جاسم المطير
&
لا أعرف أدوارد سعيد إلاّ من خلال كتابه ( الأستشراق ) أول مرة، وهو كتاب عممته وزارة التعليم العالي العراقية لدراسته وتدريسه في عدد غير قليل من الكليات العراقية وفي بعض المعاهد التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي ومنها معهد التاريخ العربي حين انتقل مقره من القاهرة الى العراق حيث تموله الحكومة العراقية. قرأت كتاباً من كتبه الصادرة في منتصف التسعينات عن الامبريالية والثقافة. وتابعت العديد من مقالاته في الصحف العربية وعرفت أنه شخصية ثقافية مهمة في ميادين الأستعراب الأمريكي. كما عرفت أنه استاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا.
تعرفت الى كنعان مكية، أول مرة، من خلال استماعي لبعض فصول كتابه " جمهورية الخوف " التي كانت تذاع بالتتابع في أحدى إذاعات المعارضة العراقية في بداية التسعينات، وعرفت في ما بعد انه استاذ في جامعة هارفرد وثيقة الصلة بوزارة الخارجية الامريكية.
&قبل أربعة أيام، أي يوم الثامن والعشرين من نوفمبر وصلني من الصديق د. صادق البلادي، مشكوراً، مقال أدوارد سعيد الذي نشرته جريدة "الأهرام ويكلي" وهي تصدر باللغة الانكليزية، تناول فيه بعض أتجاهات القضية العراقية واستعدادات الولايات المتحدة عسكرياً لضرب العراق، وذلك من خلال موقفه الخاص من كنعان مكية ومن خلال الحرب النفسية الامريكية مؤكداً ظلامية السياسة التي ينتهجها جورج دبليو بوش. محاولاً طرح سؤاله عما يحدث للعراق بعد سقوط صدام حسين وبرنامجه "المبكر" كما سمّاه للتنمية الاقتصادية في العراق.
غير أن أدوارد سعيد يسرع في تكثيف مقالته مسلطاً الأضواء على كنعان مكية باعتباره أحد المحرضين للأمريكان على تغيير صدام حسين. فيقول انه تعرف على مكية عندما انتسب الأخير الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ثم طالباً في الهندسة المعمارية في كلية أم آي تي الامريكية، ويقول أنه اختفى عن أنظاره لغاية 1990 أي إلى حين أصدر كتابه "جمهورية الخوف" بأسمه المستعار (سمير خليل)..
لم يكن ادوارد سعيد راغباً، كما بدا بعد الفقرة الاولى من مقالته، في تناول واقع الموقف الامريكي الحالي من العراق، نظاماً ومعارضة، فانطلق بالحال لتوجيه الاتهامات الى كنعان مكية بوصفه من المثقفين العراقيين الذين كشفوا تواطؤ بعض المثقفين العرب مع نظام صدام حسين وأورد في كتابه الثاني "الوحشية والصمت" نقده الشديد لمثالين من أمثلة مواقف المثقفين العرب هما أدوارد سعيد ومحمود درويش الذي كتب قصيدة الى صدام حسين. وملخص موقف كنعان مكية، كما قال سعيد في مقالته، أنه وجه اتهاماً في كتابه الجديد ــ لا أدري شخصياً هل طبع بالعربية أم لا ــ الى المثقفين العرب بالانتهازية والعهر لمن وقف الى جانب الانظمة العربية مدافعاً عنها، كما وجه نقداً شديداً، في نفس كتاب "الوحشية والصمت" الى المثقفين العرب اللائذين بالصمت تجاه ما يجري بحق الشعب العراقي و الشعوب العربية والى أولئك المستفيدين من سخاء صدام حسين.
