم على التدخل الأمريكي في العراق وإسقاط النظام الفاشي فيه، ولكن من السخف أيضاً أن نصدر حكماً قاطعاً بعد مرور عام واحد فقط على فشل تلك العملية التاريخية الكبيرة، خاصة وإن هذه العملية مازالت مستمرة وقد حققت الكثير من أهدافها الخيِّرة وعلى رأسها تحرير الشعب العراقي من أسوأ نظام همجي في التاريخ المعاصر

منذ مدة، ونحن نطالع بلا انقطاع، مقالات يدبجها العديد من الكتاب بدافع مصالحهم الشخصية وارتباطاتهم المشبوهة بإيران وسوريا وغيرهما من الدول والمنظمات الفاشية والإرهابية الحاقدة على الشعب العراقي التي لا تريد الخير له، يواصل هؤلاء ترديد مقولاتهم حول "فشل" أمريكا في العراق أو العثور على سلاح الدمار الشامل..الخ. لقد سمعناهم يرددون هذه الأقوال حتى وقبل بدء الحرب على نظام المقابر الجماعية حيث روجوا أن الحرب ستفشل في إسقاط النظام وأن صدام سيصمد ويلحق الهزيمة بالقوات "الغازية" وسيتحول العراق إلى مستنقع فيتنامي جديد يمرغون به كبرياء وغرور أمريكا (كذا). إن أقل ما يقال عن هذه الأقوال أنها مجرد أفكار رغبوية wishful thinking تعبر عن رغبات أصحابها وأمنياتهم بإفشال تحرير العراق. وكما فشلوا في منع وقوع الحرب على صدام وسقوطه كذلك سيفشلون في إيقاف عملية بناء العراق ودمقرطته ونؤكد لهؤلاء السادة أن أمريكا لم ولن تفشل في العراق، والعراق لن يكون فيتنام وما ترددونه ما هو إلا أمنية من أمانيكم الشريرة التي سوف لن تتحقق لأنه كما يقول المثل (التمني رأس مال المفلسين).

يواصل هؤلاء حملتهم في تشويه الحقائق لتضليل الرأي العام على طريقة أساتذتهم الأوائل، أحمد سعيد وهيكل والصحاف (أبو العلوج)، والإدعاء بأن غاية أمريكا من احتلالها للعراق هي سرقة ثرواته النفطية واستعباد شعبه وتغيير خريطة المنطقة السياسية لصالح إسرائيل وأن مائتي ألف إسرائيلي هاجروا إلى كردستان العراق واشتروا الأراضي الغنية بالنفط ورجال الموساد يواصلون نشاطاتهم في العراق واشتروا العمارات الضخمة والفنادق الفخمة في بغداد وغيرها من المدن العراقية كمراكز لنشاطاتهم التجسسية، بل راح البعض منهم إلى حد القول أن السيد جلال طالباني، زعيم حزب الإتحاد الوطني الكردستاني، قد سافر إلى تل أبيب والتقى شارون ... إلى آخر المعزوفة النشاز التي مللنا سماعها وأثبت الزمن بطلانها. طبعاً المبتغى من هذه الحملة المسعورة هو تبرير الإرهاب بحجة المقاومة وإلحاق الدمار بشعبنا وإفشال مشروع الديمقراطية في العراق والمنطقة لتبقى الأنظمة الداينصورية المستبدة المتحجرة متسلطة على رقاب شعوبها ولكن هيهات، فقد دقت ساعة التاريخ ورياح التغيير لابد وأن تشمل المنطقة كلها، شاء هؤلاء أم أبوا، فللتاريخ منطقه الخاص الذي لا يقهر.

مشكلة هؤلاء السادة أنهم يكتبون ويصرحون أكثر مما يقرؤون، فكما قال موشي ديان مرة في وصفه للعرب (أنهم لا يقرؤون وإن قرؤوا لا يفهمون وإن فهموا لا يطبقون). فمن أين لهؤلاء الكتاب من والوقت الكافي ليقرؤوا وكل واحد منهم يدبج يومياً ثلاث إلى تسع مقالات تحريضية ضد العراق، إضافة إلى ظهورهم المتواصل في فضائيات الملثمين يؤلبون على شعبنا ويمجدون الإرهاب ويصفونه بأنه مقاومة وطنية مشروعة لتحرير العراق والعروبة والإسلام من الصليبيين؟

