قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

* سعيدان الهارب من الموت يتهم قناة الجزيرة.
* تأييد الغرب لقضايا العرب يضعُـف بعد عرض الشرائط.
*واشنطن لا تتهم الفضائيات العربية لأنها تُقدم لها خدمة كبيرة.
*المسلمون يلعبون الكرة برؤوس إخوانهم المقطوعة.

يقول المفكر الأمريكي هربرت شيللر في كتابه الشهير ( المتلاعبون بالعقول):" إن السيطرة علي البشر لم تعد في الوقت الحاضر تعتمد علي استخدام القوة بل أصبحت تحتاج فقط للاستخدام الموجه للكلمات والصور، واستمرار السيطرة علي الشعوب يحتاج الآن للإعلام قبل القوة "، هذا الكلام ينطبق إلي حد كبير علي ما تقوم به بعض القنوات الفضائية العربية منذ بضعة سنوات، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وإن كنا لا نعلم بالتحديد لمصلحة من، لكننا نستطيع أن نُـجزم بأنه ليس لمصلحة العرب ولا لمصلحة المسلمين بشكل عام، ونقصد هنا بالتحديد ظاهرة شرائط الفيديو والكاسيت التي تعرضها هذه الفضائيات، وتتضمن رسائل من جهات متهمة أو موصوفة بالإرهاب والتطرف الإسلامي، أيا كان هذا الاتهام باطلا أو عن حق، فهذه ليست قضيتنا هنا، وإنما قضيتنا هي عرض هذه الشرائط.



الرهينة الهارب

و مما يدعو لإثارة هذه القضية الآن بالتحديد حادثة وقعت منذ أيام، وذلك عندما قامت جماعة من الجماعات التي تُطلق علي نفسها مسميات إسلامية في إطار ما يُسمي بـ " المقاومة العراقية " باختطاف المواطن السعودي "سعيدان سعدون "، وصورت شريط فيديو تهدد فيه بقتل سعيدان، و عرضت قناة الجزيرة الشريط في الخامس من يونيو الماضي، ثم استطاع سعيدان الهروب بعد أن هاجمت قوات أمريكية موقع هذه الجماعة، وعاد سعيدان لوطنه ليُعلن أن الجماعة التي اختطفته دعت مصور قناة الجزيرة إلي مخبأها ليصور الشريط الذي عرضته القناة، وهذا يعني أن قناة الجزيرة علي اتصال بهذه الجماعات وتعرف مواقعها جيدا ولا تُبلغ أية جهة أمنية لإنقاذ هذه الرهائن، و كلف سعيدان محاميه برفع دعوى قضائية ضد قناة الجزيرة، و أنكرت قناة الجزيرة ما قاله سعيدان وقالت أنها تلقت الشريط من إحدى وكالات الأنباء الأجنبية، رغم أن الجزيرة عادة تقول عند عرضها لمثل هذه الشرائط أنها تلقتها من جهات مجهولة، و أحيانا تتخبط وتقول أن الجهة خصّت قناة الجزيرة دون غيرها بهذا الشريط، ولا تفسر لنا لماذا وكيف تم هذا التخصيص.



نموذج العربي

أيا كان ما ادعاه سعيدان ضد قناة الجزيرة صحيحا أو كذبا، وأيا كان دفاع قناة الجزيرة عن نفسها فإن قضيتنا هنا ليست حادثة سعيدان وليست فقط شرائط الرهائن المختطفين في العراق، بل كل الشرائط التي عرضتها ومازالت تعرضها قناة الجزيرة وغيرها من الفضائيات العربية، و نتساءل هنا : ما هي الرسالة الإعلامية والسياسية التي يُـقدمها عرض هذه الشرائط، ولمصلحة من ؟، وأولا وقبل كل شئ نناقش قضية التأثير النفسي والاجتماعي والثقافي لعرض هذه الشرائط علي الأطفال والشباب العرب اللذين يطمحون لمستقبل أكثر حضارة وتقدم وعلم وسلام وسط عالم يضع النبوغ العلمي والتقدم الحضاري فوق كل شئ، و يُقدم العلماء والباحثين نموذجا لكل الأجيال، وليس البدوي الذي يحمل الكلاشنيكوف ويسكن الجبال الوعرة هاربا من كل المجتمعات، ويخرج علينا بشريط فيديو يهدد فيه الجميع من عرب وأجانب ومن مسلمين ومسيحيين وغيرهم، ويُعلن أنه سيدمر ويقتل ويُفجر باسم الإسلام ودفاعا عن الإسلام والمسلمين.