كردة فعل ملموسة لدى أدوارد سعيد من نقد مكية الجديد هو أتهام كنعان مكية نفسه ، بالخوف من النظام العراقي والتواطؤ معه، بعد اكثر من عشرة اعوام على صدور كتابه الأول " جمهورية الخوف " من خلال الأشارة الى ان الممول غير المباشر لطبع هذا الكتاب هو صدام حسين نفسه مشيراً الى استفادة مكاتب والده المعمارية في بغداد من خلال ممارسة البزنس والمقاولات مع دوائر الدولة العراقية التي كان كنعان مكية من خلالها يزور يغداد كوكيل متابع لاعمال والده، وهو السبب الرئيسي الذي جعل مكية يصدر كتابه الأول باسم مستعار. ثم وجه أدوارد سعيد هجومه على مكية الذي قال عنه أنه مثقف عراقي لكنه لم يكتب شيئاً ضد الانظمة العربية قبل صدور كتابه " جمهورية الخوف " وحين كان يتردد على العراق.
ثم وصف كتابه الثالث عن "قبة الصخرة" الذي حوّله الناشر الى أدوارد سعيد لتقييمه كخبير، بأنه "الكتاب السيء " بعد قراءته.
في مقالته هذه لم يمارسِ أدوارد سعيد "النقد الثقافي" أو "المحاججة السياسية" أو "الجدل الفكري" لمواقف كنعان مكية ولكتاباته الاخيرة بل شن هجوماً عنيفاً فقال عنه: أن من المحزن حقاً أن يكون كنعان مكية يمثل صوت عراق المستقبل..!
قال أيضاً: أن مكية ظاهرة مرور. انه المثقف الذي يخدم القوة المطلقة. أنه رجل بلا قيم ولا مبادئ.
الشيء الذي يعنينا من هذه المقالة الأدواردية ومن مثيلات لها تصدر هنا وهناك من مثقفين عرب أنهم يقفون، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، بعلم أو من دون علم ، الى جانب النظام الدكتاتوري، وعدم الألتفات الى المعاناة القاسية الملحقة بالشعب العراقي جراء حربين مدمرتين واسعتين وحصار اقتصادي مقيت وقمع بوليسي دموي. تماماً مثلما جرى بعيد توقف الحرب العراقية ــ الأيرانية من خلال تزكية النظام العراقي من جريمة حلبجة واتهام إيران باستخدام الغازات السامة ضد هذه المدينة الكردية قبيل بدء حرب الخليج الثانية، حيث صدر تقرير أمريكي في حينه من قبل معهد أمريكي عسكري أيام كان الحلف الأمريكي ــ العراقي قائماً فروج بعض المستعربين الامريكان لهذا التقرير وربما كان أدوارد سعيد واحداً من المروجين. وقد استخدم من مثقفين عرب لتزكية " الطابع القومي " لنظام بغداد، بينما ظهر بعد حرب الخليج الثانية بطلان فحوى التقرير المذكور. فهل يعبر هذا الهجوم العنيف على كنعان مكية المعروف بارتباطاته بالخارجية الامريكية مسوغاً لمنتقديه في دفاعهم عن النظام العراقي الدكتاتوري..؟
لا شك أن قدرة السخاء المالي للنظام العراقي لا تحد بحدود لشراء ذمم ليس رجال الاعمال الامريكان وحسب بل ذمم مستعربين ومستشرقين امريكان وبعض المثقفين العرب منذ بداية الحرب العراقية ــ الأيرانية في أوائل الثمانينات حيث أوكلت لبعض هؤلاء مهمات بزنس مختلفة الاشكال كان يقف وراءها مكتب هنري كيسنجر وتابعيه من العرب حيث استفاد مليارات الدولارات من وراء صفقات كبرى عسكرية ومدنية رتبت للحكومة والمؤسسات العراقية.
من هنا ينطلق الموقف الهجومي ضد كنعان مكية لا بوصفه معارضاً عراقياً أو مناهضاً لمواقف المثقفين العرب الصامتين منهم والمنتفعين حسب، بل بالاساس دفاعاً عن نظام صدام حسين الذي إذا سقط فستسقط معه منافع كثيرة لمثقفين عرب كثيرين نأمل أن لا يكون المفكر الامريكي الفلسطيني الاصل أدوارد سعيد من هؤلاء.. !!
لقد قيل: عيش وشوف..!!

بصرة لاهاي في 2/12/2002