لا نستغرب أن تصدر هذه الحملات من أعوان النظام الفاشي المستفيدين من هباته التي انقطعت عنهم منذ سقوطه الأبدي، ولكن الغرابة أن يشارك بها ضحايا هذا النظام. نعم استغربت وأنا أقرأ مقال للسيد نجاح محمد علي الذي شرده النظام والمؤسف أنه مستميت في الدفاع عن حكم الملالي الإيراني حتى ولو على حساب شعبه العراقي، قرأت له في إيلاف يوم 24 تموز 2004 مقالة بعنوان: (متى يلعب الحكم العراقي الجديد دوراً إيجابياً...) يبدأ بالقول: " فشلت أمريكا في العراق ولكنها انتصرت في أفغانستان حين تمكنت من الحصول على ذرائع مقنعة بشن الحرب على حكومة طالبان وتنظيم القاعدة هناك، وأخفقت حتى الآن في تبرير إسقاطها لنظام صدام حسين عن طريق الغزو العسكري". فلو كان الكاتب حريصاً على مصلحة شعبه لرحب بإسقاط الفاشية ولكنه كغيره من ضحايا التضليل أو المصالح الشخصية، راح يركز على (سلاح الدمار الشامل) كذريعة لإسقاط النظام وإلا فقد فشلت أمريكا في ذلك. لقد دافع الكاتب عن التدخل الأمريكي في أفغانستان وأنكره على العراق، وهذا يعكس موقف النظام الإيراني من ذات العملية في البلدين، علماً بأن النظام البعثي الصدامي كان أسوأ بكثير من حكومة طالبان وأكثر خطورة على أمن وسلام المنطقة والعالم. حقاً وكما وصفهم الكاتب التنويري كامل السعدون، أنهم (إيرانيون أكثر من أحفاد كسرى…!).

وكعراقي، أعتقد جازماً أن صدام حسين وحزبه الفاشي كانا أسوأ سلاح الدمار الشامل، حيث استخدم صدام السلاح الكيمياوي في الثمانينات ضد الجيش الإيراني في حربه على إيران وحتى ضد شعبه في حلبجة وعرب الأهوار، وفي عمليات الأنفال كما هو معروف للقاصي والداني. وعدم العثور على هذه الأسلحة في الوقت الحاضر لا يعني عدم وجودها وليس مستبعداً كشفها في المستقبل القريب أو المتوسط. أما مواصلة الجدال حول عدم العثور على هذه الأسلحة لتبرير إسقاط الفاشية في العراق فليس له أية قيمة عملية، بل مجرد سجال بيزنطي عقيم يصر عليه أعوان النظام من مثقفي الكوبونات النفطية ومن أعداء أمريكا من القوى اليسارية واليمينية الفاشية الجديدة في أوربا بدافع الأيديولوجيات المتحجرة. فلماذا يسقط السيد نجاح وغيره بهذا الفخ وهو أحد ضحايا الفاشية الصدامية؟

ويواصل الكاتب أسلوبه التحريضي ضد القوات التي حررت الشعب العراقي من نظام القتل والمقابر الجماعية ذارفاً دموع التماسيح على أطفال العراق وسجناء أبوغريب قائلاً: " وبإمكان المرء أن يتساءل وهو يشاهد صور التعذيب في سجن أبوغريب، ويقرأ حكايات اغتصاب الأطفال والنساء والرجال أيضا من قبل قوات الاحتلال،....". لا أدري من أين استقى ".. حكايات اغتصاب الأطفال والنساء والرجال من قبل قوات الاحتلال.." أقول للكاتب العراقي المقيم في طهران أن من يدافع عن النظام الإيراني هو آخر من يحق له انتقاد الأمريكيين على ما جرى في أبوغريب، لأن الذي جرى في هذا السجن البغيض لم يكن سياسة عامة في النظام الأمريكي بل هو حدث طارئ قام به عدد قليل من المنحرفين من الشرطة الأمريكية المسؤولين عن السجن والذي كشف عن هذه الجريمة البشعة هم الأمريكان أنفسهم وقدموا الجناة للمحاكمة لنيل جزائهم العادل. ولكن ماذا نقول عن نظام يدعي أنه نظام إسلامي، جاء ليطبق الشريعة الإسلامية السمحاء وقد جعل من التعذيب سياسة عامة للدولة ضد الأطفال والشيوخ والنساء... وقد سمع العالم عن تعذيب الصحفية الكندية من أصل إيراني، زهرة كاظمي، في السجن حتى الموت بسبب التقاطها صورة لسجن في طهران؟ والأنكى من ذلك أن برأ القاضي الإيراني ساحة القاتل.. فهل هذه عدالة الحكم الإسلامي في إيران؟. وهناك قصص عن التعذيب في السجون الإيرانية أسوأ من الكوابيس والسيد نجاح محمد علي يعرفها جيداً.