تراجع التأييد

لكل شعب من الشعوب ولكل أمة من الأمم قضاياها العادلة التي من حقها أن تُدافع عنها، وتسعي الشعوب دائما إلي كسب مؤيدين لقضاياها من الشعوب الأخرى، و لا يُمكن لقضية أن تكون عادلة إذا أجمعت الشعوب الأخرى كلها علي أنها غير عادلة، و ما تفعله الفضائيات العربية بعرضها لهذه الشرائط هو أنها تحشد الرأي العام العالمي كله ضد العرب والمسلمين، سواء كان هذا عن عمد أو عن غير عمد، وقد كان هناك علي الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر العديد من المعارضين للحملة الأمريكية علي العرب والمسلمين، و زادت هذه المعارضة بشكل كبير بعد إعلان واشنطن حشد قواتها لضرب العراق، وكان واضحا أن المعارضة للحملة الأمريكية في أوروبا الغربية قوية جدا، وأقوي منها بكثير في الدول العربية والإسلامية علي المستويين الرسمي والشعبي، وامتلأت الشوارع الأوروبية وأيضا الأمريكية بالمظاهرات والفعاليات الرافضة لسياسات واشنطن وحملتها علي ما تُسميه بالإرهاب والتطرف الإسلامي، في الوقت الذي كانت فيه الشوارع والمدن العربية والإسلامية نائمة لا تُحرك ساكنا، و تصدت أنظمة حكم أوروبية بقوة للحملة الأمريكية، وعلي رأسها فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها، ووصلت درجة سخونة الشارع الأوروبي إلي حد تغيير الحكومة في أسبانيا بسبب رفض الانصياع لإرادة واشنطن، وكان الموقف في الدول الأسيوية مشابها للموقف الأوروبي ومؤيد له، وشاهدنا المظاهرات الرافضة لسياسة إدارة الرئيس بوش تملأ الشوارع في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الحليفة لواشنطن.

الرهينة الكوري

علي ما يبدو أن هذا الدعم والتأييد لقضايا العرب والمسلمين لم يعجب الفضائيات العربية، فذهبت تعرض لنا ما لديها من أحدث الشرائط لزعيم القاعدة بن لادن ونائبه الظواهري، واللذان يهددان فيها الغرب وأوروبا بالدمار والقتل والوعيد، ويخصان بالتحديد الدول التي تؤيد قضايا العرب والمسلمين وترفض سياسات واشنطن مثل فرنسا وألمانيا وغيرها، كما ذهبت تعرض لنا أفلام الرهائن المختطفين في العراق، واللذين يمثلون العرب والمسلمون غالبيتهم، وشاهد العالم كله الفيلم المأساوي للرهينة الكوري الذي ذُبح في العراق علي يد جماعة تنسب نفسها للإسلام والمسلمين، والتي لم تأبه لتوسلات العالم كله وبكاء وعويل والدي الرهينة الكوري وأقاربه والشعب الكوري كله الذي خرج من قبل في مظاهرات يرفض فيها استقبال أعضاء الإدارة الأمريكية في بلاده ويرفض الحرب في العراق، و نعود لنسأل : لمصلحة من كل هذا ؟

