اعتدال سلامه من برلين: أول مسؤول وطأت قدماه خيمة الرئيس الليبي معمر القذافي البدوية كان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ثم نظيره الإسباني خوسيه ماريا اثنار بعده الإيطالي سيلفيو برلسكوني والآن المستشار الألماني غيرهارد شرودر، وذلك منذ عودة المياه إلى مجاريها بين ليبيا ومعظم الدولية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، لكن من دون زيارة، إثر تصفية الخواطر ودفع طرابلس الغرب المليارات كتعويض عن ضحايا عمليات إرهابية منها تفجيرمرقص لابيل ببرلين. لكن الضيوف الأوروبيين لن يحصلوا إلا على ما تركته الولايات المتحدة ثمنا لرفعها الحظر الاقتصادي عن القذافي، رغم ذلك فالفائدة ليست صغيرة وتتمثل في إبرام عقود في عدة مجالات منها في قطاع النفط أو بناء شبكة طرقات حديثة كي تتماشى مع المشاريع التي سوف تقام، وهذا ما يتوخاه المستشار فبرفقته إلى طرابلس الغرب وفد اقتصادي وصناعي ضخم.

ورغم الصفاء الذي كلل التخطيط لرحلة المستشار التي يبدأها مساء اليوم وحتى الغد، إلا أن بعض المنغصات رافقته ، اذ استلم السفير الألماني في طرابلس رسالة غريبة. فبعكس الضيوف الأوروبيين تضمن برنامج الرحلة قيام شرودر برفقة القذافي بزيارة إلى النصب التذكاري لضحايا الغارة الأميركية على طرابلس عام 1986، فكان رد فعل السفير الحرج الشديد ثم الغضب وبعدها اللجوء إلى أصدقائه في أعلى المناصب الحكومية في ليبيا لتجاوز هذا المطلب، فمن المستحيل أن يلبيه المستشار ، وكان له ما أراد.

وسيبقى شرودر في ليبيا حوالي 24 ساعة يقضى منها ثلاث ساعات مع الرئيس القذافي في خيمته يجتمع بعد ذلك مع مدراء القطاعات الصناعية والفعاليات الاقتصادية والمالية، وسيزور غدا حقل نفط في منطقة نافورة في الصحراء وقبل مغادرته إلى الجزائر سيشارك في منتدى اقتصادي مهم.

وكما يقول المثل سبحان الذي يغير ولا يتغير يتهافت الغرب اليوم على توطيد العلاقات مع ليبيا البلد الغني، ومن يعرف حقيقة الوضع في الثمانينات لا يعتقد أبدا أنه سيأتي يوم يستقبل فيه رؤساء أكبر الدول الغربية بالأحضان سياسيا ما وصفوه بالإرهابي والدكتاتور، وكأن كلمة السحر هي " دفع المليارات تعويضا للضحايا" وتزامن ذلك مع وقوع العديد من البلدان الغربية في أزمات اقتصادية قوية.

هذا لا يعني أن ليبيا ليست مستفيدة، فمنذ إرساله وسيطا لإطلاق سراح السياح الغربيين الذين اختطفتهم جماعة أبو سياف في جزيرة غولو، أدرك القذافي أهمية هذا الدور كي يخرجه من عزلته التي أدت إلى عدم مواكبة بلاده التطورات المهمة وحصولها على التقنيات الحديثة بسبب الحظر الاقتصادي عليها، فأرسل ابنه سيف الإسلام الذي أتقن دور الوسيط عبر مؤسسة القذافي الخيرية في جولات علنية وسرية إلى العواصم الغربية حيث يكمن القرار منها برلين، ولكي تظهر وجه ليبيا الحضاري أقامت السفارة الليبية في برلين معرض رسوم وصور فوتوغرافية لسيف الإسلام حضره بنفسه، وذلك في مبنى اتخذه المستشار مقرا له عقب الوحدة الألمانية إلى حين انتهاء تشييد مبنى المستشارية الجديد.
وتكررت الوساطة الليبية عن طريق مؤسسة القذافي كتحرير الرهائن الأوروبيين من عصابات في صحراء الجزائر، حتى أنه يقال إن للمؤسسة فرعا في ألمانيا يعمل بنشاط مع مؤسسات خيرية أوروبية.

وبهدف إسراع الخطى من أجل فتح صفحة جديدة من العلاقات مع الغرب، تخلت ليبيا عن برامجها النووية وكشفت لوكالة المخابرات الأميركية عن أكبر شبكة تهريب للمواد النووية في العالم.
وما يحدث اليوم هو أول خطوة لعودة ليبيا إلى " الحظيرة الدولية" كما هي التسمية المعتادة، فلديها النية في المساهمة في حل مشاكل أوروبية داخلية لذا فان لمرافقة وزير الداخلية اوتو شيلي لشرودر في رحلته هدف.

فمنذ أن بدأ يحلم وزراء داخلية بلدان الاتحاد الأوروبي بتجميع طالبي حق اللجوء السياسي خارج أوروبا وردت ليبيا على لائحتهم، لأن العديد من الهاربين من بلدان أفريقية يسافر عبر صحرائها حتى يصل إلى الساحل ليركب زوارق تجار تهريب البشر إلى إيطاليا ويحد بينها وبين ليبيا كما هو الحال مع مالطة البحر فقط. لذا سيبحث شيلي مع كبار المسؤولين الليبيين القضية وقد يعود وفي يده اتفاق لإنشاء أول معسكر تجمع.