ولكي لا نظلم الكاتب، يبدو أنه كتب مقاله هذا تحت ضغط الإيرانيين. فبعد كل هذه المقدمة واللف والدوران، يتوصل إلى بيت القصيد حيث يطلب من الحكومة العراقية التوسط لدى أمريكا لكي تعفي النظام الإيراني من ضربة ماحقة مماثلة لتلك التي وجهتها للنظام البعثي في العراق. فيقول: ".. ايران وهي إحدى أضلاع مثلث الشر امريكيا الى جانب العراق القديم، وكوريا الشمالية، تخشى أن يتحول العراق الى منصة لاطلاق اشارة بدء الحرب عليها، .." وهذا طبعاً اعتراف على مساعي النظام الإيراني المحمومة لإفشال عملية تحرير العراق من الفاشية، فيطرح المقصود من مداخلته قائلاً: " وبإمكان أصدقاء إيران في الحكم العراقي الجديد، وأصدقاء أمريكا أيضا لعب دور بناء لايجاد نوع جديد من العلاقة بين طهران وواشنطن، بدلا من التهديد بنقل الارهاب الى الاراضي الايرانية، لتبقى بذلك شعلة العداء التقليدي العراقي الايراني، والتي أضرت كثيرا بالبلدين وبالمنطقة وبمجمل النظام العالمي الجديد... اليس كذلك؟".

ونحن إذ نجيب بنعم وهو كذلك، ولكن الكرة الآن في الساحة الإيرانية. فهل توقَّف الإيرانيون عن إرسال المخربين إلى العراق؟ يبدو أن تهديدات وزير الدفاع العراقي السيد حازم الشعلان ووزير الداخلية السيد فلاح النقيب في نقل الإرهاب إلى الدول التي ترعاه، قد أثارت مخاوف الملالي في طهران، وهذا يبشر بالخير. وبالمناسبة نطالب المسؤولين في الحكومة العراقية بالمزيد من الصراحة والشفافية للكشف عن الإرهابيين ومن وراءهم وأن لا يتستروا على الدول التي ترعى الإرهاب في العراق بدافع المجاملات، فالمصلحة الوطنية تقتضي فضح تلك الدول وعدم التأخير في محاكمة من يتم القبض عليهم من الإرهابيين وإنزال أشد العقوبات بحقهم. لقد حول الجناة بلادنا إلى جحيم لا يطاق، كل ذلك من أجل إعادة حكم صدام حسين المخلوع.

نعم، بإمكان النظام الإيراني تحسين صورته وبناء علاقة حسنة مع العراق وأمريكا وكل العالم، فقط إذا تخلى عن دعم الإرهاب في العراق. أما إذا ركب حكام إيران من الملالي رؤوسهم وأصروا على تحقيق أحلامهم الدونكيشوتية بحرق العراق وتحويله إلى مستنقع يمرغون به غرور أمريكا، كما يصرحون في خطبهم المعلنة باستمرار، فعليهم أن يعيدوا النظر في حساباتهم جيداً، ويعلموا أن الحرائق التي يسعون لإشعالها في العراق سوف تصلهم وتحرقهم عن بكرة أبيهم، وننصحهم أن يتعلموا من تجربة صدام حسين الذي كان بإمكانه إبعاد كل هذه الكوارث عن نفسه وعن الشعب العراقي، بمجرد لو أصغى إلى صوت العقل واتخذ بالنصائح التي وجهت له من قبل العقلاء، أن يواكب الركب الحضاري ويتخلى عن اضطهاد شعبه وتهديد أمن المنطقة ودعم الإرهاب....

فلكي ينجو النظام إيران من ذات المصير الذي لقيه نظام البعث الفاشي في العراق عليه أن يوقف إرسال الإرهابيين إلى العراق ويتوقف عن اضطهاد شعبه وبدلاً من صرف المليارات على الإرهاب وبناء الترسانة النووية، عليه أن يصرف هذه المبالغ على تحسين الأحوال المعيشية للشعب الإيراني وتقدمه ويعمل وفق منطق التاريخ ... أليس كذلك؟؟؟