واشنطن لا تتهم

وتفتخر قناة الجزيرة أحيانا بأن القنوات العالمية مثل CNN وغيرها تأخذ عنها هذه الشرائط، ولا تُقدم لنا تفسيرا أو إجابة علي سؤال هام وهو " لماذا تخُص هذه الجهات قناة محددة دون غيرها بهذه الشرائط ؟ "، أليس من مصلحة هذه الجهات أن تعطي الشرائط لأكثر من جهة حتى تصل رسالتها لأكبر عدد ممكن، لماذا يُرسل الشريط لجهة واحدة دون غيرها، ومع تكرار وصول هذه الشرائط للقنوات الفضائية من منظمات وأشخاص تُخصص واشنطن جوائز بملايين الدولارات لمن يقبض عليهم أو يُدلي بمعلومات عنهم، أليس من حق البعض أن يتساءل لماذا لا تُوجه واشنطن اتهامات لهذه القنوات بالاتصال أو التعامل مع هذه الجهات التي تتهمها بالإرهاب، ولماذا لا تُراقب أو تحقق في عمليات تسليم هذه الشرائط لهذه القناة أو غيرها، و إن كانت الإجابة علي هذا التساؤل سهلة وبسيطة، وهي أن هذه القنوات تُقدم لإدارة بوش خدمة كبيرة فشلت جهات أخري في تقديمها لها، وحتى أقوي أجهزة المخابرات العالمية ومنها الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية فشلت في أن تُثبت وجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، ولكن قنواتنا الفضائية نجحت في ذلك من خلال عرضها لهذه الشرائط.



وحشية نادرة

لقد نجحت الفضائيات العربية في تشويه صورة العرب والمسلمين أمام الرأي العام العالمي الذي تعامل مع هذه النماذج التي تعرضها الشرائط علي أنها نموذج العربي المسلم الإرهابي المتوحش عدو الحضارة والرافض للحياة مع الآخرين، والذي لا يعرف إلا لغة القتل والذبح لكل من يعترض مصالحه حتى لو كان من المسلمين أنفسهم، ونتذكر هنا المشاهد التي ركزت عليها الفضائيات العربية في أفغانستان أثناء الحملة الأمريكية عليها بعد الحادي عشر من سبتمبر، لقد تركت مشاهد القصف والدمار الأمريكي وذهبت تكرر علي مدار الساعات والأيام الطويلة مشاهد المسلمين الأفغان من تحالف الشمال وهم يضربون بأقدامهم رؤوس المسلمين من طالبان التي كانت مقطوعة وملقاة في الشوارع، وكأنهم يلعبون بها الكرة، هذا المشهد الوحشي الغير مسبوق في تاريخ البشرية ولا في عصور الاضطهاد الروماني، و علمنا أن التليفزيون الفرنسي والألماني منع عرض هذه المشاهد، وأيضا بعض قنوات التليفزيون الأمريكية التي اعتبرت هذه المشاهد أبشع من مشاهد جرائم القتل الحية، وأن لها تأثير نفسي سيئ للغاية علي المشاهدين، وأتذكر هنا في عام 1996عندما كنا نعمل في المراسلة التليفزيونية للفضائيات العربية من الخارج، وأرسلنا رسالة تتضمن مشهدا للرئيس الأفغاني الأسبق نجيب الله وهو معلقا مشنوقا في كابول، ورفضت الفضائيات العربية آنذاك عرض هذا المشهد لأنه يُخل ويُعارض قيم و مبادئ مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا ندري أين ذهبت هذه القيم والمبادئ من الفضائيات العربية الآن.
لا شك أن عرض هذه الشرائط علي الفضائيات العربية سبب أضرارا كثيرة وجسيمة سواء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أو علي الساحة الدولية، وكان له أسوأ الأثر علي نفوس وعقول شبابنا وأبنائنا ومجتمعاتنا، كما كان له الأثر الأكثر سوءا علي الرأي العام العالمي تجاه قضايانا، و نحن علي يقين من أنه لو لم تُعرض هذه الشرائط كلها علي الفضائيات العربية منذ البداية لكان الرأي العام العالمي أكثر قوة وفاعلية وتأييدا لقضايانا.
هل تتراجع الفضائيات العربية عن الاستمرار في هذه الجريمة التي ترتكبها في حق شعوبنا وأجيالنا القادمة ؟؟


[email protected]